‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل

السبت، 3 يناير 2026

السُلطة كإداة ضبط للوجود

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي

الإنسان محكوم بالحرية داخل وجود تحكم وثاقه القوانين من كل جوانبه، حيث حرية الاختيار تسوسه؛ ليصبح إداة من أدوات إنفاذ القانون. ما نسمّيه حرية ليس إلا هامش حركة ضئيل داخل شبكة كثيفة متغلغلة من القوانين، وما نسمّيه وعيًا ليس نورًا كاشفًا، بل آلية ضبط تجعل الإنسان مرغما على أن يحافظ على هذا النظام مهما تطرفت محاولاته الجادة لهدمه. تلك السلطة ليست طارئة على الوجود، بل هي شكله العميق، وسقفه الذي لا يمكن تجاوزه، وهي لا تُمارَس بالقهر فحسب، بل بالإقناع حينا، وبالتطبيع حينا آخر، وبجعل السيطرة تبدو زيفا لجموع المذعنين كاختيار ذاتي.

فالسلطة ليست يدًا تضرب ولا صوتًا يأمر، بل بنية صامتة تعمل من قبل الاختيار والقرار. ماهية راسخة تجعل الأجساد قابلة للتنظيم، والرغبات قابلة للتوجيه، والمعانى قابلة للتكون. ليست السلطة شيئًا يُضاف إلى الوجود، بل هي طريقة اشتغاله بالأساس. فكما تخضع المادة لقوانين تحفظ تماسكها يخضع كل ما هو وراء المادة إلى قوانين مشابهة، ولكن بطرق سلطوية أخرى طافحة بالقوانين أيضا.. حيث الإنسان في الحالتين رهين منظومات وعيه التي تضبط حركته بقوانينها دون أن يشعر بذلك أو يتدخل فيه. حيث كل نظام يحتاج إلى انتظام، وكل انتظام يحتاج إلى قوة تحفظه، وهذه القوة لا تحتاج أن تُرى كي تعمل فقط قوانينها تبسط نفوذها دون أثر يذكر.

فالوعي ليس خلاصًا كما قد يتصور، بل عبء من نوع خاص. إنه يجعل الإنسان مسؤولًا عن اختيارات لم يصنع شروطها،بل ويحمّله ذنب الفشل داخل لعبة لم يختر قواعدها. أن تكون واعيًا يعني أن ترى القيد، لكن دون ثمة قدرة على كسره.. أن تدرك النظام، لكن دون حق امتلاك موقع خارجه.
إن الوعي لا يمنح السيطرة والسلطة كما يوهم أصحابه، بل يخلق غرور وهمهما في النفوس فحسب، يجعل الإنسان يعتقد أنه فاعل، بينما هو في الحقيقة يُدير ما سُمِح له بإدارته على نحو يضمن بقاء النظام الذي أوجد داخله.

حتى الخيال لا يحرر الإنسان من الواقع، بل يؤطر الواقع ليعلّم الإنسان ببساطة كيف يعيش داخله. إنه لا يفتح الأفق، إنه فقط يرسم حدوده القصوى التى تسمح باستدامة النظام. فما يمكن تخيّله هو ما يسمح النظام بمروره، وما لا يمكن تخيّله ينعدم قبل أن يولد. الخيال لا يثور، بل يُهذّب التمرد ويحوّله إلى صورة مقبولة تخطب ود صاحبها، لكن دون إن تنتهك القوانين التي تم إرسائها مسبقا بالوجود. حيث أن الخيال تكمن قوته ببساطة في المسافة: إن اقترب كثيرًا من الواقع، تحطم على صخرته واندثر، وإن ابتعد كثيرًا، تلاشى وأصبح عديم المعنى والأثر.. هو جهاز ضبط ناعم، لا يفرض، بل يقترح، ولا يمنع، بل يستبعد ويجمح ويحجم.

وحتى الرغبة على عنفوانها ليست نقيض السلطة، بل حليفها الأعمق. ما يُشتهى ليس ما هو ممكن فحسب، بل ما هو مُجاز بالأساس. حتى من يسعى إلى السيطرة ويطمح في السلطة كونها سيدة النظام، وكلمة سره، وكود شفرته لا يخرج من النظام، بل يغوص فيه أعمق. حيث إن الرغبة في السلطة تجعل صاحبها أسيرا لها مهما بلغ نفوذه، وتراكمت سطوته. هنا لا تستعبد السلطة الإنسان رغم رغبته، بل بسببها. حتى اللذة ليست انفلاتًا جامحا، بل استجابة ناجحة لشروط محددة سلفا، حيث كل ما يبدو ساميًا أو منحطا هو نتيجة عمل بارد لأنظمة غير مرئية لا يمكن تفسيرها إلا برصد قوانين لا تكترث  أصلا للسمو أو للانحطاط.

المعرفة حتى ليست أكثر من نتيجة مباشرة للسلطة كونها في أحسن احوالها ليست أكثر من آلية لفهم القوانين التي تُسير الظواهر. ومن هنا تتحول إلى شكل من أشكال السلطة كإطار يحدد أبعاد التفكير الممكن وطريقة للتسليم والإذعان المباشر . المعنى لا يولد من الحرية، بل من التنظيم.. والجمال لا ينبثق من الفوضى، بل من التناسق المفروض.

الإنسان لا يعيش داخل السلطة، بل بها.. لا يفكر خارجها، ولا يرغب دون أن تمر رغبته تلك عبرها، ومن سبلها. الوعي لا يكشف الحقيقة، بل يضمن العيش داخلها ويجعل الخروج مستحيلا. والخيال لا يفتح باب النجاة، بل يغلق القفص برتاج ذهبي مزيف. 
ليست المأساة أن الإنسان مُقيّد، بل أن القيود تعمل من داخله ،وأن أكثر ما يعتز به من وعيه، خياله، رغبته، معرفته، أو حتى غرور نفوذه وسيطرته بالضبط  هو ما يضمن استمرار هيمنة سلطة النظام الشاملة عليه.

السبت، 25 يوليو 2020

السببية حجة عقلية أم حماقة بدائية


لست في حاجة لتذهب إلى ما ذهب إليه السفسطائيون من فكرة استحالة المعرفة، وعدم امكانيتها على الأطلاق؛ كي تدرك تهافت المعرفة الإنسانية برمتها. ذلك أن تسليمك بإمكانية المعرفة لن يفضي بك إلا لاستحالتها وتهافتها وتداعيها على نفسها من الداخل، بل ومن نفس سبل وطرق إثباتها. ولعل موضوعا فلسفيا عتيقا وعميقا كالسببية (العلية) بما فيها من استقراء ينبني عليه العلم التجريبي يفي بالغرض لنستوضح من ذلك أكثر.

لطالما ظل العقل الإنساني يعول كثيرا وطويلا على مبدأ السببية كونه واحد من أهم المبادئ العقلية الحتمية المجردة، والأدوات المنطقية الدقيقة الضرورية لفهم العالم والإنسان، بل وفهم ما ورائهما أيضا. لكن ظهور الفيلسوف الشكوكي التجريبي الاسكتلندي ديفيد هيوم في القرن الثامن عشر هز بنيان السببية الراسخ لقرون وقرون. لقد ضرب هيوم حتمية السببية في مقتل حين ربطها بالعادة والتكرار والاستقراء، بل ووصل لأبعد من ذلك حين خلص أن السببية ليست ضامنا حتميا للتنبؤ. فالعادة والتكرار الناجمان عن المخيلة سبلا تجريبية، لا سبلا عقلية محضة في ذاتها كما قد يُتوهم، حيث أن علاقة السبب بالنتيجة والحدث بالأثر علاقة قائمة على العادة والتكرار الناجم من المخيلة، بل وأن البناء على ذلك من خلال الاستقراء يحوي عيوبا كثيرة وكبيرة. فما هو الضامن أن التكرار سيستمر، والعادة ستظل إلا بالتجربة؟؟ وهل الاستقراء الناجم من الظن إن العادة ستظل، والتكرار سيستمر يكون صحيحا صحة مطلقة؟؟

إن الإشكال في رد السببية إلى التجربة سوف يلحق بها كمبدأ عقلي كل تلك الإشكالات التي نواجهها يوما بعد يوم في التجارب. فمما لا شك فيه أن التجربة اليوم تعقدت هي ومعطياتها ونتائجها كثيرا عما هي عليه في زمن هيوم حيث الكون المكانيكي المحتم وفقا للنظرة النوتينية القديمة. فنحن مثلا الآن نرى أبعاد المكان والزمان ليسوا أبعادا مطلقة وفقا لنسبية إينشاتين، بل صرنا في وقت لاحق لذلك لا نقطع أصلا بأماكن تواجد الجسيمات التحت ذرية وفقا لمكانيكا الكم. إننا نتفهم اليوم جيدا تأثير الوعي على الرصد مما ينعكس تباعا في النتائج، ولهذا أصبحنا نستخدم الإحصاء وعشوائيتها لترتيب مخرجات تجاربنا لنصل إلى أفضل نتيجة محتملة مرجحة. إن تعمقنا في التجارب لم يفضي بنا إلا للاحتمالية أكثر وأكثر، حيث أصبح العلم التجريبي ذاته مبني على الاحتمال والترجيح، لا على القطع واليقين. ومن هذا المنحى تصبح السببية المرتبطة بالعادة القائمة على التجريب ذاتها احتمالية وليست قطعية. ولم يتوقف الأمر عند ذلك حيث أن بنيان الاستقراء القائم على السببية ينقلب على نفسه مواجها إشكالات أكثر صعوبة. إن الاستقراء في أحسن أحواله لابد أن يظل ناقصا ومحتملا؛ لأنه لو اكتمل لانتفى بكليته، حيث تصير مقدماته هي نفسها نتائجه ويفقد صفته الاستقرائية، ناهيك عن صدام الاستقراء كآلية عقلية مع أسئلة  أكثر حدة من عينة.. ما هو سبب تعميم حكم ما على كافة التجارب إن لم نقوم إلا ببعضها؟؟ وما هو سبب تعميم أحكامنا أصلا على المستقبل مع أن التجارب محكومة زمنيا بالوقت الحالي أو السابق؟؟ وما بالنا لو كان المستقبل يؤثر في الماضي وفقا لمشاهداتنا وملاحظاتنا في تجارب حديثة كتجربة الشق المزدوج لرصد الإلكترونات؟؟ إن تجاربنا وملاحظتنا حول الأجسام التحت ذرية المتناهية الصغر جعلت من  الكون المادي محض احتمالات لانهائية نرصد منها فقط الاحتمال الذي يكون بوسعنا إدراكه، فكيف نرد احتمالات ما نرصده  إلى أسباب قطعية ثابتة؟؟ كيف نقطع بأي شيء متجاوز للمادة، والمادة ذاتها لا يمكن الجزم بحقيقتها بعد ما عرفناه عنها من خلال الاتصال الشبحي (التشابك الكمي- Quantum Entanglement) حيث كل الاحتمالات في الكون المادي واردة ولا يوجد شيء معد مسبقا، ناهيك عن تأثير زينو الكمي (Quantum Zeno Effect) حيث الحركة المرصودة وهمية ومتصورة وغير حقيقية؟؟

ولم يتوقف نقد السببية ونقضها عند هذا الحد، فلقد ذهب جون ستيورات مل إلى ما هو أبعد من ذلك حين خلص أن السببية تتداعى على نفسها من الداخل بالعودة بها إلى الوارء حيث تصل بنا إلى احتمالين كل منهما يهدمها لا محالة. الأول: وجود مسبب بلا سبب، والقول بهذا يعني انهدام السببية عند تلك النقطة بحيث تصبح ليست حقيقة مطلقة، والثاني هو ضرورة من التسلسل اللانهائي الممتنع عقلا. ولربما هذا هو ما دفع برتراند راسل لاحقا للاعتقاد بأن السببية سايكولوجية بدائية مترسخة فينا لا نستطيع أن ننكر حضورها القوي في الحيوان. فالدواجن مثلا تتوقع الطعام من يد من تعودت أن يطعمها لربطها بالعادة والتكرار بين وجود هذا الشخص والطعام. لكن التجربة تثبت أن هذه التوقعات الغشيمة للاطراد مضللة. حيث أن الرجل الذي ظل يطعم الدواجن كل يوم على مدى حياتها، هو نفسه الذي سوف يذبحها يوما ما بدلا من إطعامها. يريد راسل من خلال مثال الدواجن هذا أن يبرز هشاشة السببية والاستقراء والتنبؤ. 

إلا أنه وعلى الرغم من كل ما سبق، يُبقى الفلاسفة والعلماء على السببية كونها إداة معرفية محتملة لا نمتلك رفاهية التخلي عنها. حيث يؤكد راسل على ذلك حين يقول أننا يجب أن نؤمن على مضض بصدق السببية ومبدأ الاستقراء كفعل أعمى من أفعال الإيمان، حتى يتسنى لنا المضي قدما في طريق العلم ليس أكثر. ونجد هذا المعنى حاضر بقوة أكبر عند كارل بوبر فيلسوف المنهج العلمي الأول حيث يرى أن المعرفة تكون معرفة بقدر ما كانت تصلح للدحض والشك والتجريب؛ لأن في ذلك صيرورتها وتطورها وتناميها.

