‏إظهار الرسائل ذات التسميات مراجعات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مراجعات. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 8 يونيو 2020

أبطال ‏وليم شكسبير ‏الحقيقيين

صورة للأديب الإنجليزي وليم شكسبير

لا أنكر أن أشد ما يستوقفني في مسرحيات شكسبير هي الصياغة اللغوية الشاعرية المحكمة والصور المجازية الكثيفة التي تجري على ألسنة الأبطال، والتي تستطيع أن تحتفظ بنفسها متماسكة ومبهرة وبارقة رغم ترجمتها للغات عدة. بل أنني لا أبالغ إذا قلت أن اللغة هي البطل الحقيقي لشكسبير قبل الشخوص والأفكار والحبكة والترميز والبناء الدرامي، حيث تستطيع أن تخرج من كل مسرحية بعدد كبير من الاقتباسات الملفتة العميقة، والتي من الممكن استخدامها واستداعائها في مناسبات حياتية كثيرة بعيدا عن شخوص قائليها. ولا غبار عندي أن اللغة واللغة وحدها هي من جعلت شكسبير شكسبير.
ولكني رغم أجلالي الشديد للغة شكسبير الجزلة الفخمة وتصويراته البلاغية المحكمة أقف بنفس الأجلال والتقدير لشخوص بعينها من أبطال مسرحياته. والمدهش بحق أن تلك الشخوص التي استوقفتني ليسوا أبطال المسرحيات أصحاب الأدوار الأولى، بل شخوصا من أصحاب الأدوار الثانية والثالثة بل وحتى الثانوية من حيث حجم أدوارهم. ولكني رغم هذا أجد لهم حضورا طاغيا يعكس جهدا فكريا جبارا من حيث التشخيص والكتابة واللغة والترميز جعلهم هم الأبطال الحقيقين للحبكة والموجهين لدفة الأحداث. وتلك أيضا أحد  أهم سمات هذا الكاتب العظيم من وجهة نظري ألا وهي الاهتمام بالشخوص أيا كان حجم أدوارها أو الهدف من استداعائها لتوجيه سير الأحداث والحبكة. ولكي اوضح ما أرمي إليه سأذكر بعض من تلك الشخوص الذين أراهم حاضرين في أشهر مسرحياته كأبطال محركين للأحداث، رغم أنهم ليسوا الابطال الحقيقين لتلك المسرحيات.

وأول تلك الشخصيات هو كاسيوس في رائعة يوليوس قيصر.. ومما لا يخفى على أحد أن مسرحية يوليوس قيصر هي ملحمة تراجيدية تحكي عن تلك المؤامرة التي حيكت لاغتيال قيصر. ورغم أن دور البطل الرئيس الذي تدور حوله الأحداث هو يوليوس قيصر والبطل الآخر المواجه له على الضفة المقابلة للقصة هو بروتوس صديقه زعيم المتآمرين إلا أنني أجد شخصية كاسيوس هي الشخصية التي تحرك الأحداث من أولها إلى نهايتها.. كاسيوس هو صلب القصة تماما وعمود خيمتها بحقده وحسده وحنقه وحيله البليغة في الأقناع، والذي لولاه لما ظهرت المؤامرة بهذا الشكل، ولما خرجت تلك المأساة التراجيدية على هذا النحو من الإحكام والروعة. إن كل كلمة يقولها كاسيوس منذ وسوسته الأولى لبروتوس إلى لحظة انتحاره في النهاية هي الخيط الحقيقي الذي تنتظم فيه كل الشخوص والأدوار لتظهر لنا تلك المأساة بنظمها الفريد المبهر، وبحبكتها المحكمة اللافتة. 

