إن النظر في تاريخ العلم يجعلنا ندرك أن النتاجات العلمية لا تراكم الحقائق المجردة، بقدر ما تراكم ما ندحضه من تصوراتنا عنها. وحتى تلك التصورات التي نحققهها ونمحصها وندققها مرارا تظل في أحسن أحوالها محض فرضيات آنية محتملة مرجحة غير قطعية، بل ومعرضة لأدوات الدحض والشك والتجريب ما بقيت. لا ثمة مرجعية ثابتة في آليات ومباحث العلم لا يمكن تجاوزها سوى الدحض والشك والتجريب. فالعلم بطبيعة منهجيته مصاب بالوسواس القهري حيال نتاجاته ومنتجاته. هذا لأنه ليس بوسعه إلا أن يرى العالم كمحض تجربة، على قدر ما أحكمنا تصميمها وشروطها وآلياتها وأدواتها على قدر ما أستطعنا ترتيب مخرجاتها أحصائيا وفقا لأكبر احتمالية مرجحة ممكنة.
إن النظر في تطور علم الطبيعة ابتداء من فرضيات الأرض المركزية المسطحة الثابتة، ثم كرويتها وثباتها مع استمرار فرضية كونها مركز الكون كما ظن أرسطو ومن بعده بطليموس، وصولا إلى كوبرنيكوس وجاليلو حيث الأرض مجرد جرم يدور حول الشمس التي هي مركز الكون، ومحاولة تفسير ذلك الدوران وفقا للقوى المغناطيسية. ثم حدوث القفزة الكبيرة باكتشاف نيوتين لقوى الجاذبية التي تسيطر على حركة الأجرام في الفضاء وفقا لكتلتها والمسافات بينها حيث الحركة مستمرة دائمة ودائبة. حيث تحررت الفيزياء ولأول مرة من فكرة المكان المطلق على يد نيوتين ليبقى الزمن هو البعد المطلق الوحيد لحساب الحركة والسرعة. ولكن سرعان ما تداعت كل تلك التفسيرات النيوتينة الحتمية عن الحركة بخروج نسبية إينشاتين إلى النور حيث السرعة نسبية، والزمن نفسه ليس بعدا مطلقا كما كان متصورا من قبل، حيث أن الزمن نفسه يتباطئ كلما زادت السرعة، ولا شيء ثابت غير سرعة الضوء. ضرب هذا الاكتشاف تصورات نيوتين، وأعاد تفسيرنا للزمان والمكان كبعد واحد مدمج، ونسيج كلي متجانس يسمى الزمكان لا يمكن وصف مواضع الأجسام وحركتها إلا به. ولم ينتهي بنا هذا التخبط في تصوراتنا عن الكون وأبعاده عند هذا الحد، فبظهور عالم الفيزياء الألماني هايزنبرغ الذي فضحت ملاحظاته لدراسة حركات الأجسام الذرية والتحت ذرية الخلل في كل ما سبق. حيث إن تجاربه حول الذرة أثبتت إن الإلكترونات لا تدور في مسارات محددة حول النواة يمكن التنبؤ القطعي بها. أرسى هايزنبرغ مبدأ اللايقين في الفيزياء والذي ينص على أنه ليس بالإمكان معرفة مكان وسرعة وتوقيت أي جسيم داخل الذرة أثناء عملية القياس لأن لأجهزة القياس وللشخص الذي يقيس تأثير على النتائج. دخل الاحتمال إلى العلم التجريبي من أوسع الأبواب حيث النتائج ليست قطعية ولا يقينة وإنما محض احتمالات مرجحة. لقد جعلنا هذا المبدأ أمام عالمين عالم من الأجسام الكبيرة وعالم من الأجسام الصغيرة لكل منهما نتائجه وتصوره وقوانينه المختلفة رغم كونهما معا يقعان بشكل مادي أمامنا في نفس ذات العالم. هكذا ظهرت ميكانيا الكم بكل تطبيقاتها الهائلة والثورية إلى النور حيث إذواجية الفيزياء، وإذواجية الموجة والجسيم، وتأثير الوعي على الرصد وغيرها من الارباكات التي تصيب الإنسان بالجنون لا الفهم، حيث قطة شرودنغر حية وميتة في الوقت نفسه.