وخلاصة ما يمكن قوله أن هنالك خللا ضاربا بعمق بين السبب والنتيجة وبين الحدث والأثر ناجم عن ضعف المخيلة وقصور الوعي. وأن هذا الخلل يجعل الاحتمال القائل أنه لا ثمة رابط أصلا بين الأسباب والنتائج  ممكنا وقائما، بل لا يمكن دحضه على الأطلاق حيث لا يمكن أرجاع أي نتيجة أو أثر لسبب أو حدث واحد. أننا بقدر ما اقتربنا من الحقائق بقدر ما تعقدت المشاهدة وغامت الرؤية وتشوشت الروابط بحيث لا تعدو السببية كونها أكثر من حماقة بدائية نتشاطر شقها الأكبر مع الحيوانات التي نظنها أدنى منزلة ووعيا. بل أن ما ندركه من تراكم الواقع وتعقيده يجعلنا ندرك معاني أكثر عمقا منها مثلا أن النتيجة لربما تكون أكثر تأثيرا في السبب المحرك لها منه في تسبيبها، حيث النتائج بتراكمها وتداخلها وتفاعلها بوسعها أن تلاشي الأسباب الأولى كونها تصبح بحد ذاتها أسبابا مستقلة مع الوقت، بل مع الوقت أيضا تلاشيها نتائجها، وهكذا إلى ما لانهاية. فليست السببية القانون الوحيد كما يوهمنا الوعي كي ينطلق بنا زمرا في الشتات، فالعلية بذاتها هي جدلية وعينا المفرغ التي تجبرنا على الاستسلام لها؛ كي نتأقلم مع العبث الكائن سلفا كونه المنطق الوحيد المتاح. يتجلى هذا العبث واضحا بالنظر لسؤال العلم عن الكيفية (كيف) لا سؤال العلية والسببية (لماذا). حيث كيف للوعي الإنساني أن يضع كل هذه الافتراضات للإجابة عن لماذا، بل ويطور ميكانيزم السببية للتعاطي معه على هذا النحو من التسليم، قبل أن يجيب أصلا عن السؤال الأسهل المتعلق بالكيفية والذي كلما تراكمت تصوارته المعرفية أوردتنا حدود التلاشي أمام لا نهائية الاحتمالات؟؟

الأربعاء، 8 يوليو 2020

الوهم ‏العلمي

إن النظر في تاريخ العلم يجعلنا ندرك أن النتاجات العلمية لا تراكم الحقائق المجردة، بقدر ما تراكم ما ندحضه من تصوراتنا عنها. وحتى تلك التصورات التي نحققهها ونمحصها وندققها مرارا تظل في أحسن أحوالها محض فرضيات آنية محتملة مرجحة غير قطعية، بل ومعرضة لأدوات الدحض والشك والتجريب ما بقيت. لا ثمة مرجعية ثابتة في آليات ومباحث العلم لا يمكن تجاوزها سوى الدحض والشك والتجريب. فالعلم بطبيعة منهجيته مصاب بالوسواس القهري حيال نتاجاته ومنتجاته. هذا لأنه ليس بوسعه إلا أن يرى العالم كمحض تجربة، على قدر ما أحكمنا تصميمها وشروطها وآلياتها وأدواتها على قدر ما أستطعنا ترتيب مخرجاتها أحصائيا وفقا لأكبر احتمالية مرجحة ممكنة.

إن النظر في تطور علم الطبيعة ابتداء من فرضيات الأرض المركزية المسطحة الثابتة، ثم كرويتها وثباتها مع استمرار فرضية كونها مركز الكون كما ظن أرسطو ومن بعده بطليموس، وصولا إلى كوبرنيكوس وجاليلو حيث الأرض مجرد جرم يدور حول الشمس التي هي مركز الكون، ومحاولة تفسير ذلك الدوران وفقا للقوى المغناطيسية. ثم حدوث القفزة الكبيرة باكتشاف نيوتين لقوى الجاذبية التي تسيطر على حركة الأجرام في الفضاء وفقا لكتلتها والمسافات بينها حيث الحركة مستمرة دائمة ودائبة. حيث تحررت الفيزياء ولأول مرة من فكرة المكان المطلق على يد نيوتين ليبقى الزمن هو البعد المطلق الوحيد لحساب الحركة والسرعة. ولكن سرعان ما تداعت كل تلك التفسيرات النيوتينة الحتمية عن الحركة بخروج نسبية إينشاتين إلى النور حيث السرعة نسبية، والزمن نفسه ليس بعدا مطلقا كما كان متصورا من قبل، حيث أن الزمن نفسه يتباطئ كلما زادت السرعة، ولا شيء ثابت غير سرعة الضوء. ضرب هذا الاكتشاف تصورات نيوتين، وأعاد تفسيرنا للزمان والمكان كبعد واحد مدمج، ونسيج كلي متجانس يسمى الزمكان لا يمكن وصف مواضع الأجسام وحركتها إلا به. ولم ينتهي بنا هذا التخبط في تصوراتنا عن الكون وأبعاده عند هذا الحد، فبظهور عالم الفيزياء الألماني هايزنبرغ الذي فضحت ملاحظاته لدراسة حركات الأجسام الذرية والتحت ذرية الخلل في كل ما سبق. حيث إن تجاربه حول الذرة أثبتت إن الإلكترونات لا تدور في مسارات محددة حول النواة يمكن التنبؤ القطعي بها. أرسى هايزنبرغ مبدأ اللايقين في الفيزياء والذي ينص على أنه ليس بالإمكان معرفة مكان وسرعة وتوقيت أي جسيم داخل الذرة أثناء عملية القياس لأن لأجهزة القياس وللشخص الذي يقيس تأثير على النتائج. دخل الاحتمال إلى العلم التجريبي من أوسع الأبواب حيث النتائج ليست قطعية ولا يقينة وإنما محض احتمالات مرجحة. لقد جعلنا هذا المبدأ أمام عالمين عالم من الأجسام الكبيرة وعالم من الأجسام الصغيرة  لكل منهما نتائجه وتصوره وقوانينه المختلفة رغم كونهما معا يقعان بشكل مادي أمامنا في نفس ذات العالم. هكذا ظهرت ميكانيا الكم بكل تطبيقاتها الهائلة والثورية إلى النور حيث إذواجية الفيزياء، وإذواجية الموجة والجسيم، وتأثير الوعي على الرصد وغيرها من الارباكات التي تصيب الإنسان بالجنون لا الفهم، حيث قطة شرودنغر حية وميتة في الوقت نفسه.

يبدو مما سبق أن الإنسان والعالم  يشبهان خطان متوازيان يستحيل أن يلتقيا.. كل نقاط التقاطع بينهما هي نقاط زائفة متوهمة تخص الإنسان وحده.. تصورات على قدر ما تدلنا تضلنا، وعلى قدر ما تضلنا تدلنا. يتجلى هذا الجفاء بين الإنسان والعالم في ذات وموضوع كل منهما. فالذات الإنسانية على كافة أصعدتها العقلية والحسية والشعورية والوجدانية قاصرة عاجزة، بل ومخادعة أحيانا، وفوق كل هذا قهرية لا يمكن تجاهلها او الانفكاك منها، ولهذا من الطبيعي أن نجد أن الموضوعات الإنسانية الناجمة عن ذلك متفككة وملتبسة ومشوشة بل ومتخبطة أيضا. أما ذات العالم فلا يمكن النفاذ إليها إلا من خلال هذا الخلل الفضولي الذي يطفو من ذواتنا القاصرة العاجزة المقهورة على التعاطي والتفاعل.  ليتحول العالم على ضخامته وعظمه على إدراكنا، وعلى ضآلتنا وضآلة موضوعاتنا داخله إلى مجرد موضوع من تلك الموضوعات التي لا نستطيع الهرب منها.

ربما هذا ما دفع  كارل بوبر وهو لا شك فيلسوف المنهج العلمي الأول للتسليم  بأن الخاصية المنطقية المميزة للعلم التجريبي هي إمكان تكذيب عباراته، وقابليته المستمرة للمواجهة مع الواقع والوقائع، عن طريق النقد والمراجعة واكتشاف الأخطاء. وبالتالي التصويب ومحاولة الاقتراب أكثر من الصدق. إن كارل بوبر ببساطة بفلسفته تلك يتحرر تماما من رواسب المرحلة الحتمية، ليصل إلى أن المعرفة ديناميكية متحركة لا ثبات لها، ولا رسوخ فيها، وبالتالي فلا ثمة طائل من تبرير المعرفة العلمية ومعرفة حدود صدقها وصحتها، بل الأجدى من هذا هو المحافظة على نموها وتطورها وصيرورتها وتقدمها. ربما لأن هذا هو أقصى ما يسعنا عمله.

ويبقى ما سبق وعلى حداثته النسبية هو نفسه ما قد وصل إليه كانط في وقت سابق عن ذلك في نهايات القرن الثامن عشر، وذلك من خلال منحى ابستمولوجي فلسفي صرف حين قرر في كتابه نقد العقل المحض ما مفاده: أننا لا نستطيع إدراك الأشياء في ذواتها.. فلا العقل وحده يستطيع أن ينفذ إلى ذوات الأشياء، ولا حتى التجربة وحدها تستطيع أن تصل بنا إلى معرفة حقيقتها المجردة. إنما المعرفة عند كانط هي تعاون بناء بين العقل والحس لإدراك الظواهر كما نعرفها، لا كما هي عليه في الواقع والحقيقة. ورغم قطع كانط بيقينة الرياضيات كون موضوعاتها صناعة عقلية بحتة إلا أن تلك الفكرة ذاتها لم تستطيع الصمود لأكثر من قرن ونصف من تاريخ إقراره بها. وذلك حينما خرج عالم المنطق والرياضيات النمساوي الشاب كورت غودل في عام 1931 بمبرهنات عدم الاكتمال والتي ضربت يقينية الرياضيات وقطعيتها في مقتل.
 فبينما كان عالم الرياضيات الشهير ديفيد هيلبرت يعمل على نظام يريد أن يثبت من خلاله  أن الرياضيات علم كامل نستطيع إذا انطلقنا فيه من مسلمات مناسبة أن نخلص إلى نسق غير متناقض تكون كل عبارة فيه قابلة للبرهنة والإثبات. ضربت إجابة غودل عرض الحائط بتفاؤله هذا. حيث خلص في نظريته إلى مبرهنتان الأولى تنص على أنه هناك مبرهنات رياضية صحيحة لا يمكن البرهان عليها أبدا. والثانية هي إن أية صياغة لنظرية الأعداد تكون منبثقة من عدد من المسلمات الغير متناقضة لابد أن تكون غير كاملة بحيث يظل بها عبارة واحدة على الأقل لا يمكن برهنتها وإثباتها رياضيا. ومنذ تلك اللحظة الثورية التي هدم فيها غودل جدار اليقين الذي كان ينشده هيلبرت أصبحت الرياضيات علما غير كاملا لا يمكننا فهم أصله ولا مصدره. المدهش بحق إن غودل أثبت ذلك النقص والخلل رياضيا بحيث تصبح الرياضيات صحيحة رغم نقصها وعدم اكتمالها، ومبرهناته ذاتها من داخل الرياضيات ناقصة رغم صحتها. إن هذا شبيها لحد ما بقطة شرودنجر التي هي حية وميتة بنفس الوقت والتي ذكرناها في معرض حديثنا عن تطور الفيزياء.

ومن سبيل آخر يذهب بنا ديفيد سالزبورغ بعيدا في التشكيك والاحتمالية وعدم اليقين في العلم، وذلك من خلال كتابه الأشهر -ذواقة الشاي- حيث يقول في أحد فصول كتابه ما يلي: كان الاعتقاد السائد في فترة الاتجاه النيوتيني الحتمي السابق أن كثرة القياسات الدقيقة يؤدي إلى تعريف أفضل للحقيقة المادية الواقعة تحت التجربة. أما في الطريقة الإحصائية الحديثة للعلم فقد يكون من غيرالضروري الحصول على متغيرات التوزيع التي لا يمكن تقديرها بوجود الأخطاء بغض النظر عن مدى دقة نظام القياس. ففي الطريقة الحتمية هناك مثلا رقم ثابت هو عجلة الجاذبية والذي يصف كيفية سقوط الأجسام. أما في الطريقة الإحصائية الحديثة فإن قياسات الجاذبية تختلف باختلاف التجارب. والبعثرة العشوائية الناتجة عن التوزيع هي ما نرغب في تقريره بغية فهم سقوط الاجسام بصورة أدق عن السابق. ويستطرد في فصل آخر قائلا: لا يوجد إثبات علمي لوجود الأسباب والنتائج، بل لا يوجد ثمة نماذج رياضية راسخة لحقيقة ما تقترح مثل هذه النتائج. إن المعرفة تصريح إيماني ليس إلا، له نفس القدر من القيمة والصحة كما لوجود الشيطان أو الإله. وحتى تلك النماذج الإحصائية التي تُعرف الطلب العلمي عن طريق متغيرات التوزيع الاحصائي مبنية أيضا على تصريح إيماني عن طبيعة عشوائية الحقيقة واحتماليتها، ولقد قادتني تجاربي العلمية إلى الاعتقاد إن التصريحات الإحصائية الاحتمالية قد تكون أقرب للحقيقة من النسق الحتمي للعلوم والمعارف. إن الإحصاء عشوائي بحد ذاته، لكن أساليبه لها خواص احتمالية جيدة. وعلى الرغم أنه ليس بوسعنا أن نتأكد أبدا من معرفة ما إذا كانت  القيم الاحصائية لمجموعة بيانات ما صحيحة. إلا أننا يمكننا فقط القول بأننا استخدمنا إجراءات تقدم إحصائية فعالة تتطابق مع هذه المقاييس.

