يؤمنون بمن هو كافر بنفسه على نحو كفرهم بالعدم، هكذا كلما أزداد كفرا أزدادوا يقينا. ففي نهاية ممر أعينيهم المرفوعة إليه لم يجدوا سوى عينيه.. عينيه اللتين لا تران غير سراب عقولهم، ووهم منطقهم. هكذا أصبح يلعن نفسه فيهم، فلا تجد أصواتهم إلا وقد تعالت بتقديسه. لابد أن تغلق الدائرة نفسها عليهم كي يعيشوا في زحام هذا الفراغ الذي سيفاجئهم بالعدم الذي لا يتصوروه، المفاجأة هي أهم شروط العدم الذي لم يعرفوا له وصفا سوى أنه وجه نقيض وجودهم.. وجودهم الذي غيبهم عن كل شيء.. وسوف يغيبهم عدما عن كل شيء.. حيث الكفر أدعى للإيمان منه إلى الكفر.
قد يبلغ الجهل منتهاه عندما يظن أحدهم أنه من الممكن للبشر جميعا أن يعقلوا الامور بعقوله هو، لا بعقولهم، ويبلغ العمى مداه عندما يتوقع أنه بالإمكان أن ترى عيون الجميع المشهد من زاويته وبضيق عينيه. جهل كهذا وعمى كالذي سبق لن تراه إلا في أصوليا متطرفا يريد من العالم أن يعقلوا بمثل ما يعقل، وأن يروا كمثل الذي يرى وإلا كان القتل جزاءهم، ولو تحقق له الذي يريد من مثل هذا العمى، ومثل هذا الجهل، لكان البشر في عداد الكائنات المنقرضة من ملايين السنين جراء حروب إبادة ساذجة تقوم على مبدأ أن كل مخالف هو مطلوب للقتل، وكل خلاف لا يحل إلا بحرب.
إن أكبر فكرة يدور حولها الصراع عبر الزمن ويتزايد حولها ضجيج الاختلافات هي فكرة الله.. تلك الفكرة التى يدور في فلكها الجميع بألف مليون شكل وألف مليون طريقة إبتداء فيمن مثلوه ووصفوه وعبدوه، وحتى من أنكروه وكفروا به. فالفكرة قائمة في نفوسنا جميعا مهما كانت طريقة تفاعلنا معها.
إن الفكر الذي ينبني على مصادرة أفكار وعقول الآخرين حول الله وماهيته ونقد رؤى وعيون المغايرين حوله وحول صورته لهو أشد أنواع الكفر به. إن صدام كهذا يبدو صراعا ظاهريا بين البشر، لكنه في باطنه كفر بالله وحرب ضروس ضده.. صراع في هيئة اعتراض على صنعته وإرادته فهو من منح المخالفين عقول تدركه على هذا النحو الذي تدركه ووهبهم عيون تراه على نحو هذا التعدد من الصور و الأشكال. فمن يصادر عقول البشر وعيونهم في رؤيتهم لله فهو يرتكب كفر بين في حق من صنع هذه العقول وتلك العيون، ومنحها الحرية لتراه حيث شاءت كما شاء.
إن فكرة الله من وجهة نظري فكرة كانطية لا يمكن إخضاعها للإثبات والنفي، بل لا يمكن إخضاعها لأي صورة نمطية وردت في دين بعينه.. فالله هو الشيء الذي نراه جميعا كل منا على حسب قدره وقدرته.. هو خصوصية تجربة الذات الإنسانية المتفردة والفريدة التي تجعل من الإنسان إنسانا ومن الوجود وجودا.. حيث لو توحدنا جميعا في معرفته على نحو واحد لا خلاف فيه؛ لانهدم محرك الاختلاف في الحياة، فانهدمت فوق رؤوسنا للأبد.