وبنفس الطريقة التي تحدثنا فيها عن كاسيوس في مسرحية يوليوس قيصر نجد شخصية إياجو في مسرحية عطيل.. وإياجو هو صورة مجردة للشر والغيرة من سيده وقائده عطيل ذا البشرة السوداء والغيرة الشرقية الخالصة.. يتلاعب إياجو بجميع شخوص المسرحية بطريقة تسمح للأحداث إن تنساب بسلاسة وفق مخططاته المحكمة.. وبهذا التكنيك المسرحي الذي يستخدمه شكسبير مع شخصية إياجو تكنيك -الحديث إلى النفس- يجعل شكسبير من إياجو هو البطل الحقيقي للأحداث.. ففي كل خطة يسرها إياجو إلى نفسه يتواطئ المشاهد في انتظار تحقيقها من جانب بقية الأبطال على خشبة المسرح إلى أن يسقط ٱياجو في النهاية بيد زوجته التي تكشف حيلته.

أما الشخصية الثالثة وبحجم دور أقل كثيرا مما سبق، رغم أن تلك المسرحية هي واحدة أطول مسرحيات شكسبير على الأطلاق من حيث الحجم نذكر شخصية الشبح في مسرحية مأساة هاملت. حيث أن الدافع الحقيقي لانتقام هاملت من عمه الذي قتل أبيه، وتزوج أمه، واستولى على العرش هو ذاك الشبح الذي ظهر له ليخبره بذلك. من عند هذا الشبح -والذي جعله شكسبير يحمل نفس أسم البطل هاملت- تبدأ ملحمة الانتقام لتنتهي بانتقام كامل لهاملت من قتلة أبيه.ينتهي بموته أيضا. ورغم غياب هاملت الشبح الذي حرك كل هذه المأساة في نهاية المسرحية يبقى حضوره طاغيا  كون هاملت الحقيقي نفسه مات قتيلا مثل أبيه الملك المغدور.

الثلاثاء، 5 مايو 2020

كيف تحولت مأساة جورج كليمنصو الجادة إلى ملهاة تافهة على يد القرموطي؟؟

صورة لرئيس وزراء فرنسا جورج كليمنصو

جورج بنيامين كليمنصو -لمن لا يعرفه- هو واحد من أعلام السياسة في تاريخ فرنسا الحديث. فهو رجل دولة من طراز رفيع، وسياسي مخضرم متمكن، وقائد حرب لا يشق له غبار. اختطفه العمل الصحفي شابا من مهنة الطب التي تعلمها في جامعة باريس المرموقة، ليسافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1865، ليعود إلى فرنسا بعد ذلك بعدة أعوام كصحفي متمرس يقيم قلمه أوساط السياسة ويقعدها، ليتدرج بعد ذلك في المناصب السياسية.. فمن رئيس بلدية أحد المقاطعات، إلى عضو بارز بالبرلمان، ثم وزيرا للداخلية، ثم وزيرا للدفاع، ثم رئيسا لوزراء فرنسا لمرتين بالانتخاب، أحداهما قاد فيها فرنسا في الحرب العالمية الأولى، وخرج بها منتصرا حيث كان من أقوى المساهمين في معاهدة فرساي التي أسدلت الستار بشكل رسمي على وقائع الحرب العالمية الأولى بين دول الحلفاء ودول المركز. 

أذن نحن بصدد شخصية تاريخية فارقة فذة، ومن ورائها حياة إنسانية عامرة تذخر بالكثير والكثير من التجارب التي جعلت الرجل يترك كل هذا في سنواته الأخيرة، ليركن إلى كوخ صغير معتزلا العمل العام؛ ليتفرغ للتأمل والقراءة والتأليف، ليترك لنا قدرا لا بأس به من الكتب، ربما من أهمها عمل أدبي يعد من روائع المسرح العالمي هو مسرحية "قناع السعادة".