إن التجربة العلمية ووفقا لهذه التصورات لا أرها أكثر من نمط معرفي مضلل ومختزل. فمهما طورنا لها من أدوات الرصد، وأليات التقصي، وإمكانات لإحكام شروطها، ومهما احكمنا مخرجاتها إحصائيا واحتماليا بخورزميات الاحصاء وبحوث العمليات الرياضاتية لن نخلص منها إلى نتائج متحققة وراسخة يمكن تأويلها في وجهة نظر موضوعية أو سردية واحدة متكاملة للتأويل. ذلك أن عالم التفاصيل والظروف المختزلة من وراءها تظل لا نهائية ممتدة، بل وربما حتى متغيرة. إن إنتروبيا الكون تزيد كلما اتسعت دائرة التجربة، وانفتح مداها بحيث يصعب الخروج من تلك الفوضى بخلاصة واضحة مفيدة ومثمرة. وقد يتنكر العلم أحيانا لفكرة أن العالم عشوائي النزعة فوضوي الطابع والدافع بطريقة يستحيل معها فهمه، حيث أن فرضية كتلك ستكون مثبطة للغاية تقتل الشغف والطموح الملقى على عاتقه، بل وتحيله هو والعلماء إلى دور زمني وظيفي وتوصيفي بسيط حيث كل ما يستطيعوه هو التجاوب مع تفاصيل مختزلة ومبعثرة هنا وهناك.. وبهذا يكون النتاج المعرفي ما هو إلا تجاوبا تعايشيا لتخفيف مشاق الحياة ومصاعبها وتحقيق رفاهية مادية للإنسان ربما تضره أكثر مما تنفعه على الصعيد الانطولوجي وحتى الابستمولوجي.

إن العلماء أنفسهم وبعيدا عن الفلسفة لا ينظرون إلى مخرجات بحوثهم وتجاربهم بعين القطع واليقين. فها هو نيوتين نفسه والذي أدت اكتشافاته العظيمة إلى هذا النسق الحتمي القديم للمعرفة يقول في أحدى مذكراته: لا أعرف كيف أبدو للعالم، ولكنني أرى نفسي كطفل يلعب على شاطيء البحر، ويعثر بين الحين والآخر على صدفة جميلة أو على حصاة ملساء، بينما الحقيقة ممتدة أمامي كمحيط عظيم لم أكتشف منه شيئا.  ويتحول هذا المعنى إلى نسق أكثر خواء وعدمية عند عالم الفيزياء الحديثة ستيفن هوكينغ والذي يعد واحدا من أكثر المدافعين عن العلم والمناهضين للفلسفة حين يقرر في محاولة نفيه وجود الإله،  قائلا: إن الكون بشكل فيزيائي يؤول رياضيا إلى صفر. ولربما مما سبق نستطيع أن نتفهم الدوافع التي دفعت بعالم اللسانيات الشهير والفيلسوف المعروف نعوم تشومسكي للسخرية اللاذعة من العلم حين قال: يشبه العلم إلى حد ما نكتة عن رجل مخمور يبحث تحت عمود الإنارة عن مفتاحه الذي أضاعه في الجهة الأخرى المظلمة من الشارع، لا لأن ذلك خيارا صحيحا، ولكن لأن تلك الجهة التي يبحث فيها هي الجهة الوحيدة المضاءة.

إن دوغما العلم التي تستشري في عصرنا الحالي ما هي إلا القشة التي يتشبث بها الإنسان المعاصر في بحر وجوده الهائج المضطرب بعدما تداعت كل سفن حضاراته ونتاجاتها لدرجة أنه أصبح على حافة الكفر بوعيه وعقله وكينونيته، بل بوجوده وكونه وعالمه. والمخيف بحق أن تصبح تلك القشة التي ينشدها الجميع هي نفسها القشة التي ستقصم ظهورهم جميعا إذا لم ينتهوا عن تحميل العلم فوق ما قد يطيق. فالعلم مجرد أداة هدم بناءة تتبع آلية بحث توصيفية للظواهر تحاول على استيحاء الاقتراب من بعض تفاصيل الحقيقة. الحقيقة التي يبدو أنها تستعصي حتى على نفسها.

الخميس، 16 أبريل 2020

لماذا ‏تسيطر ‏السردية ‏الدينية ‏على ‏وعي ‏الجموع؟


على الرغم من أن العلم كسردية تحاول شرح الكون والعالم هو أفضل مجتهد يحاول على مر العصور، بل وعلى الرغم من أن ربطه بالفلسفة يجعله أكثر ثباتا ورسوخا وجدية في سرديته تلك للوصول بها إلى معاني أعمق كالإنسان والغاية.. إلا أنه تبقى السرديات الدينية على اختلاف أشكالها وأطورها وتطوراتها، ورغم بساطتها وبدائيتها وافتقارها للأدلة هي السبيل الذي لا تزال الجموع إلى هذا الوقت تسير في رحابه قانعة متشبثة ممسكة بتلابيبه عاضة عليه بالنواجذ، رغم كونه لا يعدو في مضمونه أكثر من افتراضات مليئة بالأساطير والخرافات لا ثمة دليل عقلي أو عملي أو منطقي عليها.

ولفهم هذا التشبث علينا الرجوع للبداية حيث اللحظة التي يعي فيها الإنسان ذاته لأول مرة.. لا يورث الوعي بالذات شيئا أكثر من الخوف.. الخوف من الهلاك.. من العجز.. من الضعف.. من قوى الطبيعة.. من الجهل.. إلخ.. من كل تلك المخاوف بدأت السردية الدينية الأولى في التكون لتطمئن وتهدأ روع هذا الخوف الشديد الذي ألم بالإنسان جراء وعيه. أخذت بالتشكل والتشكيل للإنسان في عملية جدلية طويلة من التطور والأخذ والرد.. هذا التطور الذي في أحدى حقبه ظهرت منه الفلسفة بمباحثها ومعارفها، ليستقل منها مبحث الطبيعيات في حقبة لاحقة ليتحول بدوره إلى العلوم بشكلها الحديث.. وأثناء ذلك كله لم تتوقف السردية الدينية عن الاشتباك مع ما أنجبت من صغار (الفلسفة، والعلم).. وعلى هذا النحو أصبحت السردية الدينية في شكلها الأخير الحالي تحمل فلسفتها الخاصة، بل أصبح لها علومها التي تحتكم إلى بعض قواعد العلم وأنساقه حتى وإن بدا يتضح فيها شيء من التهافت والعوار تحت وطئة مرور الزمن. إلا أنها تتطور تبعا لذلك، ولا تموت.. فلماذا إذا لا تنتهي أو تموت رغم جهد وعناء الفلسفة والعلم في البحث؟؟ وللأجابة لابد أن نفهم سر التشبث الإنساني الجمعي بالسردية الدينية.

بالطبع لا يتشبث غالبية الناس بالسرديات الدينية نظرا لاقتناعهم بتلك الرحلة التاريخية السالفة الذكر، ولا حتى لكون الدين هو نقطة بدء الحضارة مثلا.. ولا شك أيضا أنهم لا يتشبثون بها كونها سردية منطقية أو عقلية قاطعة، فهم يعتقدون فيها ذلك فقط من باب الإيمان الغيبي لا أكثر ولا أقل. 
ولكن ينشأ التشبث من وجهة نظري جراء انعدام البديل، بل واستحالة وجوده.. الأمر محسوم إذا لصالح الدين حيث تشتت العلم وقصوره، وغموض الفلسفة وعجزها يجعلهما لن يستطيعا بأي حال أن ينتجا بديلا منافسا.. فالعلم كعادته شكي المنهج يمضي لهثا وتخبطا هنا وهناك خلف الأدلة المادية التي لم ولن تنتهي، يثبت ما نفاه بالأمس لينفيه في الغد وهكذا.. بل أنه في أحسن أحواله لا يستطيع الوصول إلى كنه الإنسان أو تكوين معنى واضح للغاية من وجوده.. وأما الفلسفة فلا يجد فيها الإنسان العادي غير غموض مربك مرهق يستحيل به إلى احتمالات لا يستطيع معها الإلمام بتباينها أو فهم أنساقها.. وبهذا تبقى السرديات الدينية على اختلاف اشكالها وصورها هي البديل الوحيد المتاح حيث التصور الواضح الكامل البسيط الذي يمكن الإنسان من المرور من حياته في سلام وهدوء دون كثير لغط وتشتت، ودونما محاولات مضنية من الإدراك لا تفضي لشيء بالنهاية. 

إن آلية عمل العقل والحواس حيال البيانات الأكثر ضخامة وتعقيدا تدفع الناس رغما للتمسك بالسرديات الدينية المبسطة.. فبنفس الطريقة التي تتجاهل بها الحواس المعطيات المعقدة الضخمة المتابينة نظرا لقصورها فتركز فيها على جانب واحد في الغالب يكون هو الجانب الأبسط فيها.. يعمل العقل بنفس الميكانيزم على تبسيط البيانات المعقدة الضخمة فيحولها إلى بيانات أقل تعقيدا وتضخيما وأكثر سطحية وتبسيطا ليتمكن من استيعابها.. فالبشر يستطيعون مثلا استيعاب تطبيقات العلوم المعدة وفقا لقدرات عقولهم للاستفادة منها، رغم أنهم في الغالب لا يفهمون العلوم التي أنتجت هذه التطبيقات أصلا.. وفي نفس الصدد قد يستمتع الإنسان بمعزوفة موسيقية تملأ روحه بالنشوة رغم جهله التام بمبحث القيم الفلسفي أو علوم الجمال والاستاطيقا.. من هذا المنحى نجد أن السردية الدينية على بدائيتها هي الأكثر ملائمة للعقل البشري الجمعي من حيث ميكانيزم عمله وتفاوت قدراته في استيعاب نتاجاته الحضارية.

شيء آخر من الممكن أن يشرح هذا التشبث بالسرديات الدينية ألا وهو قصر أعمار الإنسان ونمط معيشته حيث الإنسان ليس بوسعه من خلال عمر قصير كهذا مليء بالعمل والكد من أجل تكسب الرزق، أن يتفرغ لوقت كاف ليجد ويكد ويجتهد لتكوين تصور يخصه عن نفسه والعالم.. ولهذا يكتفي بالتصور الموروث.. أو حتى في أحسن في الأحوال يعدل عليه بعض الأشياء البسيطة بما يوافق عقله وبيئته وعصره.. ويمضي به مطمئنا قانعا هادئا، حيث السردية الدينية في أغلبها مطاطة وفضفاضة تتحدث أصلا إلى العاطفة التي تداعب روح الإنسان وخيالاته بعيدا عن قوانين الكون الجامدة، ومحركات الحياة الجافة.. إنها ببساطة تشكل اليد التي تربت على كتف الإنسان في خضم واقع قاس موحش يتمادى سوءا وصعوبة على قدر إدراكه.
إن الجموع بطبيعتها كسولة وغير مبدعة ومتواكلة ومن يحملون عبء التفكير وعناء التأمل شرذمة قليلة جدا في كل عصر.. وبهذا يعيش اللاحقون من الكسالى في هناءة ما مهده السابقون بعنائهم وأفكارهم.. وهذا ليس عيبا في الجموع، بل هو حيلة جماعية ملحة تتطلبها الحياة كوسيلة للاستمرار والبقاء فيها.. فطالما أن عناء التفكير لا يصل بنا في النهاية لبناء تصور قاطع عن أنفسنا وعن الوجود.. فإن اشتغال الجميع بهذا العبء لهو سفاهة لا تسمن ولا تغني من جوع.. لا شك أن ما ينفقه البعض في الاجتهاد في العلوم والفلسفة ينعكس على حياتنا بشكل يجعلها أفضل وأرقى وأكثر رفاهية وسهولة، لكنه برغم هذا الكد وثماره لن يستطيع -من وجهة نظري- أن يقضي على الدين بإجاباته البسيطة الشافية الوافية التي ترضي الجموع وعواطفهم خاصة تلك العاطفة الطامحة في السعادة الأبدية المتمثلة في جنة الخلود، حيث أنه ليس بإمكاننا بناء تصور كامل مبسط قطعي وعقلي عن الإنسان والوجود عن طريق الفلسفة والعلم.. ناهيك على أن يكون هذا التصور تصورا عاطفيا ينتهي بمكافأة الخلود.

ومما يجدر ذكره أيضا أنني لم أتحدث عن القيم بكونها سببا لتشبث البشر بسردياتهم الدينية.. ذلك أن القيم في حقيقتها ليست حكرا للسردية الدينية كما يروج أو يشاع، بل هي في حقيقتها نتاجات معقدة لتدافعات وتعاملات البشر مع بعضهم البعض وفق تفاعلهم مع متطلبات ومتغيرات واقعهم.. فهي نسبية متغيرة مدفوعة للتطور بما يسهل على البشر حياتهم، حيث الإنسان كائن اجتماعي رغم أنفه.

وفي الختام من الممكن أن نخلص إلى أن السردية الدينية بكل أساطيرها وخرافاتها باقية بقاء الإنسان، ربما تتطور أو تتحور مدفوعة في ذلك بتفاعلها مع النتاجات الحضارية الأخرى، لكنها أبدا لن تختفي أو تضمحل.. كون المباحث الجادة للحضارة مثل العلم والفلسفة ليس بمقدورهما أنتاج بديل يتضمن تصور شامل كامل عن الوجود والإنسان ليس فقط لقصورهما ولعجزهما، بل لاستحالة وجود هذا التصور من الأساس.