يبدو مما سبق أن الإنسان والعالم يشبهان خطان متوازيان يستحيل أن يلتقيا.. كل نقاط التقاطع بينهما هي نقاط زائفة متوهمة تخص الإنسان وحده.. تصورات على قدر ما تدلنا تضلنا، وعلى قدر ما تضلنا تدلنا. يتجلى هذا الجفاء بين الإنسان والعالم في ذات وموضوع كل منهما. فالذات الإنسانية على كافة أصعدتها العقلية والحسية والشعورية والوجدانية قاصرة عاجزة، بل ومخادعة أحيانا، وفوق كل هذا قهرية لا يمكن تجاهلها او الانفكاك منها، ولهذا من الطبيعي أن نجد أن الموضوعات الإنسانية الناجمة عن ذلك متفككة وملتبسة ومشوشة بل ومتخبطة أيضا. أما ذات العالم فلا يمكن النفاذ إليها إلا من خلال هذا الخلل الفضولي الذي يطفو من ذواتنا القاصرة العاجزة المقهورة على التعاطي والتفاعل. ليتحول العالم على ضخامته وعظمه على إدراكنا، وعلى ضآلتنا وضآلة موضوعاتنا داخله إلى مجرد موضوع من تلك الموضوعات التي لا نستطيع الهرب منها.
ربما هذا ما دفع كارل بوبر وهو لا شك فيلسوف المنهج العلمي الأول للتسليم بأن الخاصية المنطقية المميزة للعلم التجريبي هي إمكان تكذيب عباراته، وقابليته المستمرة للمواجهة مع الواقع والوقائع، عن طريق النقد والمراجعة واكتشاف الأخطاء. وبالتالي التصويب ومحاولة الاقتراب أكثر من الصدق. إن كارل بوبر ببساطة بفلسفته تلك يتحرر تماما من رواسب المرحلة الحتمية، ليصل إلى أن المعرفة ديناميكية متحركة لا ثبات لها، ولا رسوخ فيها، وبالتالي فلا ثمة طائل من تبرير المعرفة العلمية ومعرفة حدود صدقها وصحتها، بل الأجدى من هذا هو المحافظة على نموها وتطورها وصيرورتها وتقدمها. ربما لأن هذا هو أقصى ما يسعنا عمله.
ويبقى ما سبق وعلى حداثته النسبية هو نفسه ما قد وصل إليه كانط في وقت سابق عن ذلك في نهايات القرن الثامن عشر، وذلك من خلال منحى ابستمولوجي فلسفي صرف حين قرر في كتابه نقد العقل المحض ما مفاده: أننا لا نستطيع إدراك الأشياء في ذواتها.. فلا العقل وحده يستطيع أن ينفذ إلى ذوات الأشياء، ولا حتى التجربة وحدها تستطيع أن تصل بنا إلى معرفة حقيقتها المجردة. إنما المعرفة عند كانط هي تعاون بناء بين العقل والحس لإدراك الظواهر كما نعرفها، لا كما هي عليه في الواقع والحقيقة. ورغم قطع كانط بيقينة الرياضيات كون موضوعاتها صناعة عقلية بحتة إلا أن تلك الفكرة ذاتها لم تستطيع الصمود لأكثر من قرن ونصف من تاريخ إقراره بها. وذلك حينما خرج عالم المنطق والرياضيات النمساوي الشاب كورت غودل في عام 1931 بمبرهنات عدم الاكتمال والتي ضربت يقينية الرياضيات وقطعيتها في مقتل.