و"قناع السعادة" هي مسرحية تراجيدية تدور أحداثها في بكين بالصين لشاعر وحكيم صيني يسمى "تشنجآي" وهو رجل ضرير قد تصالح مع عماه برضا بالغ قانعا بما عنده من زوجة حانية محبة، ومن ابن طيب مطيع، ومن أصدقاء أوفياء، بل أنه كان يعتبر أن تلك الزمرة المحيطة فيها من التعويض ما هو أكثر بكثير من خسارته لنور عيناه.. لكنه وفي خضم الأحداث يهديه أحد أطباء البربر الأجانب أكسيرا سحريا في مقدرته أن يعيد البصر بثلاث نقط في كل عين، ولكن عليه استخدامه بحذر شديد، حيث أن عشر نقط من ذلك الاكسير كفيلة بأن تيبس في الحال محاجر العيون.. ورغم عدم اقتناعه إلا أنه ظل يستخدم هذا الاكسير مداوما عليه.. حتى ذات مرة أخيرا وفي نهاية أحداث المسرحية يستطيع هذا الأكسير السحري من أن يعيد إليه بصره، ليكتشف أن الحقيقة الجميلة التي لطالما عاش قانعا راضيا بها كانت محض أكاذيب ووهم حجبها عنه عماه.. فزوجته المحبة تخونه مع صديقه الوفي.. أما صديقه الآخر الذي لطالما أبدى المودة قد سرق ديوانه وأرسله للامبراطور كاتبا عليه أسمه.. أما أبنه المطيع فلا يفعل شيء غير الاستهزاء به.. هنا يدخل الحكيم "تشنجآي" في لوثة من الهستيريا.. يكتشف فيها أن العمى كان هو قناع السعادة الذي يحجب عنه فداحة وبشاعة الأشياء والأشخاص.. فيتشكك في كل شيء.. في الصداقة والوفاء والحكمة وفي كافة القيم والأعراف والتقاليد، حتى يصل به الأمر في أن يتشكك في تلك الوصفة التي ردت عليه بصره، بل ويعتبرها سحرا شيطانيا من صنع ذلك الطبيب البربري.. وعلى وقع تلك الصدمة يسكب كل ما في القارورة في عينيه لتتيبسا تماما وتحترقا، ويعود أعمى من جديد.

وكم من الملهم أن نذكر بعضا من تلك العبارات اللافتة التي جرت على لسان البطل "تشنجآي" عند اكتشافه لتلك الحقائق المروعة البشعة بعد أن أرتد إليه بصره كي تكتمل الصورة.. يقول:

"هل حقيقة أن في تلك اللحظة التي أعود فيها لرؤية هذا العالم ينهار فجأة صرح سعادتي؟؟"
"أن ظلمة عيني كانت تنشر على الدنيا حجابا براقا من الهناءة العميمة.. لكني أبصرت فجأة، فإذا الحجاب تمزق، والحقيقة تعرت.. الاعتراف بالجميل.. احترام الوالدين.. الوفاء.. الصداقة.. الحب.. العادات.. التقاليد.. الثواب.. العقاب.. الحكمة.. أباطيل.... أكاذيب.... وأوهام.... ما دام لم يعد شيء صادقا في العالم فما الحياة سوى أكذوبة كبرى"
"لتكن ملعونا أيها الطبيب الأجنبي الذي اختطف سعادتي حين وهبني النور.. أي نور؟! نورك أنت يا شيطان جهنم.. فهل يمكنني الآن النجاة من سحر تعاويذك؟؟ لما لا يكون ما أراه وهما من عمل الجن؟؟ لما لا يكون ما أراه إلا وهما وخبالا وأحاجي أبالسة؟؟ كم كنت غبيا حين سمحت له أن يجرب في شعوذته.. أين كانت حكمتي حين خضعت لسحره الأثيم؟؟"
"كم من أفراح أنا مدين لك بها يا عيوني المغلقة، وكم من أرزاء أصبتني بها يا عيوني المبصرة".
"يحتاج المرء لتحقيق سعادته إلى قناع يحجب عنه حقيقة الأشياء".
"كم كنت تسارع لتهتك عن نفسك الحجاب لتعتاض عنه بماذا أيها التعس؟! 
إنما السعادة الكاملة كانت في عماك، أما بصرك ففيه شبح الشقاء.. أريد العمى الذي يمنحني الحقيقة السعيدة".