الجمعة، 3 أبريل 2020

أين سيذهب العالم بعد كورونا؟



بعد أن تخطي العالم حاجز المليون حالة من الأصابة تقف الحكومات والأنظمة عند الاختيار بين أمرين أحلاهما  مر. الأول: مزيد من إجراءات العزل الصحية المشددة في مواجهة الوباء. الثاني: إجراءات اقتصادية سريعة تدفع بالجميع إلى الشوارع؛ ليديروا عجلة الإنتاج التي أوشكت بتوقفها أن تسحق من تحتها الجميع. فهل نضحي بحياة الأم من أجل الجنين أم نضحي بالجنين من أجل حياة الأم؟ والحقيقة التي يفرضها كل من نظامنا الاقتصادي المثقل بالديون، وأنظمتنا الصحية المهترئة تؤكد على أننا اخترنا مسبقا من قبل الأزمة بوقت طويل التضحية بكليهما معا، حيث كل ما يحدث الآن ليس سوى حصادا مأساويا لما زرعناه سابقا طيلة عقود متلاحقة من السفه والحمق والخبل، بل وأحيانا الغباء.

فهل كان ينتظر اقتصاد العالم -الغير مقتصد بالمرة- فيروس كورونا المستجد كي ينهار؟؟ في الحقيقة يعرف الاقتصاديون أن الأزمة كانت ستحدث في هذا العام حتى وإن لم يخرج هذا الفيروس إلى حيز الوجود. فالاقتصاد على شكله الحالي يمر بدورات متعاقبة من الانتعاش والركود بمرور الوقت. مدة الدورة فيهم تتراوح بين ثمانية أعوام إلى اثنتي عشر عاما.. فإذا كانت أخر أزماتنا الاقتصادية الحادة قد حدثت عام ٢٠٠٨ إذا فعام ٢٠٢٠ كان هو موعد التكرار الموسمي للأزمة التي ربما استطاعنا تأجيل حدوثها بشق الأنفس في الأعوام التي سبقته. لا شك أن الوباء قد فاقم من سرعة تأزم الأمور واحتدامها، ذلك أن المصائب كعادتها لا تأتي فرادى، لكن ماذا بوسع العالم أن يفعل الآن بعدما صار الوباء من خلفه، والإفلاس من أمامه؟؟ لا شك أنه لا مندوحة عن التغيير الشامل للنظام حتى يحق لنا شيء من الأمل في المستقبل؟؟

ولكن يتأتى الإشكال من أن التغيير الذي ننشده في محاولة منا لبعث شيء من دم الحياة في جسد هذا العالم المحتضر، لا تكمن صعوبته فحسب في وضع مقوماته وأسسه وأطره وسياساته، ولا حتى في توافق دول وحكومات العالم عليه.. قد يستطيع خبراء العالم صياغة ذلك الأمر وإعداده على أحسن ما يكون، بحيث يكون شأن توافقي لا تجد الدول والحكومات بديلا له للخروج من تلك الأزمة. ولكن يكمن الإشكال من وجهة نظري في أمور أكثر تعقيدا وصعوبة من ذلك. 
أولها: أن التغيير سيواجه بعنف شديد من أصحاب رؤوس الأموال الحاليين، بل لن يسمح به أصلا من قبل تلك الزمرة التي تدير كل شيء في العالم إبتداء من السياسات العليا، وأنظمة الحكم.. انتهاء بأصغر تفصيل يخص أبسط فرد في المنظمومة. إنهم وبكل وضوح وبساطة يمتلكون كل شيء في العالم.. العلم.. التكنولوجيا.. الاكتشافات والاختراعات.. ديون الحكومات.. القوانين والتشريعات.. الصناديق والانتخابات.. وربما حتى الأديان والروحانيات، بل وحتى أبسط العادات اليومية التي يمارسها شخص ما مهمش يعيش على أطراف العالم يسيطرون عليها.. يمتلكون ساندوتش الهامبرجر رخيص الثمن المعد في خمس دقائق.. يمتلكون الإنترنت.. يمتلكون الترفيه.. وسائل النقل.. شبكات الكهرباء والمياه والغاز.. حتى المصنع الذي ينتج ملابسك الداخلية.. وفوق هذا كله يمتلكون الوظيفة التي تعطيك ثمن هذا كله. من الحمق أن نظن أن تخلي أصحاب رؤوس الأموال عن هذا النظام الحالي الذي أصلوه في العالم على مدار عقود سيكون طوعيا ولحظيا وبسهولة، فالعالم بفطرته مجبول على الصراع حيث لا عزاء للضعفاء المتواكلين، ولا دايم إلا رأس المال.  لهذا ربما نحتاج إلى عدة كوارث متلاحقة على مدار عقود متوالية عل ذلك يثني الرأسمالين عن غيهم، ويفيق المستضعفين من سباتهم، وعل هذا الوباء الحالي كشف للأغنياء درسا بسيطا مفاده: أن عشرة أصفار على يمين الواحد في حساب بالدولار في أحد بنوك سويسرا قد لا يعني الكثير حين يداهمنا فيروس مميت حيادي عادل ونزيه، لا يهتم كثيرا لأمر الثروة، ولا يلقي بالا بالملايين المكدسة هنا أو هناك. 

الإشكال الثاني هو الصين.. وما أدراك ما الصين.. حيث أنها ولا شك سوف تستخدم تغييرا كهذا لصالح حلم تسيدها للعالم. إن تغييرا كهذا سيتداعى على إثره بنيان الولايات المتحدة الأمريكية وقوتها وسياساتها ونظمها، وعليه تتقدم الصين لتصبح هي واجهة العالم بسياساتها ونظمها ونظامها، وبناء على ذلك سوف يتغير شكل العالم متأثرا بسيده الجديد سياسيا واجتماعيا، وذلك على نحو فيه مزيد من الشمولية والاستبدادية والقمع مبتعدا بهذا كل البعد عن كل طموحات الديمقراطية أو أحلام الحرية أو أي شيء يتعلق بحقوق الإنسان. إن تسيد الصين للعالم لا يمكنني أن أراه إلا بمثابة خطوة للوراء في ما كل يتعلق بالقيم الإنسانية الحديثة، وبديهيات حقوق الإنسان. يمكن لأي شخص ببحث عابر على الانترنت عن حقوق العامل في الصين، أو عن الخصوصية في الصين، أو عن أي شيء يتعلق بحقوق الإنسان في الصين أن يفهم جيدا ما أعنيه، لأنه وبكل تأكيد سوف يجد ما لا يسره، بل أحيانا ما لا يتوقعه حتى. الصين أصلا ككيان شمولي لا تعترف بأية حقوق سوى حقوق النظام، فلا قيمة لفرد أو لفكرة أو لمعنى أو لقيمة أو لشيء في العموم طالما لا يخدم النظام. وعلينا أن لا ننسى أن نهضة الصين الاقتصادية الحالية، وتقدمها التقني الفائق اليوم ما هو إلا نتاج عقود  منصرمة من الغش التجاري، وسرقة حقوق الملكية الفكرية للاختراعات، واستعباد مروع للعمالة، وإفساد ممنهج للبيئة ذلك من أجل الوصول إلى كم هائل من المنتجات المضروبة ذات الأسعار الزهيدة التي لا يمكن منافستها. 

هكذا نخلص إلى أن التغيير على الصورة التي ينشدها أمثالنا من العاديين المتكئين على آرائكهم ينظرون حيث العدالة، والتوزيع المنطقي للثروات، والسعادة للجميع بلا استثناء، وكل تلك الأحلام الوردية الساذجة هو درب من دروب المستحيل، ذلك أنه حتى وإن حدث التغيير بشكل جذري، وانهارت الرأسمالية على رؤوس أصحابها ستسوء الأمور بشكل أكبر بصعود الصين لتعتلي القمة، ليتحول العالم بدوره إلى سجن قمعي كبير لا يملك فيه الفرد أبسط قدر من الحرية، ولا حتى أدنى قدر من  القيمة. 


ورغم هذا التصور، لا شك أن تغييرا ما يصعب التكهن بشكله ومضمونه وبجدواه الآن سوف يطرأ على العالم بعد مرور تلك الأزمة، لكنه كما قلت سابقا لا علاقة له بأحلام الفقراء الساذجة حيث السماء سوف تمطر ذهبا، أو أننا سوف نصادف الفردوس الضائع منا في الرماد الذي خلفته المحنة، أو أن العالم سوف يذهب نحو الأفضل هكذا من تلقاء نفسه. فلازال العالم والإنسان من ورائه في طور التجريب.. التجريب الذي لم يطال بعد عمق النفس الإنسانية في كينونتها وذاتيتها وتفردها، ومن هنا يتبدى إشكال آخر أكثر عمقا وصعوبة من كل مقومات الواقع الآنية وتفاعلاته اللحظية مما ذكرناه سابقا. هذا الإشكال هو إشكال يتعلق بمفاهمية الإنسان الفرد ووعيه بذاته وإدراكه لعالمه المحيط وقدرته على تغيير معنى الحياة في نفسه كي تنصلح له الحياة في معناها بعيدا عن خرافات أساطير الماضي، وسذاجة أحلام المستقبل. فها هو الإنسان الذي أغتر زيفا بقدرته على قياد وتطويع الطبيعة، وما فيها من ظروف لا يستطيع أن يحتمل مواجهة نفسه لعدة أسابيع في حجره المنزلي حتى يصبح في مكنة وسائله العلمية الهشة القدرة على الوصول إلى لقاح يحميه. أنه ببساطة لا يجد في مجالسة نفسه غير الملل والضجر.. فأنى لحياته أذن أن تكون سوى مجرد ملهيات خداعة أو أوهام براقة يهرب بها من نفسه؟؟ وأنى لعلمه ومعرفته اللذان يفاخر بهما أن يكونا سوى غرور زائف وتيه فج يواري بهما ضعف علمه ومعرفته بنفسه؟؟  ورغم أنني أدرك جيدا أن الإنسان لازال رغم كل هذا الصخب والزخم الذي يثيره حوله نفسه يخطو أول الخطوات في مسار وعيه وتطوره وحضارته إلا أن الأمل سيظل منعقدا دائما في المحن والمصاعب والكوارث والنقم في أن تسرع من وتيرة تطوره ووعيه وتحضره فبها وحدها لا غيرها من الممكن أن يأمل بحق في مزيد من الترقى في رحلة وعيه وحضارته. أن المحن والمصاعب هي الأثمان الحقيقة لأي تقدم أو رقي بعيدا عن أساطير الماضي الخرافية، وأحلام المستقبل الواهمة. فلا شيء في الوجود يأتي بلا ثمن. 
ولهذا ربما تكون المحنة القادمة -وأقصد بها الأزمة المناخية- والتي يتوقع الكثير من الخبراء بداية تأثيرتها القوية في نهاية العقد القادم هي السبيل نحو إنسان يستطيع أن يعي ما حوله من خلال وعي حقيقي بذاته، لأنه إن لم يفعل ذلك بكل الصدق والعزم والجهد والوسع، فلربما تسدل تلك الكارثة المناخية الستار على فصيلته، فلا تبقي لها أثرا.

الأربعاء، 1 أبريل 2020

كورونا وتبادل الأدوار بين الصين وأمريكا.. حروب الدوائر المفرغة


سي إن إن: الجيش الروسي يرسل حزمة مساعدات طبية إلى أيطاليا لمواجهة فيروس كورونا.
روسيا اليوم: مكالمة هاتفية بين الرئيس الصيني ونظيره الأمريكي يعرض فيها الأول حزمة من المساعدات بشأن فيروس كورونا، بينما يصفها الرئيس الأمريكي بالمكالمة الجيدة، ويؤكد على أهمية العمل الوثيق.
فاينانشيال تايمز: زعماء الاتحاد الأوربي يتنازعون بشأن الاستجابة لفيروس كورونا.
فرانس ٢٤: بوتين وماكرون يبحثان التعاون ضد كورونا.
موسكو: كورونا لن يؤثر على التبادل التجاري بين روسيا والصين.

ففي تبادل صريح للأدوار.. ها هو تمثال الحرية يسقط في هاوية الوباء لاحقا بحلفائه الأوربيين البيض المحفلطين بينما الصين وروسيا بمناجلهما ومعاولهما يمدان أيادي العون والمساعدة للعالم.. عاد سيف الشمولية الشيوعية ليثأر، ولكن هذه المرة بأيدي ناعمة، ونظرات حانية، وبطريقة دعائية تعلمها جيدا من غريمه الرأسمالي المدعي الذي كاد أن يشحذ في سنواته الأخيرة، مما اضطره لأستخدام بلطجته العسكرية في ابتزاز حلفاؤه، ولم الأتاوات بطريقة فجة انكسرت معها كل دعاويه الغابرة المتعلقة بحماية الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.. من المحتمل أن يعود العالم كله إلى حيث كان.. حيث اللون الواحد والصوت الواحد والبيجامات الكستور والعمل مقابل لقمة العيش والتخلف العقلي حيث الأخ الأكبر يراقب الجميع من داخل سراويلهم.. ويرفرف العمر الجميل الحنون لمأساة جورج أوريل الخالدة (١٩٨٤) في الأرجاء.. وتهفهف أرواح لينين وستالين وماو تسي تونج وبقية الرفقاء في الأجواء.. ليتراجع آدم سميث هادئ الملامح بعينيه الماكرتين، ليتقدم  كارل ماركس من جديد بلحيته المخيفة، ووجهه المتجهم ليقهرنا كعادته دون قصد من جديد، بعد أن هتك غريمه سميث عرض جيوبنا ونفوسنا وما تبقى من إنسانيتنا.. العالم كعادته يخرج من رحم ديستوبيا ليدخل ديستوبيا جديدة وقودها كما كل عصر أمثالنا من المعذبين البوساء، وهذا فقط لنظل نسأل نفس السؤال العدمي الخالد.. لماذا لا تذهب أيها العالم إلى الجحيم دفعة واحدة؟!