فبينما كان عالم الرياضيات الشهير ديفيد هيلبرت يعمل على نظام يريد أن يثبت من خلاله أن الرياضيات علم كامل نستطيع إذا انطلقنا فيه من مسلمات مناسبة أن نخلص إلى نسق غير متناقض تكون كل عبارة فيه قابلة للبرهنة والإثبات. ضربت إجابة غودل عرض الحائط بتفاؤله هذا. حيث خلص في نظريته إلى مبرهنتان الأولى تنص على أنه هناك مبرهنات رياضية صحيحة لا يمكن البرهان عليها أبدا. والثانية هي إن أية صياغة لنظرية الأعداد تكون منبثقة من عدد من المسلمات الغير متناقضة لابد أن تكون غير كاملة بحيث يظل بها عبارة واحدة على الأقل لا يمكن برهنتها وإثباتها رياضيا. ومنذ تلك اللحظة الثورية التي هدم فيها غودل جدار اليقين الذي كان ينشده هيلبرت أصبحت الرياضيات علما غير كاملا لا يمكننا فهم أصله ولا مصدره. المدهش بحق إن غودل أثبت ذلك النقص والخلل رياضيا بحيث تصبح الرياضيات صحيحة رغم نقصها وعدم اكتمالها، ومبرهناته ذاتها من داخل الرياضيات ناقصة رغم صحتها. إن هذا شبيها لحد ما بقطة شرودنجر التي هي حية وميتة بنفس الوقت والتي ذكرناها في معرض حديثنا عن تطور الفيزياء.
ومن سبيل آخر يذهب بنا ديفيد سالزبورغ بعيدا في التشكيك والاحتمالية وعدم اليقين في العلم، وذلك من خلال كتابه الأشهر -ذواقة الشاي- حيث يقول في أحد فصول كتابه ما يلي: كان الاعتقاد السائد في فترة الاتجاه النيوتيني الحتمي السابق أن كثرة القياسات الدقيقة يؤدي إلى تعريف أفضل للحقيقة المادية الواقعة تحت التجربة. أما في الطريقة الإحصائية الحديثة للعلم فقد يكون من غيرالضروري الحصول على متغيرات التوزيع التي لا يمكن تقديرها بوجود الأخطاء بغض النظر عن مدى دقة نظام القياس. ففي الطريقة الحتمية هناك مثلا رقم ثابت هو عجلة الجاذبية والذي يصف كيفية سقوط الأجسام. أما في الطريقة الإحصائية الحديثة فإن قياسات الجاذبية تختلف باختلاف التجارب. والبعثرة العشوائية الناتجة عن التوزيع هي ما نرغب في تقريره بغية فهم سقوط الاجسام بصورة أدق عن السابق. ويستطرد في فصل آخر قائلا: لا يوجد إثبات علمي لوجود الأسباب والنتائج، بل لا يوجد ثمة نماذج رياضية راسخة لحقيقة ما تقترح مثل هذه النتائج. إن المعرفة تصريح إيماني ليس إلا، له نفس القدر من القيمة والصحة كما لوجود الشيطان أو الإله. وحتى تلك النماذج الإحصائية التي تُعرف الطلب العلمي عن طريق متغيرات التوزيع الاحصائي مبنية أيضا على تصريح إيماني عن طبيعة عشوائية الحقيقة واحتماليتها، ولقد قادتني تجاربي العلمية إلى الاعتقاد إن التصريحات الإحصائية الاحتمالية قد تكون أقرب للحقيقة من النسق الحتمي للعلوم والمعارف. إن الإحصاء عشوائي بحد ذاته، لكن أساليبه لها خواص احتمالية جيدة. وعلى الرغم أنه ليس بوسعنا أن نتأكد أبدا من معرفة ما إذا كانت القيم الاحصائية لمجموعة بيانات ما صحيحة. إلا أننا يمكننا فقط القول بأننا استخدمنا إجراءات تقدم إحصائية فعالة تتطابق مع هذه المقاييس.