ترجمت تلك المسرحية إلى عدد كبير من اللغات من بينها العربية، ليتم تقديمها بالإذاعة المصرية من خلال برنامجها الثقافي الزاخر بروائع المسرح العالمي، حيث أخراجها للإذاعة المخرج الإذاعي القدير: الشريف خاطر، ثم تم بعد ذلك تقديمها على التلفزيون كسهرة تلفزيونية من بطولة محمود المليجي وإخراج محمد عبدالسلام. وكلا العملين السابقين تناولا المسرحية بلغة فصحى تحفظ قدرا من الهيبة للنص الأصلي الذي ترجمتا عنه، وأوردا أسم مؤلفها على تترات البداية والنهاية. 

ولكن في عام 2007 تم إنتاج نفس المسرحية مع كثير من التشويه والاستظراف المبتذل في فيلم كوميدي تجاري تحت أسم " صباحو كدب"  من بطولة أحمد آدم وقصة نهى العمروسي -والتي ربما يحق لنا أن نشير أنها سبق اتهامها في قضية تعاطي مخدرات-  وسناريو وحوار أحمد عبدالله.. تم انتحال القصة دون أي تنويه عن تلك المسرحية ونصها الأصلي، والذي تم تشويهه وإفساده بمعالجة رديئة، وبسيناريو وحوار فشل رغم ركاكته حتى أن يكون مضحكا.. وهكذا تحول "تشنجآي" الشاعر والحكيم الصيني  بطل المسرحية على يد نهى العمروسي المؤلفة المنتحلة إلى "نعناعة" مدرس الموسيقي الذي يغني في الأفراح الشعبية. هذاالدور الذي فشل فيه أحمد آدم هو الآخر فشلا مدويا في إداء دور البطل الكفيف. وهكذا تحولت رائعة جورج كلمينصو  التراجيدية الخالدة والتي تنعكس فيها خلاصة خبرته الفلسفية والحياتية العارمة إلى مهزلة فنية على يد القرموطي "أحمد آدم" والحرامية "نهى العمروسي" منتحلة القصة، والتي وإن كان برئها القضاء من تهمة تعاطي المخدرات، فلا يمكن لمنصف من أن يبرئها من السرقة الأدبية، والتشويه الفني الذي هو في تداعياته وآثاره أخطر بكثير من المخدرات وتعاطيها.. ففي واحدة من أسوأ السرقات والانتحالات الأدبية -والتي مع الأسف تزخر بها السينما المصرية- تم إلقاء "قناع السعادة" جانبا؛ ليظهر لنا فيلم في منتهى القبح والدمامة أسمه لا يصف إلا حال أصحابه ومؤلفيه.. فصباحهم كدب في سرقة في كدب.

الخميس، 1 يونيو 2017

عن طوق الحمامة ووهمية الحب العذري

غلاف كتاب طوق الحمامة لابن حزم الأندلسي

قد نختلف حول إذا ما كان الحب يفقد قدرا من عذوبة روحانيته عند ممارسة الجنس كفعل مادي نتقاسم جزء كبيرا من سماته مع الحيوانات، لكننا بالرغم من ذلك نتفق بسهولة على أن الحب يفقد ذاته كاملة إذا تراكمت عليه الأيام دون تواصل جنسي محسوس لدرجة يستحيل فيها إلى لا شيء، وإلا تحول لمجرد ذهان مستغرق في الأوهام، وشبق مازوخي للتمتع بالحرمان، وذلك يحدث لاستثناءات بشرية من الممكن الحديث عنها فقط من باب التندر والطرافة ليس أكثر.فببساطة لا يمكننا الحديث عن الحب الإنساني بمعزل عن غريزة الإنسان وحبه لذاته مما يندرج منطقيا تحت غريزة البقاء الأم التي تجابه حقيقة الموت بالتناسل من أجل أماني الخلود. 