المضحك المبكي في العالم أنه ثمل لا ينفعه مزيدا من السكر، ولا أمل في استفاقته حتى وإن تاب عن الشراب، ثم حج واعتمر.. يدور في دوائر مفرغة لا تفضي إلا لنفسها أو تسوء.. وعلى هذا النحو لا سبيل لجموع البشر إلا التمسك بأفيون معتقداتهم حيث الحياة في حقيقتها ليست أكثر من مجرد رحلة للموت الذي لابد أن نؤمن أنه بوابة العبور نحو الحياة التي لم نصادفها في الحياة.. ما أكثر الأحياء الذين لم يصادفوا الحياة على عين حياتهم، بل وينتظروها بموتهم.. هل بوسعك أن تتخيل حجم المهزلة حين تعيش كل هذه الجموع شيئا لا تجده، وتعتقد في شيء لا تعرفه على سبيل التعويض؟!

هاهو العالم كعادته بأيدلوجياته باقتصاده بمعاركه بتحالفاته بيمينه بيساره لا يستحق شيء سوى صندوق كبير للقمامة، وهذا ليس شيء طارئا نظرا للأزمة التي تمر به الآن، بل هو في هذا الاحتياج المسيس منذ آدم الأول حيث أنه لا شيء يجدي، ولا شيء سيجدي أمام هذا الخلل الطبيعي الذي أصاب الوجود والمسمى الإنسان..الإنسان الظالم لنفسه.

السبت، 21 مارس 2020

كورونا السجان المستجد.. ومفارقة الوحدة حيث الجحيم هو الآخرون



لا يخفى على أحد أن الإجراء الوحيد المتاح حتى الآن للتصدي لجائحة كورونا هو إجراء العزل لكافة الأفراد.. "عامل الآخرين جميعا ويكأنهم مصابين أو اعتبر نفسك مصابا، ومارس الحجر المنزلي على نفسك" هذه ببساطة خلاصة توصيات منظمة الصحة العالمية. وعلى هذا يجدر بالجميع حكومات وشعوب ومنظمات ومؤسسات أن يتكاتفوا لتنفيذ هذا العزل بشكل طوعي في كل أنحاء العالم، قبل أن تتفاقم الأمور بزيادة أعداد المصابين، فيتحول الأمر لعزل أجباري وحظر قهري للتجول كما يحدث حاليا في ايطاليا بعدما تفاقمت الأمور، وانهار النظام الصحي أمام تسونامي حالات الأصابة.. الأمر يبدو وكأننا أمام فيروس يحمل طبع سجان غشيم لا يستطيع مسجونيه إلا البقاء في زنازينهم هادئين خوفا من بطشه وغضبه.

ومن العجيب بحق أنه من خلف هذا التكاتف المنشود تطل علينا مفارقة عبثية بامتياز تلائم عبث الوضع الراهن، حيث على الجميع الآن أن يتكاتف -معنويا- على ألا يتكاتف الناس أو يتخالطوا -جسديا-.. على الجميع أن يتوحدوا في أن يتوحد كل واحد منهم في عزلته.. نتوحد "بمعنى نتحد" على أن نتوحد "بمعنى أن نبقى وحيدين". كلمة الوحدة هي مفارقة في حد ذاتها، من حيث أنها لفظة تحتمل المعنى وضده في نفس الوقت. فما بالك حين تكون المفارقة هي الوحدة الناجمة عن حبس قهري يمارسه سجان غاشم غشيم لا سبيل الخلاص منه ولا مقاومته إلا بالبقاء في السجن.

ربما من تلك المفارقات والملابسات طفق رأسي يستدعي عبارة جان بول سارتر الشهيرة -الجحيم هو الآخرون- والتي ببساطة تلخص واحدة من أشهر مسرحياته الوجودية "مسرحية لا مخرج".. وعلى الرغم من أن أحداث تلك المسرحية لم تك تتحدث عن جائحة أو وباء إلا أنني أجد العبارة ذاتها عبارة محتملة فيها من المفارقة ما فيها.. فمن ناحية هي عبارة موجزة ذكية حمالة أوجه كثيرة ومعان وفيرة، ومن ناحية أخرى فهي تكاد تكون ملائمة بغرابتها وغربتها ووجعها لهذا الظرف الموجع المستغرب الذي قد ألم بالعالم. 
فهاهو الجحيم فعلا يتسيد المشهد بكامله.. جحيم الهلع.. جحيم التهديد.. جحيم الجهل.. جحيم المرض.. جحيم الهلاك.. كل هذا مجتمعا ومتمثلا في الآخر سواء إن كان هذا الآخر هو أعدى غريب أو أعز قريب.. بل لا ينتهي الأمر عند هذا.. فليس الجحيم هو الآخرون فحسب، بل هو أنت بينهم في غمار الجائحة، حيث أنك أيضا مصدر تهديد وهلع واحتمال مرض للجميع. فالجحيم هو الآخرون الذين أنت جحيمهم أيضا ومن هنا تتضح عدالة هذا السجان القاسي ونزاهته أو ربما عدم عقلانيته وعبثه.
أن العلاقة بالآخرين في ذاتها علاقة ديالكتيكية يطول الحديث فيها، ولكن هذا الديالكتيك يبدو هذه المرة أكثر جلاء ووضوحا ومفارقة أيضا.. فمن جانب رياضياتي نحن أمام فرد واحد -وبشكل احتمالي واحصائي بحت- من الممكن أن يسبب هلاكا للجميع، وكل فرد من الجميع يمثل نفس العبء على المنظومة جميعها.. فعلى الرغم من ضألة تأثير الفرد كرقم بالنسبة لأعداد المجموع -وهذه طريقة رياضياتية بلا شك- إلا أنه يظهر مؤثر جدا من طريق رياضياتي آخر هو الاحتمال ومن هنا تتأتي المفارقة الفارقة.
أما على صعيد فلسفي وجودي فتتأتى مفارقات أخرى كثيرة في نفس العبارة منها مثلا أن ما يأسس له سارتر بعبارته أصلا مرده الفردانية والتي هي قاعدة أساس للوجودية كفلسفة ولليبراليبة كنظام أجتماعي وسياسي.. ولطالما نافحت الوجودية ودافعت الليبرالية عن قيمة الفرد على حساب قيم المجموع.. ولكن في غمار الجائحة تنقلب الفردانية والوجودية والليبرالية كل منها على نفسها، بل وعلى حساب قيمة الفرد وحقوقه لصالح المجموع، حيث لا نجاة أصلا للفرد في شبكة الهلاك الاحتمالية تلك إلا بنجاة المجموع.. فعلى قدر ما يقترب جحيم الهلاك من الآخر الذي قد تظنه الجحيم على قدر ما قد يأكلك الجحيم.. فلا نجاة فردية هذه المرة.. أما أن تتنازل كفرد عن متطلباتك من أجل متطلبات الغالبية فينجوا فتنجو.. وأما أن تتمسك بفرادنيتك الوجودية فيهلكوا فتهلك أنت تباعا. 
ربما نجد لذلك انعكاسا واضحا في أنموذجين بارزين للأزمة هما الصين أيطاليا.. الصين وهي دولة اشتراكية شمولية بامتياز وعلى الرغم من كل ملاحظاتنا السيئة عليها فيما يتعلق بالحريات وحقوق الإنسان إلا أنها تعد أكثر الدول احتواء للأزمة واستيعاب لها رغم أنها أول المتضررين، وهذا تماما على عكس الحال في أيطاليا والتي هي جمهورية برلمانية ديمقراطية يمارس أفرادها قدرا أكبر من الحرية مع قسط أوفر من الحقوق إلا أنها أنهارت تماما أمام الأزمة، وها هي الجائحة تحصد أرواح مواطنيها بكل حقوقهم وحرياتهم بكل حريتها. فهل انقلبت الوجودية على نفسها وبالا.. وقتلت الليبرالية نفسها بديمقراطيتها وحريتها.. أما أن الجحيم وجودي والوجود جحيمي وجميعنا نصطلي بنارهما طوال الوقت؟! 

وبالختام يبقى لي رجاء عند من تصله تلك الكلمات.. ابتعد عن من تحب بقدر حبك له.. وابتعد عن من تكره بقدر كرهك له.. وابتعد عن من لا تعرف بقدر ما لا تعرفه عنه.. كل فرد هو نقطة احتمالية في منحنى دالة أسية تتزايد فيها أعداد المصابين بطريقة سرطانية لا يمكن تخيلها.. كل مخالطة هي تهديد يوشك أن يهلك الجميع.. أنه بحق اليوم الذي لابد فيه أن يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه وفصيلته التي تؤويه ومن في الأرض جميعا لعل ذلك ينجيهم وينجيه.

الاثنين، 16 مارس 2020

جائحة كورونا وانهيار النظام العالمي

   

ها هو العالم الذي طالما ظننا أننا نسيطر عليه تمام السيطرة، وأنه طوع قيادتنا يخرج عن السيطرة، فنتخبط فيه كالعميان أو المجانين.. البناء العالمي الضخم سواء العلمي أو الصحي أو الاقتصادي أو الاجتماعي يثبت لنا أنه مهترئ للغاية، ومن السهل جدا أن يتداعى فوق رؤوسنا في عدة أسابيع.. كل نتاجات الحضارة الانسانية المتراكمة على مر عشرات القرون تبدو الآن هشة جدا ضعيفة المناعة من الممكن أن تنهار في لحظة..

لا يرجع ذلك الضعف والعجز لعظم جائحة الكورونا وسرعة انتشارها فحسب، بل يرجع في الأساس لهشاشة البناء الحضاري الذي ابتنيناه لنعيش فيه معتقدين في قوة امكانياته.. مؤمنين بعظم تحصيناته وقدراته.. أن هذا التمركز الأحمق الساذج حول نتاجات الحضارة لم يورطنا إلا في انتفاخ ذواتنا التي هي في حقيقتها لا تمثل أي شيء..

فعلى الصعيد العلمي أثبتت لنا الجائحة مدى بطىء العلم في مواجهة الكارثة، وعدم قدرته على مجاراة تسارعها بنفس الوتيرة، ناهيك عن فشله التام في التنبؤ.. لا يمتلك الكورونا مؤسسات محكمة ولا أجهزة مسؤولة ولا تمويلات ولا دراسات حين أعلن حربه الضروس علينا.. ها هو يزحف علينا في صمت ويقتلنا كالذباب دون قصد أو إرادة أو هدف.. مجرد كائن دقيق وبسيط ظهر فجأة.. ويخطو أولى خطواته في الوجود دون أدنى وعي منه.. فبماذا فادنا الوعي والإرادة الحرة والعقل والغاية وكل هذه الهراءات التي طالما زعمنا بها لأنفسنا الأفضلية..

أما على الصعيدان الصحي والأقتصادي فكلاهما أسوأ من بعض، ومنهما يفتضح وعي البشر الجمعي بأسره.. العالم البشري مفلس تماما اقتصاديا.. لا تستوعب موارده تنامي سكانه المطرد المهول.. مدين لمستقبله الأغبر بثلاث أضعاف دخله الحالي وناتجه القومي الأجمالي.. بل يهدر موارده في خزعبلات على مر قرون.. فعلى الرغم من عظم الجوائح الوبائية التي واجهها -على الأقل- في الخمسة قرون الماضية لم يتعلم الدرس.. وها هو يواجه جائحة أكثر شراسة وضراوة بنظام صحي فقير الموارد ضعيف الاستيعاب.. حيث لا تستوعب مستشفياته أكثر من ١٥% من سكانه.. ولا تستوعب غرف العناية المركزة فيه فائقة التجهيز أكثر من ١.٥% منهم.. أين كان العالم وهو ينفق أكثر من ربع موارده على اشياء لا تجدي من أنتاج مواد رياضية وفنية و عسكرة و... إلخ.. وربما لهذا يدفع العالم الآن ثمن حمقه واستهتاره.. فترى صناع قراره ملتاعين مثلهم مثل الذي يتخبطه الشيطان من المس.. شيطان الحماقة والغفلة..

أما على الصعيد الأجتماعي فالأمر أكثر تعقيدا وسوء.. فبعد أن أصبح كل إنسان منا جزيرة معزولة في ذاتها، لا يربطه بالآخرين سوى بعض نقرات على شاشة ملساء مضيئة في عوالم كلها افتراضية صنعها جميعا باختياره فأحبها وأدمن عليها.. ها هو يرغمه هلعه الآن لينعزل جبرا لا طواعية ليواجه نفسه التي أفسدها بتضخيمها الزائف.. ها هو يرى نفسه بلا أدنى شأن حيث من الممكن أن تتحول لرقم تافه في حصيلة وفيات الجائحة الحالية..  رقم تافه يمر سريعا على شريط أخباري صامت أو كخبر عاجل سرعان ما يختفي ليظهر الذي يليه.. ها هو الإنسان الذي طالما ظن نفسه محور الأشياء يتعارك مسعورا من أجل عبوة من المطهرات أو بضع معلبات من الطعام دون أدنى تحضر أو عقل ظنا منه أنه قد يفر من الموت.. الموت الذي كان قد نساه تماما في خضم حياته المحمومة المتسارعة الأحداث.. ها هو يواجه الحقيقة التي أهدر موارده كلها كي يتلهى عنها ويشوش عليها.. ها هي تظهر أمامه جلية واضحة كالشمس مع كل عطسة أو كحة أو بصقة.. ها هو يواجهها وحده.. وحده تماما كجزيرة منعزلة حيث الآخر هو احتمال للموت لا النجاة..

الأربعاء، 15 يناير 2020

عصر ولكن

لاشك أن عصر الحقائق الثابتة والأفكار المطلقة، والمعني ذا المقصد الواحد، والطرق ذات الإتجاه الواحد ينحسر يوما بعد يوم. فلا يغفل مبصر أن عصر الاستمبة والقالب والنموذج والقواعد والأصول والموروث يحتضر في سرير الموت. 