إن التجربة العلمية ووفقا لهذه التصورات لا أرها أكثر من نمط معرفي مضلل ومختزل. فمهما طورنا لها من أدوات الرصد، وأليات التقصي، وإمكانات لإحكام شروطها، ومهما احكمنا مخرجاتها إحصائيا واحتماليا بخورزميات الاحصاء وبحوث العمليات الرياضاتية لن نخلص منها إلى نتائج متحققة وراسخة يمكن تأويلها في وجهة نظر موضوعية أو سردية واحدة متكاملة للتأويل. ذلك أن عالم التفاصيل والظروف المختزلة من وراءها تظل لا نهائية ممتدة، بل وربما حتى متغيرة. إن إنتروبيا الكون تزيد كلما اتسعت دائرة التجربة، وانفتح مداها بحيث يصعب الخروج من تلك الفوضى بخلاصة واضحة مفيدة ومثمرة. وقد يتنكر العلم أحيانا لفكرة أن العالم عشوائي النزعة فوضوي الطابع والدافع بطريقة يستحيل معها فهمه، حيث أن فرضية كتلك ستكون مثبطة للغاية تقتل الشغف والطموح الملقى على عاتقه، بل وتحيله هو والعلماء إلى دور زمني وظيفي وتوصيفي بسيط حيث كل ما يستطيعوه هو التجاوب مع تفاصيل مختزلة ومبعثرة هنا وهناك.. وبهذا يكون النتاج المعرفي ما هو إلا تجاوبا تعايشيا لتخفيف مشاق الحياة ومصاعبها وتحقيق رفاهية مادية للإنسان ربما تضره أكثر مما تنفعه على الصعيد الانطولوجي وحتى الابستمولوجي.
إن العلماء أنفسهم وبعيدا عن الفلسفة لا ينظرون إلى مخرجات بحوثهم وتجاربهم بعين القطع واليقين. فها هو نيوتين نفسه والذي أدت اكتشافاته العظيمة إلى هذا النسق الحتمي القديم للمعرفة يقول في أحدى مذكراته: لا أعرف كيف أبدو للعالم، ولكنني أرى نفسي كطفل يلعب على شاطيء البحر، ويعثر بين الحين والآخر على صدفة جميلة أو على حصاة ملساء، بينما الحقيقة ممتدة أمامي كمحيط عظيم لم أكتشف منه شيئا. ويتحول هذا المعنى إلى نسق أكثر خواء وعدمية عند عالم الفيزياء الحديثة ستيفن هوكينغ والذي يعد واحدا من أكثر المدافعين عن العلم والمناهضين للفلسفة حين يقرر في محاولة نفيه وجود الإله، قائلا: إن الكون بشكل فيزيائي يؤول رياضيا إلى صفر. ولربما مما سبق نستطيع أن نتفهم الدوافع التي دفعت بعالم اللسانيات الشهير والفيلسوف المعروف نعوم تشومسكي للسخرية اللاذعة من العلم حين قال: يشبه العلم إلى حد ما نكتة عن رجل مخمور يبحث تحت عمود الإنارة عن مفتاحه الذي أضاعه في الجهة الأخرى المظلمة من الشارع، لا لأن ذلك خيارا صحيحا، ولكن لأن تلك الجهة التي يبحث فيها هي الجهة الوحيدة المضاءة.
إن دوغما العلم التي تستشري في عصرنا الحالي ما هي إلا القشة التي يتشبث بها الإنسان المعاصر في بحر وجوده الهائج المضطرب بعدما تداعت كل سفن حضاراته ونتاجاتها لدرجة أنه أصبح على حافة الكفر بوعيه وعقله وكينونيته، بل بوجوده وكونه وعالمه. والمخيف بحق أن تصبح تلك القشة التي ينشدها الجميع هي نفسها القشة التي ستقصم ظهورهم جميعا إذا لم ينتهوا عن تحميل العلم فوق ما قد يطيق. فالعلم مجرد أداة هدم بناءة تتبع آلية بحث توصيفية للظواهر تحاول على استيحاء الاقتراب من بعض تفاصيل الحقيقة. الحقيقة التي يبدو أنها تستعصي حتى على نفسها.