وأنه لما كان يصعب الفصل بين قيمة الحب المجردة ومنفعته وحاجتنا إليه على مستوى الشعور ناهيك على مستوى الوعي، لم يستطيع "طوق الحمامة" ولا غيره أن يثنيني عن حقيقة الحب كمجرد تبرير كلامي أجوف هش ممعن في الغموض والالتباس لتبرير الغريزة الواضحة الملحة المدموغة سلفا فينا دونما أختيار. ويبقى "طوق الحمامة" وما على شاكلته في نظري مجرد محاولات جيدة للرصد، لكنها محاولات بائسة جدا لخلق ماهية فيها أي قدر من العمق المتجاوز لصخب تكبر الإنسان الأجوف وتمركزه الساذج حول ذاته.

وطالما ظل الإنسان مفتقرا للدليل والبديل فلا عجب أذن أن يصبح النسق الشعوري للحب المتداول شعرا وأدبا وحتى فلسفة محض سذاجة طفولية فيها من السطحية والتضارب ما فيها بحيث نضيع بها لذة غريزتنا الحيوانية الثابتة بداعي الاحتقار، وتضيعنا لذته الروحانية الملتبسة في غياهب الخيالات الفرادنية وتخيلات التجربة الذاتية دونما دليل ثابت متفق عليه فتصبح النتيجة أن يصير الحب في أبهى أستعمالاته وأكثرها شيوعا بالنسبة للعوام مجرد بداية جميلة يتدافعون إليها زمرا على أمل السعادة، لتسوقهم ختاما إلى نهاية بشعة من لا معنى الملل بالتكرار، ولا جدوى اللذة بالاحتقار.. يا لها حقا من نهاية بشعة لا يمكن تفاديها إلا بإنكارها وذلك فقط ليترك الناس لأنفسهم مساحة للعودة من أجل تكرارها لإنعدام أي نسق شعوري بديل.

الأربعاء، 17 فبراير 2016

في ظلال انتظار غودو

بينما كنت مسترخي في سريري أقرأ خطبة "لاكي" العصماء التي ألقاها "في إنتظار غودو" الذي لم يأتي، ولن يأتي. استشعرت أن سقف الوعي منخفض إلى حد لا يسمح لعقولنا إلا أن تبقى منحنية.. وأن محاولة صمويل بيكيت لرفع عقولنا فوق حد العقل بالعبث لم ينتج عنها سوى ارتطام مدوي لرؤوسنا بهذا السقف المنخفض جدا للوعي. ارتطام مؤلم بحق. 

في الحقيقة نحن انعدمنا من العدم.. كنا.. عدم أفسد نفسه؟! عدم أصلح نفسه؟! لا فرق. نعم ولا؟! لا ينفصلان، نعم. الوجود على كل حال هو إبتداء العدم، وعلى هذا النحو بدأ الإنتظار، وبمثل هذا انتصر السأم. لاشك أنك إذا نظرت إلى داخلك بنظرة سريعة سترى الصورة واضحة نوعا ما، لكن كلما توغلت.. أمعنت.. تعمقت.. ستجد أن الصورة تزداد قتامة وصولا إلى عتمة حالكة وظلام دامس مجهول كهذا الذي سقط في صمويل بيكيت ليكتب لنا تلك المسرحية.. ربما هذا المجهول هو الذي يصدر لنا كل تلك الصور التي تطفو على السطح. الصور التي تظن أنها انت.. أنها أفكارك.. أبعادك.. معاييرك.. منطقك.. إرادتك.. كل هذه الأشياء هي من صنع المجهول المعتم الذي يملأك.. كل هذه الأشياء هي التي تصنع الصورة السطحية التي تطفو لاحتياجاتك التي تدفعك إلى الإستمرار للبحث عن أجابة للسؤال الضخم العظيم: ماذا أريد؟؟ 