نحن الأن ببساطة نقف على باب عصر جديد اسمه "عصر ولكن".. عصر قوام أيدولوجيته هو الجمل الأعتراضية، والجانب الأخر من كل شيء، ومقابلة الضد بالضد، وأحترام الارتباك الذي يسببه التناقض، بل واعتباره صورة من صور الفهم. عصر تفهم الفوضى التى ينتجها الأختلاف، بل وتذوق الاضطراب الناتج عن المنهج الفرادني في التفكير. بحيث لا يستطيع عاقل متفهم اليوم أن يغفل الجانب الآخر من رؤيته أو فكرته أو موضوعه. 

ربما الصراعات الدائرة أصلا هي صراعات وجود بالنسبة للجهلاء والحمقي والأغبياء من المتجمدين، بل لربما هي صراعاتهم الأخيرة التي تزداد بها خسائرهم يوما بعد يوم وصولا إلى أن يتلاشوا للأبد. أعتقد أن البشر سيمرون قريبا إلى هذا العصر الذي سيتغير فيه كل شيء.. ففي الغالب مسيرة البشر تتعقد معنويا كلما تشيب، بينما تصبح أكثر أريحية ماديا على الجانب الآخر من الصورة. ولا أعرف ما إذا كان هذا التوازن سيكون كافيا في العصور المقبلة بما يضمن بقائنا أم أن الجانب المعنوي سيتقعد جدا ويتأزم تماما بحيث لا تستطيع ماديات الحياة من رفاهية وتطور وراحة وسهولة أن تجابهه. 

لكن تخيل أن تصبح الثوابت على الأرض بعدد البشر وتصبح الأفكارفي مثل ذلك. تخيل أن يصل بنا الحال يوما أن نتوافق على أنه لا حاجة للتوافق على أي شيء، و نقدم الفرد على الجماعة، بل ونقدس الاختلاف على حساب التوافق. ربما حينها تصبح الأمور فوضوية للغاية بحيث تصبح الحياة غابة من جديد محركها هو توافر القوة مع المصلحة، وربما تنتظم الحياة بسقوط فكرة القوة والمصلحة معا في خضم الأفكار التي تسقط يوما بعد يوما. ربما تدفعنا الفرادنية لحيوانية بدائية همجية، وربما تفتح لنا أفاق جديدة نحو عالم جديد تصبح فيه نفوسنا معقدة جدا بحيث تسقط غرائزها الحيوانية تلك، فنصبح كائنات جديدة تدور في دورة جديدة من التطور. 

علينا فقط أن لا نستهين بالتطور.. فالتطور أنتج وعيا يكتب لك هذا الكلام لتجد نفسه تفهمه. فربما تسير عجلة التطور نحو الأفضل، ونصبح كائنات أرقى مع الوقت بحيث يختفي القتل والعدوان ومحرك المصلحة المقيت. ولكن أعتقد أن هذا الرقي المنشود لا علاقة له بالسعادة التي تصبو إليها البشرية، لأنه ربما نصبح كائنات أرقى، ولكن أكثر حزنا وضجرا ومللا واكتئابا. ربما ليس كحزن اليوم ولا كملل اليوم الحاصلان بفعل ضغوط الواقع. ربما عندما يزيد وعينا بأنفسنا لدرجة أن نكسر فيها دوافعها الغريزية الحيوانية. ربما تصبح نفوسنا هكذا عبأ وحزنا واكتئابا ووجعا بذاتها.

إن تراكم التغييرات ليس شرطا أن يمضي بنا للأمام خاصة، وأن التغييرات تمضي وفق قوانين لا نسيطر عليها، بل حتى لا نفهمها، ولانعرف أبعادها؛ ولهذا نجد أنه في أحيان كثيرة تتعقد تلك التغيرات، وبدلا من أن تدفعنا للأمام تعيدنا للخلف، وكأن الأمر يمضي بعشوائية لا يمكن ضبطها، ولا حتى توقع ما قد تؤول إليه. ففيما نرى نجد مثلا أن الإرادة الحرة -الناتجة أساسا عن ظهور الوعي- تبدو الآن بعد تعقيدها وتحميلها بأفكار كثيرة معيبة أصبحت رادع للإنسان بدلا من أن تكون دافعا له، لدرجة أنها أصبحت تهدر قيمة الوعي ذاته.

الاثنين، 9 ديسمبر 2019

عن الضحك والسخرية


الضحك واحد من أهم الظواهر الإنسانية في مواجهة الإنسان لوجوده. يفسره سقراط مثلا كظاهرة نابعة من تجاهل الذات. ويذهب به هيغل إلى أنه مفارقة ناجمة من تناقض بين المفهوم الأولي والمعنى الحقيقي المستدرك. وينتهي به إميل سيوران إلى أنه أكبر ظاهرة عدمية في الوجود.

ولا شك أنه لم يكتمل نضج الوعي الإنساني في بدايته إلا حينما مارس الإنسان ميكانيزم السخرية حيال وجوده، وكافة المشكلات التي نجمت عن هذا الوجود. فالسخرية برأيي هي أكثر ردة فعل جادة وحقيقة ومثمرة قام بها الإنسان على مدار وجوده ووعيه، حيث أنها بمعناها الجوهري ما هي إلا سخرية الإنسان من نفسه.. من عجزه ويأسه، بل وحتى من دهشته وخوفه.

إن السخرية تنزع عن الإنسان تلك العدسات المكبرة التي يرى بها نفسه محور الوجود ومنتهاه، فتزيل عن عقله ثوب قدسيته، وتنزع عن إداركه قناع هيبته التي يختال بها على سائر الكائنات؛ ليرى أفكاره هزلا عاريا تماما بكل سوءاتها فتعود أمامه لحجمها الطبيعي المخزي المثير للإستهزاء في خضم هذا الكون اللانهائي.

السخرية هي المفارقة الناتجة من التناقض الذي هو الخام الأولي الذي تنبني عليه الحياة.. المعادل الحقيقي لمحاولة الإنسان للحرية، وكسر القيود باعتراضه على مكون التناقض الذي ينبني عليه كل شيء. إنها بلا ريب معول هدم بناء يكسر قيد الحياة فينا؛ ليطهر الأفكار من تضاربها من أجل تنقيحها وتطويرها وتحسينها. إنها واحدة من أهم صور الجدل الإنساني مع وجوده.. محاولة لتجاوز المحدود المتضارب بالتعالي عليه والاستهزاء به كونه على حالته هذه يعد هزلا لا طائل منه. ردة فعل تجتهد في التسلق صوب ما هو أرقى بنقدها ونقضها للحالي. طموح في اللانهائي.. ديالكتيك ناجم بالأساس من الإستهزاء بالمأساة عن طريق تحويلها لملهاة ترسم البسمة على الوجوه، وتحرك الأفكار في العقول.. نتألم لنسخر فنضحك لنستطيع أن نتألم من جديد.

الأحد، 15 سبتمبر 2019

الثورات ‏المحكومة بالفشل



لا أدري لماذا كلما مرت الأعوام بصق القدر في وجه الثورة متشفيا، وكأنه يسخر من المحاولة. إنه يحيل كل محاولة للخروج من قدر المأساة المحتوم إلى قدر أكثر مأساوية وخرابا. 

يبدو أن الحرية والعدل وكافة تلك القيم المزركشة بالنبل والسمو ليسوا أكثر من سذاجة طفولية بريئة تخص أمثالنا من الحالمين الهاربين من حقيقة الواقع بأمانيهم المستحيلة.

والأمر هذا لا يتعلق فقط بالثورة أو بالشأن السياسي أو بالوطن أو حتى بالوضع الاجتماعي. أعتقد أن هذه الفوضى مجرد سنة كونية، وطبع دنيء من طباع الحياة المدموغة فيها، حيث كل محاولة لتحسينها لا تزيدها إلا سوءا وخرابا. 

خيالات اليوتوبيا اللطيفة تلك مجرد معضلة تخص أصحابها لا علاقة للواقع ومعطياته وتفاعلاته بها. ففي وجود يغرق في الفشل لن يُسمح إلا بثورات فاشلة تضر أكثر مما تنفع. تلك هي الحقيقة القدرية للوجود. وإذا كان القدر أرعنا مخنثا مثقوبا إلى هذا الحد فبما يجدي النفخ، وبما تجدي المحاولة؟!

الحياة سباق محموم في القذارة. تمارس فيه جموع المدنسين الغفيرة كل حيل قذارتهم على حفنة الطيبين المشرذمة، فقط ليكونوا مثلهم، كي لا يعلو صوت فوق صوت الدنس.

فطوبى إذن لمن يمرون من الحياة، وكأنهم لم يمروا. حيث لا أثرا تركوا، ولا بدنس خرجوا. والويل كل الويل للملطخة قلوبهم بالحياة.. المتكالبين على الهباء، وهم هباء.

الاثنين، 7 يناير 2019

بيروقراطية الكون



ربما تعد البيروقراطية من حيث كونها مفهوما أجتماعيا تنظيميا ونظاما قانونيا وسياسيا ذروة سنام النظام الحضاري للإنسانية، إلا أنها بمرور الوقت -وكما كل منتجات الحضارة- تداعت على نفسها من الداخل خاصة حينما تشابكت الامور وتعقدت، فاضطررنا إلى تقديم صرامة مادية النظم والتنظيم والقوانين على عمق الجانب المعنوي للأفراد ورغباتهم ومشاعرهم وأحاسيسهم  بحيث صار النظام عبأ يثقل كاهل مصلحة الفرد والمجتمع، بل أصبح في أحسن أحواله يحول البشر لأسنان صدئة في تروس ماكينة ضخمة كثيرة الضجيج قليلة الطحين مضارها أكبر من نفعها. فحينما تجاهل النظام سبب سلطته وتناسى القانون الداعي من سطوته، واستحال كلا منهما إلى أطر صلبة مجردة جامدة خالية من الروح وعمق المعنى حينها اصطبغت البيرواقطية كلفظة بصبغة سلبية سرعان ما تتبادر إلى الأذهان عند ذكرها.

وقد يرجع هذا التداعي والتهافت للبيروقراطية عبر الزمن إلى جذرها الأغريقي -كراتس- والذي يعني السلطة. ولاشك أنه لا نظام ولا تنظيم ولا قانون بدون سلطة.. ولا شك أيضا أنه لا سلطة من غير شر وضر. فالسلطوية على قدر ما تمنح من العطايا وتقي من الفوضى، على قدر ما تمنع وتقيد من الحرية. وتلك طبيعة الحال في كل أشياء الوجود على قدر ما تعطيك تسلبك، حيث يمكن إسقاط تلك القاعدة على أصغر مقياس إلى أكبر مقياس في الوجود. ففي الوجود لا توجد أشياء صرفة خالصة. فأشياء الوجود تخضع لجدلية الشيء ونقيضه معا في آن واحد.

فحتى الكون ذاته يغرق في بيروقراطية عتيقة. فالقوانين والنظم التي تدير الكون، والتي نستنتجها بمرور الوقت بالعلم يطفح منها الروتين بدرجة لا تطاق. وكأن المشكلة ليست فقط في مدام عفاف التي تعمل في التأمينات، وتريدك أن تدور على كافة المكاتب كي تنهي أوراق معاشك، ولا في أستاذ مدحت المسجون خلف قضبان شباك تراخيص المرور، ويريد خمسين جنيها كي يختصر عليك الطريق الطويل للروتين من أجل استرداد رخصة مركبتك. المشكلة في الروتين الأصلي الكبير الذي سمح بوجودنا جميعا على هذا النحو؛ كي نخلق روتينا مشابها مليء بالقوانين لنعيش من خلاله وفيه أسارى؛ لنموت في النهاية بطريقة روتينية أيضا وسمجة. المشكلة في السلطة والنظام الذي يستحيل تخيل الوجود أو تصوره دونهما.

السبت، 15 ديسمبر 2018

تهافت الوجود الواعي على نفسه

الجانب الوجودي للحكاية مظلم للغاية، بينما الجانب الذي نظنه مشرقا هو مهرب الوعي الذي يصل بنا بعد جهد وعناء في النهاية لنفس الحقيقة المرة التي هربنا منها في البداية.  دائرة مفرغة بين الهنا - الحياة والوجود- والهناك - الموت والعدم-... فهنا حيث أن المجهول الذي تجهل جهلك به هو نفسه المجهول هناك الذي تفر منه وتخشاه أن يتفاقم؛ لعلمك أنك تجهل كل شيء عنه. 

التفكيك هو خلل الوعي الأصيل. فالوعي يلجأ للتفكيك كلما عجز عن الإدراك فتزداد الأمور تعقيدا وتفاصيلا دون جدوى. الوعي مسبوك باللغة، واللغة تحدها الحقائق. حتى عمق أعماق الوجدان يتداعى حين ندرك أن المشاعر ميتافيزيقيا الغرائز بالأساس. 

المعاني أصلا تتوالد جراء أن الوعي حبيس اللغة، واللغة حبيسة الوهم والتقريب، لا الحقيقة والتدقيق. الشاعرية حتى كأسلوب تعبير انساني على صدقها وذاتيتها يمكن أن نقتل كل صورها وألوانها بنفس ذات الطلقة. فما هي في أجودها وأصدقها سوى انعكاس للحزن الناجم عن هذا اللون الرمادي القاتم المستمر للأشياء، الذي يموت مجازا لنحيا فيحيا بوجودنا رماديا من جديد. هكذا تتنتج العتمة نفسها بنفسها طوال الوقت بحيث لا يسعنا إلا أن نجعل من مأساتنا ملهاتنا التي تسري عنا. فنكتب أنفسنا قصائد، ونرسمنا أساطير، وننظم الفوضى من حولنا في قوانين، ونلتهي في التفاصيل، وندور في سفر طويل، وبحث مضني؛ لنفسر الماء بعد الجهد بالماء.

إن هذا الوجود المبصر الواعي الذي يملأ عقولنا ليس سوى نظارتنا السوداء السميكة التي تحجب عنا الوجود الحقيقي الذي يستر عماه بنظارتين من العدم، فلا يبصرنا من الأساس. فالوعي في أحسن أحواله ليس أكثر من علكة ملتصقة بنعل الوجود الذي يفضل أن يسير حافيا. لا أفكارنا هي من تحرك العالم، ولا العالم هو من يحرك أفكارنا.. ذلك أن الدافع لوجود مثل تلك الراوبط هو ذاته المانع حيث لا ثمة انفصال أصلا. 

ثغرة وعي المطلق -الغائب الحاضر- مثلا هي النسبي -الحاضر الغائب- الذي يستخدمه لسد ثغرات وعيه.. ذلك أن النسبي والمطلق وحدة واحدة لا تتجزأ.. لا ثمة انفصال في الثنائية كما قد يظن للوهلة الأولى.. تلك الثنائية التي تطفو في كل شيء على أصغر مستوى، وعلى أكبر مستوى هي الوحدة الواحدة التي لا تنفصل أصلا.. هي الكل الذي لا يتجزأ إلى ما هو أصغر وأكبر.. الكل الذي يتنامى ويكبر كوحدة واحدة لانهائية.. الكل المطرد الذي يستحيل إدراكه، بل ويستحيل كل شيء مع إدراكه.

باختصار نحن ظل الوجود الباهت بينما اللانهاية هي مرآة تنظر نفسها في مرآتنا محاولة إخفاء شرخ كبير في قلبها وقلبنا أسمه اللاجدوى، والعقل مجرد طفل سخيف يبصق في وجه السماء، ويضرب الأرض بقدمه، ويبكي صارخا، ولا يرضيه شيء.. الوجود هو أنت الذي جئت لتموت.. والمعرفة هو أن تعرف أن معرفتك بهذا من عدمه غير مؤثرة في ذلك على الأطلاق.. أما القيم فهي محاولة تشبث فاشلة.. القيم بمثابة المطبات التي نضعها لأنفسنا؛ لنخفف من عبث سرعة مرورنا الجنونية من الحياة.. بزوالها ستمضي الرحلة سريعا، ويكأنها لا تمضي، ولم تمضي من الأساس.

الجمعة، 13 يوليو 2018

إشكال التناقض والوعاظ الجدد


إن التناقض بين المظهر والجوهر سمة بشرية تكاد تكون مطلقة. فلو اطلعت على نفوس أرقى الناس من داخلها لوليت منهم فرارا، ولملئت منهم رعبا. وليس هذا لسوء طباع البشر، وتدنيها، وحسب؛ بل نظرا لشناعة كذب الإدعاء الذي يملأ أقوالهم. ستظل مثاليا طالما كنت تتحدث عن أفعال الآخرين، فأذا ما تورطت في مواقفهم كنت أسوأ منهم جميعا.. نعم.. جميعنا مدعون سيئون على قدر تناقضنا بين ما نظهر، وما نبطن. 

الأسوأ من تناقضنا هم هؤلاء الذين ينكرون في نفوسنا مكون التناقض الذي ينبني عليه وعينا، ويحاولون جاهدين تبريره كذبا، وزورا، وبهتانا.. المتوافقون مع تناقضهم دونما محاولة للتبرير هم الأصلح، والأنفع، والأكثر خيرية، وجدوى. 

الداعية معز مسعود ليس بدعا من البشر.. هو مجرد انسان عادي كسائر البشر متورط بين نفسه، وأفكاره، وبين أقواله، وأفعاله.. ربما لو صمت بعد واقعة زواجه من الفنانة الشابة السافرة الحاسرة الرأس، ونأى بجانبه عن الخوض في تبرير أفعاله، لكان خيرا له رغم أن أشك في ذلك نظرا لكونه يقتات أصلا من عمل أعلامي خطابي وعظي هش يحتاج لأن يتمثل صاحبه دور الملاك المثالي المنزه عن كل نقيصة، وتناقض من أجل الحفاظ على جمهور المهللين مهلهلي الفكر. 

أن المثالية ذاتها المبنية على قيم مطلقة ما هي إلا فكرة بدائية طفولية تآكلت مع الوقت نظرا لتراكم الوعي، وارتفاع سقفه الذي جعل من نسبية كل فكرة، ومعنى، وقيمة هي المطلق الوحيد الآن الكفيل باستمرار العيش من الأساس، ولهذا ستجد من يعتلون عرش الإنسانية الآن تعايشا، وتحضرا هي الحضارات العملانية التى لا تقيم للمثالية وزنا، ولا أعتبارا.. بينما من لازالوا يتمسكون بقيم مثالية لا يقومون بمثاليتهم المدعاة تلك إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس مسوخا سلطت عليهم نفوسهم، وأرهقهم إدعائهم، وبددهم تناقضهم بحيث لا يستطيعون لسلام العيش، ولا للتحضر سبيل.

والخلاصة أنه لا يوجد في العالم الآن ثمة مساحة للوعاظ، والخطباء، ومن على شاكليتهم ذلك لأن الإنسان اليوم أصبح يدرك بديهية بسيطة جدا، وهي أنه لن يدرك العالم، ونفسه إلا من خلال معايشته لنفسه وللعالم بتناقضهما، ونقائصهما قبل مثاليتهما، وكمالهما، وفي تجربة ذاتية كتلك لا حاجة لأحد في من يتمثل دور المرشد والدليل خاصة وإن كان هو نفسه متخبطا في نفسه بحيث لا يستطيع أن يدلها أو يرشدها أو أن يرغمها على ما يريد أرغام الناس عليه.

الخميس، 14 ديسمبر 2017

سلطنة عمان ومعلومات تثبت مدى سطحية الترندات الشائعة

صورة لعلم ولة سلطنة عمان

لا يعرف الكثير من المتهكمين الساخرين أرباب الترند أن سلطنة عمان التي يتهكم على سياساتها اللي رايح واللي جاي كانت في مطلع القرن التاسع عشر امبراطورية كبيرة تمتلك أسطولا حربيا وتجاريا ضخما مكنها من بسط نفوذها على بحر العرب وصولا لسواحل شبه القارة الهندية وسواحل ايران بل امتد نفوذها ليصل إلى الساحل الشرقي الافريقي.. وليس هذا فحسب، بل كانت فرنسا وبريطانيا في محاولات جدية لعمل معاهدات واتفاقيات معها لحماية تجارتهم المارة من تلك السواحل، بل وامتد النفوذ العماني مهيمنا على أراضي كثيرة واقعة في شبه الجزيرة مثل الأمارات والبحرين وقطر وأجزاء من اليمن.. بل استطاع العمانين تجاوز حدود قارتهم ليبسطوا نفوذهم على سواحل افريقية مثل زنجبار وكينيا وتنزانيا ومدغشقر وجزر القمر.. بل واستطاعت سلطنة عمان قبل بناء تلك الأمبراطورية الضخمة  من طرد الغزو البرتغالي في القرن السابع عشر من على أراضيها، بل ولازالت هناك اثار لقبور الجنود البرتغاليين على أرضها خير شاهد على ذلك.. 

وخارج هذا السياق التاريخي للسلطنة القديمة.. فعمان اليوم دولة فيها تعايش حقيقي بين كل الطوائف الأسلامية الرئيسية من سنة وشيعة أباضية والذي هو مذهب الحاكم.. هذا فضلا على تعايش هائل بين أعداد كبيرة من العمالة الوافدة من الهنود والبنجلاديش والباكستانين والفلبينين والأنجليز والأمريكان والأوروبيين والمصريين والشوام والمغاربة وغيرهم.. وكل هؤلاء يعيشون على أ رض السلطنة وفقا لقانون بيتم تطبيقه على الجميع بعدالة ونزاهة وشفافية.. 

تبقى سلطنة عمان رغم نظام حكمها السلطاني، ورغم مذهبها الديني الأباضي دولة مدنية حديثة بها دارا للأوبرا وبها مسارح وقاعات للسينما ومنتجعات وحرية وانفتاح وعدم تحرش وعدم عنصرية واحترام للقانون.. بل أزيد عن هذا وأقول أن سلطنة عمان فيها شعب هو أكثر الشعوب العربية احتراما وأدبا وأخلاقا وتحضرا هذا من واقع معيشتي هناك لأكثر من ستة أعوام حيث درست وعملت وعايشت كل حرف أقوله على أرض الواقع..  

تبقى سلطنة سلطنة عمان من وجهة نظري بالنسبة للعالم العربي والشرق الاوسط تماما مثل سويسرا بالنسبة لأوربا والغرب مع الاحتفاظ بالفارق طبعا.. لكن تبقى السلطنة هي أنظف ما رأيت في العالم العربي تماما مثلما تسمع أن سويسرا هي أنظف ما في العالم الغربي.. بل كل الدولتين رغم الفوارق يتبعون نفس سياسة الحياد وعدم التدخل في شئون الآخرين وعدم التورط في المشاكل الدولية والأقليمية.

الجمعة، 20 أكتوبر 2017

رذيلة الفضيلة



لا يوجد مبادئ على الأطلاق، بل ولن توجد مبادئ على الإطلاق -مهما بلغ التحضر- إلا من باب الإدعاء.. فالحضارة في ذاتها ليست أكثر من خدعة نستعلي بها على الحيوانات التي لا تفهم هرائنا، ولا تكترث لتعجرفنا الهش، حيث أنها تعيش الغريزة كما وجدت فيها بهدوء، وتموت في سلام دون كثر لغط أو ضجيج.

نعم كل أصحاب المبادئ من البشر مدعون ومزيفون منذ الأزل، وإلى الأبد.. ففي رأيي لا شيء أفسد الكون أكثر من وضع المبادئ وادعاء المثالية، وزحف البشر الوضيع حبوا في ركابها كونها هي الحقيقة.. أن أقذر رذيلة يرتكبها الإنسان هي إدعائه الفضيلة في حين تمضي الحياة بقوانين أكثر صرامة لا تكترث لمثل هذا الهراء الذي يملؤها بكل هذا الضجيج.

الآن يسقط الليبراليون المدافعون عن الحريات والمبادئ واحد تلو الآخر تماما كما سقط قبلهم من سنوات رجال الدين حماة الأخلاق والفضيلة.. وكأن الشأن العام للبشر نبع آسن لا يورده سوى القذارى المقززين، وهاهو الواقع في تفاصيل مجرياته يثبت ذلك طوال الوقت هنا في الشرق حيث التخلف أو حتى في أقصى بقاع الغرب راعي حمى الحرية والديمقراطية الحديثة المصطنعة.

من بضع سنوات واقعة لشيخ معمم وعضو برلماني عن التيار السلفي المحافظ يمارس فعلا فاضحا على طريق عام، بعده بأسابيع يطل علينا شيخا يخطب الجمعة باكيا متأثرا، ليظهر له بعدها سيلا من الأفلام الأباحية مع نساء متزوجات.. تتنتشر المقاطع هنا وهناك، ثم تتوالى من بعد ذلك مثل تلك الوقائع، بعدما ألتفت إليها الجميع، وأولاها المجتمع اهتماما.

هكذا سقطت العمائم البيضاء الناصعة في وحل الرذائل الدنيوية.. وهكذا أيضا سقطت من عيون الناس.. ومن أجل حفظ ماء وجه ما تبقى من مبادئ الدين والأخلاق تم تبرير مثل تلك الأوضاع على أنها مجرد حالات فردية تخص أصحابها، ولا تمثل الدين الصحيح..حينها صب المجتمع جام غضبه على هؤلاء كونهم اتخذوا الدين والفضائل ستارا للوصول إلى الحكم لتحقيق مصالحهم الدنيوية القميئة، وغرائزهم الشيطانية الوقحة، ليتم اسقاط التيار الأسلامي كله من سدة الحكم بعد أن كان قد وصل إليها بالكاد. 

والآن ينقلب الوضع على الليبراليين والنخبة المثقفة.. منذ عدة أيام فيمنست شهيرة من أولئك الداعمين لفكرة -الاسترونج اندبندنت وومن- تتسول على الملأ وتجمع التبرعات من أجل نفقاتها الشخصية، وبعدها مثقف ومتحرر يتضح بأنه متحرش مدعي جبان.. بعدها يتهافت المثقفون الأفتراضيون واحدا تلوا الآخر هلعا على صفحاتهم لتبرئة ساحاتهم من تهم التحرش.. ولتبرئة ما تبقى من مبادئ الحرية تخرج الفيمنست المتسولة ببيان توضيحي توسلي يستجدي شفقة المتابعين شارحة فيه صعوبة الظروف، وقصر ذات اليد..  ويخرج المتحرش الجليل باعتذار مقيت يتصارع على آثره آخرون دفاعا وهجوما كون هذا الشخص المتحرر المتنور لا يمثل حقيقة الحرية النبيلة، ولا كنه الليبرالية السمحة، ولا روح الثقافة الناضجة، وأن قلة مندسة مدعية كاذبة قد تستخدم تلك الأمور ستارا للوصول إلى غرف النوم أو للشحاتة.. وأن الخطأ على كل حال وارد، ويترك الجميع أصل الفكرة، ويهرعون إلى الأختلاف حول قيمة الأعتذار وجدواه.. وتفاصيل البيان الآخر ومنطقية وصدق ظروفه.