كل القوى التي تدفعك إلى الأمام .. كل الافكار التي أنتجت هذا السؤال.. كل الاحتياجات التي تدفعك للاستمرار في الركض.. ما هي في الحقيقة إلا حيل المجهول الأكبر الذي ينتظرك بعد الموت.. كل ما في الأمر أنه قد حدد موعد المقابلة مسبقا، وأخترع هذا الطريق الطويل كي تصل إليه في الموعد الذي حدده. إن عدم خوفي من أن أموت وعدم لامبالاتي لا يعني عدم خوفي من الموت، بل على النقيض يعكس مدى رعبي منه، ومن سهامه الطائشة التي قد تنال أحبابي المحيطين الذين أتشكك أصلا في صدق حبي لهم، بل أتشكك أصل في لفظة الحب ذاتها وفي مغزاها، ولكن أقولها لأني لا امتلك الآن من الصبر ما يسعفني لأجد لفظة أخرى ملائمة.. على كل حال أنا مستعد أن اموت و انا في غاية الرضا و السعادة على أن أعيش بدونهم. تلك هي الحقيقة التي تتداعى على نفسها بالوقت.. أو بالأحرى هذا ما يحدث عندما يجابه صفرا مثلي الما لا نهاية على ضخمتها.. هكذا يحدث الخلل، وتصبح القيمة غير معرفة.

الأحد، 9 يونيو 2013

تأملات في المواقف والمخاطبات للنفري- موقف البحر




يقول النفري في "موقف البحر"
وقال لي خاطر من ألقى نفسه في البحر، ولم يركب. وهلك من ركب، وما خاطر. المخاطرة جزء من النجاة.

التعليق:
بحر المعرفة زاخر طامي تضرب أمواجه المتلاطمة المتجددة العقول يوما بعد يوم مزلزلة سفن الوعي الإنساني الباحث عن استقرار المرسى وهدوء الميناء. ورغم عمق هذا البحر السحيق واتساعه الذي لا يحده بصر ولا تصور، إلا أن ركوبه يعد ضرورة لا مناص عنها، كونه هو أفضل آليات البحث التي أنتجتها الحضارة الإنسانية بتراكمها. وهذا تحديدا ما يشير إليه  "النفري" في معرض حديثه عن المخاطرة والنجاة.

فهؤلاء الذين احتموا بسفينة ما وجدوه من أرث هادئ مستقر مربوط بحبال الماضي إلى مرفأ الاستقرار والسكينة، وحاربوا الجميع كي يحتموا بتلك السفن التي ورثوها -سواء كانت هذه السفن دينا أو معتقدا او تصور- لا يعرفون من بحر المعرفة غير ما يروه من على سطح سفينتهم حيث أمواج تضرب، وقاع عمقه لا يدرك، ونهاية لا نهاية لها. هكذا أجبرهم الخوف من المخاطرة وعظمها على تقديس السفينة، فآثروا السلامة على ركوب البحر واكتشافه، متناسيين أن السفينة لا تمثل للبحر شيء، وأنها رهن إرداته لو شاء أغرقها بمن فيها.

وهنا يقرر "النفري" النتيجة لصالح المخاطرة كونها جزء أصيل من النجاة لا محالة.. فكيف تستقيم النجاة أصلا دونما مخاطرة؟؟ وكيف تدرك سفينة مربوطة إلى المرفأ ما تدركه سفن المخاطرة في مواجهة هذا البحر الهائج؟؟ 
إن للمعرفة عدالة لا تساوي بين مخاطر ومتواكل حيث النجاة كحقيقة طويلة الأمد لا تكون من نصيب إلا من غامر وخاطر.. فكل يلقي جزائه على قدر عمله ومحاولته.. ويبقى المتواكل المتخاذل المتكاسل مربوطا إلى سفينته المربوطة إلى مينائه إن شاء الموج أهلكه فيها، وإن شاء تركه لخوفه وتوانيه كي يهلكه. بينما المخاطر المغامر الذي فتح صدره للأمواج متغلبا على خوفه لم يترك لنفسه فرصة إلا أن يعرف، فإذا ما هلك دونما أن يعرف تبقى مغامرته ومحاولته نبراسا يهتدى به من لحقه ليكمل ما بدأه، ويكفيه معرفة أنه عرف نفسها وروضها وتغلب على مكامن الخوف فيها حيث ذلك هو ذروة سنام المعرفة والنجاة معا.