وها هي الحقيقة في رأيي تتضح جلية -ما بين طرفي النقيض في المجتمع يمينا ويسارا.. حفاظا وتحررا- وهي أنه لا توجد مبادئ.. لا يوجد شيء أصلا سوى افتضاح حقيقة النفس الإنسانية بمرور الوقت أكثر وأكثر.. تلك النفس التي تجيد الحديث عن المبادئ -أيا كانت سواء كانت أصولية رجعية أو تحررية تنويرية أو حتى فلسفية منطقية مجردة- فقط لتصل الى مصالحها، وتلبي حاجة غرائزها، وتجمل بشاعة طباعها الأنانية الفجة.

نعم الكل يتحدث عن المبدأ، وهو في قرارة نفسه يتمنى لو كان بوسعه أن يكسره، بل هو في كل الأحوال سرا يكسره.. فها نحن البشر منذ القدم نضع القوانين لنتحايل عليها.. نجتمع على قيمة الفضائل؛ لنبقي للرذيلة وهجها وجمالها بالتجريم، ونزكي قيمتها بالمنع وعدم الإتاحة.. نعم نحن الممعنون في تناقضنا المهوسون بأنفسنا المستغرقون في تحسين صورة الحياة، ونحن أقبح وأقذر ما فيها.. لم نرتضي بحيوانيتنا فلم ترتضينا؛ لنصبح في النهاية مسوخا تضيق بنا أنفسنا، ونضيق بها في وجود لا يستحق عناء المعرفة لاستحالتها وعدم أهميتها.. وتبقى قذارة النفس البشرية وتناقضها التي ابتدعنها بوعينا نبراسا في كل مكان وزمان للهراء والإدعاء واللاطائل واللافائدة واللاجدوى في خضم وجود هو رذيلة العدم الكبرى التي لا يستطيع أن يمحوها بكل فضائله التي لا يعلمها هو نفسه.

السبت، 16 سبتمبر 2017

خوارزمية الجنون


عمر الكون يساوي تقريبا ٧٠ ألف ضعف عمر البشرية على الأرض، ويساوي أيضا حوالي ٢٠٠ مليون ضعف لأعلى متوسط عمر بلغه الإنسان في خضم كل هذا التقدم العلمي والطبي الحالي.  إذا ما كانت تلك للأرقام حقيقة خلاصة ما اكتشفنا بوعينا، وبرغم هذا لا نفهمها، ولا نشعر بها على حقيقتها نظرا لضخامة تصورها على إدراكنا.. فما بالك بالوضع معكوسا كيف يرانا الكون داخله على هذا النحو من الضآلة التي تؤول للا شيء تقريبا؟؟ هذا على فرض صحة الأرقام من الأساس. 

أعتقد أنه من جهة الكون الأمر أشبه أنك تضيع مثلا نصف دقيقة خلال خمس سنوات للتفكير في تفاهة لانهائية التفاصيل، ليست ذات معنى أو شأن.. تماما محض لحظة عابرة تمر عليك تشتت تركيزك دون جدوى؛ لتسهو عنها فتنساها، لتبدأ شيء جديد. أما من جهتنا ليس بوسعنا إلا أن نبالغ في الاحتفاء بالعلم؛ لنواري سوءة جهلنا بالحقيقة رغم كونه ليس أكثر من آلية رصد حسية ظاهرية، ومجرد محاولة عقلية منهجية قاصرة للتفسير.. لكنه يعد مع ذلك آلية هروب جيدة نسبيا من مرارات الخواء واللا معنى. 

الاشكال من وجهة نظري يكمن في كون الإنسان يرى الأمور من جهته فقط، ولا شيء في الكون يراجعه في تلك النظرة.. ربما لا يراجعه أحد لسفاهته، وقلة شأنه، وغباء تصوره.. وربما يكون لا شيء أصلا يكترث، والإنسان هو من يتعب نفسه دون جدوى.

بناءا على ما تقدم وعلى مستوى وجودي مجاوزا للكون والإنسان.. لا يمكن اعتبار الوجود حدثا مدهشا حيث أن ذلك مجرد افتراض يدحض نفسه، ذلك لأننا ببساطة في خضم الوجود لا يمكننا اختبار العدم الذي ربما يكون مدهشا بطريقة أكبر وأعظم.. بمثل تلك الفكرة يمكن دحض كل ادعاءات الدقة والنظام والأبداع في الكون، بل وكل تلك الصفات العظيمة التي نلصقها به حيث لا يمكننا تصور أي شيء خارج عن وجودنا فيه.

فالوجود بشكل عقلي مجرد يطفو على سطح بحر هائج من الأضداد بطريقة مريبة نرى فيها جواهر الأشياء مبعثرة جدا، بحيث لا يمكن ترتيبها إلا إذا أنتظمت في خيط عقل كادح يتهيب أصلا من حقيقة إنفراط عقده عبثا.

وكنتيجة لذلك لا يمكننا غير الاستسلام لفكرة أن الحياة ليس بوسعها أن تكون أفضل نظرا لوجودنا، وليس بوسعنا أن نكون بحال أفضل من ذلك نظرا للحياة.. جدلية تتغذى من نقيضيها.. نظام معزول ومحكم.. آلي الحركة.. ذاتي التأثير والتأثر.. ثابت السوء.. يتمادى في الحفاظ على نفسه.. الحياة محنتنا الأولى، وفي نفس الوقت هي عزاؤنا الوحيد في تلك المصيبة.. نحن أبنائها العاقين الذي تبقي عليهم حبا فيهم تحت وطئة الأمومة، وعقابا لهم بداعي العقوق.. خلل جذري ضارب في عمق كل الماهيات نظرا لاستقرارها رغم تضاربها.. ونظرا لتضاربها المؤدي لاستقرارها.. خوارزمية جنون معقدة تستعصي على الجنون فضلا على العقل.

الثلاثاء، 8 أغسطس 2017

المعلوماتية والبرجماتية وحتمية الانكباب على الذات

في خضم هذا الزخم المعلوماتي العملاني التكنولوجي المادي المحموم هل في وسع الإنسان العادي شيء سوى الإنكباب بذاته على ذاته؛ ليلبى متطلباتها المادية النهمة بعملانية نفعية بحتة متناسيا عمق وجوده، والبحث عن مغزاه، بل ومتجاهلا تطوير مسلك وعيه، وتأصيل فلسفته في الحياة؟؟ هل بوسع شخص عادي أن يلم بكل تلك المعلومات والأخبار والمآسي أصلا وهو يدور كثور معصوب العينين في ساقية تسليع كل شيء، وتقنين الحياة في ذهنه كمصلحة، وتأطيره كمجرد مستهلك؟؟ هل بوسع أي عقل أن يفند كل هذا القدر الهائل من التراكم والتضارب بين نفسه وبقية البشر، وبين البشر والعالم، وبين العالم كوجود والعالم كماهية، وهو يدرك تدني قيمته من الأساس في خضم تلك الفوضى الحادثة؟؟ هل بوسع أي قلب أن يتعاطف أو يحب أو يتحمس أو يدعم أي فكرة مجردة لذاتها دون أن تثنيه مصلحته، أو انشغاله، أو حتى لا مبالاته وعدم قدرته؛ نظرا لاستشراء نسبية كل شيء وفقا للعلم والحاجة؟


أعتقد أن الانانية هنا، وتضييق دائرة المصلحة والمنفعة والتي يتقلص معاها أيضا ما تبقى من دائرة منظومة القيم والمبادئ المثالية القديمة أمر يفرضه الواقع لا خيار للناس فيه، لكن تكمن الخطورة من وجهة نظري في امرين..

أولهما:- التناقض الحالي
حيث كم يستطيع أن يصمد الإنسان بين مثالية الماضي التي لازال يدعيها؛ لتحفظ للحياة ماء وجهها كفضيلة، بينما مادية الواقع تتفاقم في تسارع محموم؛ لتنتزعنا مرغمين من رحابة المعاني الفضفاضة للحياة؛ لتوردنا مقهورين محدودية الحسابات الدقيقة المجردة وضيقها، وكأن الوجود يعمل كآلة بلا أدنى هدف؟؟ هل يستطيع الإنسان أن يحتمل تناقضا كهذا تهرول فيه نفسه إلى كهف الماضي المثالي خوفا من انصهارها وانحلالها، بينما جسده يندفع كسهم في عالم المستقبل المتسارع ماديا ورقميا ليضمن لنفسه مكانا تحت مظلة العلم بينما يظل واقعه ديستوبيا غرائبية مريرة إلى ما لانهاية؟؟

ثانيهما:- التمادي المستقبلي
حيث ماذا يبقى للإنسان من قيمته الأخلاقية أصلا حين يصبح أناني نفعي مادي عملاني أجوف مفرغ من أي معنى بتلك الدرجة من السوء الذي يتمادى؟؟ وهل بهذا التدافع نحن بصدد تشكل إنسان جديد تماما بمعايير قيمية وأخلاقية جديدة؟؟ وإذا كانت فلسفتنا المثالية الطفولية اللطيفة البريئة أوصلتنا إلى هذه النقطة السوداء، فإلى ماذا سوف تصل بنا تلك المنظومة القادمة عند اكتمالها ورسوخها في العالم وفي نفوس البشر؟؟ هل ينتظرنا فعلا ما هو أكثر رفاهية، ولكن أكثر مللا وضجرا واكتئابا وجحيمية؟؟ هل سيكون انقراضنا بإيدينا حيث ينتظرنا في النهايه انتحار جماعي عظيم نستخدم فيه منتهى ما وصلنا إليه من تكنولوجيا لننهي هذا الأمر؟؟

الأحد، 30 يوليو 2017

عن نشأة اللغة، وفجائيتها عند نعوم تشومسكي..

صورة للفيلسوف نعوم تشومسكي

مقدمة:
عندما سئل الفيلسوف الأمريكي نعوم تشومسكي عالم اللسانيات المشهور، كيف نشأت اللغة؟
أجاب باختصار أن طفرةً جينية ما حصلت عند إنسان سماه بروميثيوس Prometheus قبل حوالي 100,000 سنة كانت السبب الذي ظهرت به اللغة فجأةً.. ولا شك أن كلمة "فجأة" لا يمكن فهمها بسهولة احتكاما لفكرة التطور والطفرات التي هي قائمة أصلا على مبدأ التراكم.. نعم الطفرات تظهر فجأة.. ولكن كيف نطق الإنسان الأول أول مرة، وكيف فهمه إنسان آخر أيضا فجأة.. وكمحاولة لفهم هذا التصور اعتقد أنه علينا الاحتكام إلى آلية داخلية تعمل داخل الإنسان إلا وهي المشاعر.. وهذه الكلمات التي سوف تقرأها هي محاولة متواضعة مني لفهم هذا الفجائية من باب أن المشاعر الإنسانية تطورت في الإنسان قبل ظهور اللغة.

لا شك أن أي مصادفة مهما كانت درجة استحالتها تظل أحتمالا يقيني الحدوث في حال لانهائية الاحتمالات، ولانهائية المقياس الذي يتم به حساب عدد المحاولات. وطالما ظل هذا المقياس مفتوحا بشكل لا نهائي، فإن تراكم نتاجاته، وتعقيد مخرجاته يقلل بطريقة ذاتية من احتمالية إيقافه.

بشيء مما سبق أعتقد أنه يمكن إثبات وجود مستحيل كالعدم نظريا، وتبرير وتفسير الوجود كنتيجة تفاعلية له، بل واعتبار الوعي كحتمية وجودية لهذا التراكم. باعتبار أنه مع كل احتمال يحدث تزيد فرصة هذا التغيير المطرد وتصارعه وتسارعه وتطوره وتعقيده.

لكن رغم كل هذا تبقى اللغة الناجمة عن الوعي صعبة التصور والتفسير أكثر من الوعي ذاته، حيث أنه لولا ظهورها من الوعي لتدنى الوعي، بل وتبدد بمرور الوقت. فكيف إذن طور الوعي مصادفة هذه الأداة التي تحفظه من التراجع والتدني؟؟

وفي محاولة للإجابة.. أعتقد أنه لا يمكن تفسير ظهور اللغة بمعزل عن المشاعر.. أو بالأحرى وعي الإنسان بالخوف، حيث أن الخوف كماهية إدراكية بدائية تجتمع فيه عموم المشاعر البدائية للإنسان من حيرة ودهشة وألم.. وكي أكون أكثر تحديدا لم يكن الخوف ذاته هو الدافع الأصلي للكلام، بل كان شعورا مركبا أكثر تعقيدا نجم عنه ألا وهو "الحزن".

إن الحزن كسمة خاصة جدا وفريدة ومتطورة للأنسان دون غيره من الكائنات هو ما أنطق الأشياء في وعيه؛ لينطق بها دفعة واحدة كطفرة لم يسبقها الكثير من التفاصيل والتغييرات. فرسوخ الحزن كمعنى أصيل في نفس الإنسان -حتى وإن لم يعي عمق فلسفته حينها- كان هو النقطة التى أبتدأ منها ضجيجه بالكلام كسلوان وعزاء.. ومنه تطور وعيه متسارعا وصولا للتدوين، ومنه لما نحن عليه الآن من تراكم المعارف.

نعم تبدو مآلات الأشياء أكثر تعقيدا من كونها وليدة الاحتمال والتراكم.. ولكن بتتبع دؤوب صبور للعدد اللانهائي للاحتمالات ولانهائية مقياس عدد المحاولات حيث أزلية الوقت والمكان.. يمكن فك التشابك، وبناء تصور طبقا لمنهجية العقل في حدود قدرته وإمكاناته وسقفه.. وتبقى مثل هذه التصورات هي أفضل محاولات التفسير الممكنة رغم قصورها وعدم تماسكها، ولكن مع الأسف لا سبيل سواها.

فيوضات العبث