الأحد، 14 أبريل 2013

تأملات مع كتاب المواقف والمخاطبات للنفري





يقول النفري في المخاطبات:
وقال لي : ادخل عليّ بغير إذن، فإنّك إن استأذنت حجبتك.
العلم الذي ضده الجهل هو علم الحرف،والجهل الذي ضده العلم هو جهل الحرف، فإن خرجت من الحرف سوف تعلم علما لا ضد له. فإذا عرفت معرفة المعارف سوف تجعل العلم دابة من دوابك، وتجعل الكون طريقا من طرقاتك، وإذا جعلت الكون طريقا من طرقاتك لم تتزود منه. هل رأيت زادا من طريق؟؟

التعليق:
إن ما نباهي به من علم في هذا العصر ما هو إلا العلم بالجهل. علم يثبت، وينفى.. يصح ويخطأ.. نسبي يتطور كأسطورة تحض نفسها بالوقت. وإن أقصى أستخدام لعلم كهذا أن يكون مجرد وسيلة لتحسين حياة الإنسان لا أكثر، هذا إن كان بإمكانه ذلك فعلا. حيث إن العلم بالجهل في غالبيته يظل معرفة منقوصة الحكمة إن أصلحت جانب أفسدت آخر، وإن أجابت على تساؤل طرحت إجابتها آلاف أخرى. علم كهذا لا ينبني عليه حقيقة، فهو محض سلعة استهلاكية تخدم الإنسان بشكل لحظي متجاوزة نفسها بالوقت الذي تنتهي به صلاحيتها.

أما العلم الحقيقي الذي لا ضد له، فلابد أن نظل نبحث عليه، حتى وإن كنا نعتقد بعدم وجوده، حيث لا بديل أمامنا هنا غير المحاولة. فبرغم إن كل التصوارات الحاضرة في المشهد عن ذلك العلم  ضبابية وغير واضحة، لكن يظل الاحتمال قائما في أن بعد الضباب نور جلي، وبعد الغموض وضوح ساطع، بل لربما كل هذا العبث الموجود في تصوراتنا الآن هو مجرد تجارب فاشلة تتطور؛ لتقودنا إلى التجربة الناجحة الرابحة التي ننشدها حيث الوصول إلى علم مطلق بحقيقة مطلقة تدحض كل شيء؛ ليعيش الإنسان في رحاب نورها نورا يمشي على قدمين.

ورغم مثالية هذا الطرح الصوفي النوراني الخالص إلا أنه لا يمكن دحضه عقلا. فالمعرفة كما يراها "النفري" تتوجب سبق المعلوم، ومن ثم العلم به.. والعلم والمعلوم كلاهما زاد المعرفة وليسا المعرفة.. وأكيد أنه لا معرفة من غير زاد العلم الذي سبق المعلوم، ولكن يبقى هذا مجرد سقف وعينا وتجربتنا ومحاولاتنا الذي يحجبنا بدوره عن الحقيقة المجردة في ذاتها. فإن لم ينكسر المعلوم في عقولنا زبدا لا نتزود به، ولا منه، وإن لم نرى علمنا على حقيقته كمجرد طريق للسفر، وإن لم ندرك أن أدواتنا وآلياتنا ونتائجنا مجرد مطايا تحملنا في ذلك الطريق. وإن لم نتنازل عن كوننا مسافرين تحت وطئة الرغم.. لو فعلنا هذا كله متجردين وصادقين.. ربما أنفتح أمامنا باب معرفة المعارف على مصرعيه؛ لنبلغ الحق والحقيقة.

فيوضات العبث