‏إظهار الرسائل ذات التسميات تاريخ. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تاريخ. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 1 مايو 2020

القيم هي منتج الحضارة الأهم


صورة للمطرب أحمد عبدالقادر والفانوس مع جدارية 
طرد الهكسوس من مصر على يد القائد أحمس

مصر تلك البلد التي لاح فيها فجر الضمير فبزغت منها شمس الحضارة إلى العالم، فهوت إليها الحضارات والثقافات من كل حدب وصوب؛ ليتشكل فيها أرث ضخم عتيق من تداخل أطياف الحضارة والثقافة الإنسانية على اختلاف مشاربها. وعلى الرغم من كل تلك الرحلة الطويلة لازالت آثار هذا الأرث الضخم تلمع بين حين وآخر في ملامح الشخصية المصرية الطاعنة في القدم رغم ما لاقت من قسوة المستعمرين، وفساد ولاة الأمر على مر العصور والحقب.

أن تكون مصري لهو عبء ثقيل وشعور مربك للغاية، حيث ستحمل على كتفيك عبء تاريخ طويل يصعب عليك التعاطي معه، فضلا عن الإلمام به خاصة في هذا الزمن الذي وصلت فيه مصر إلى القاع، ولازالت تواصل السقوط تحت وطئة الجهل والفساد والظلم والفقر والقهر.. ولكن يبقى للذهب بريقه ولمعانه مهما طالته الأدناس، وتقادم عهده. فالشخصية المصرية والتي هي من وجهة نظري تعد خلاطا ثقافيا بامتياز، حيث لها القدرة على أن تمزج كل أبعاد الشخصية الإنسانية على تبايناتها على مر عصورها في خليط واحد في قمة التجانس والروعة وبمنتهى البساطة من خلال الوجدان الشعبي البسيط، بل تستطيع بما يستدعيه هذا الوجدان أن تؤرخ بكل يسر وسهولة لعبقرية الأرث والأثر متجاوزة حدود الزمن.

فهل لأحد أن يتخيل أن هناك ثمة رابط بين أحمس طارد الهكسوس، والشيعة الفاطمية، ومطرب وملحن من أربعينيات القرن الماضي لم ينل كثير شهرة أو ذيوع صيت هو (أحمد عبدالقادر)؟؟ 

في الحقيقة لا يستطيع عاقل أيا كان أن يجد ذلك الرابط دون فهم عميق لعبقرية الوجدان الشعبي للمصريين، والذي يعد كما قلت آنفا خلاطا ثقافيا بامتياز يستطيع أن يمزج بين الشرق والغرب والماضي والحاضر ليخرج لنا مزيجا عبقريا يصعب فك شفرته للوهلة الأولى.
 فأغنية مثل -وحوي يا وحوي إياحة- والتي لحنها وغناها للأطفال المطرب والملحن أحمد عبدالقادر لتكن هي النشيد الرسمي للعب بالفانوس، والذي هو الشعار الشعبي الأكثر شهرة لشهر رمضان الكريم، والذي ظهر في مصر لأول مرة في عصر حكم الدولة الفاطمية الشيعية التي أولت اهتماما بالغا للاحتفالات الدينية في محاولة منها لتشييع مصر السنية لهي خير دليل على ما تقدم من هذا المزج العبقري للمنتجات الحضارية على اختلاف منابعها وعصورها.. فعند البحث عن معنى -وحوي يا وحوي إياحة- تكتمل الصورة تماما حيث تلك كلمات احتفالية باللغة المصرية القديمة -الهيروغلفية- غناها المصريون أنفسهم قبل نحو ما يزيد عن أربعة وعشرين قرنا من ظهور الفاطميين في مصر للملكة (إياح حتب) أم الملك المصري الشاب إنذاك (أحمس) احتفالا بها وبأبنها لطرده الهكسوس من مصر.. هكذا صمدت تلك العبارة والتي تعني -أفرحي يا إياح- أكثر من أربعة وعشرين قرنا من الزمان في الوجدان الشعبي للمصريين ليتم استدعائها، وتظهر كواحدة من أشهر أغاني الاحتفال بشهر رمضان الكريم والتي يتغنى بها الصغار والكبار.

هذه الحكاية والتي تعبر بجدارة عن طريقة معالجة واستدعاء وتعاطي الوجدان الشعبي البسيط للمصريين للتاريخ والحضارة فيها من الدلالة والعمق ما يجعلها من وجهة نظري أكثر فخارا وعظمة من الأهرامات أو معبد الكرنك.. ذلك أن المصريين على بساطتهم وضيق أحوالهم وفقرهم وانتكاساتهم في هذه العصور المتأخرة لازال يلمع فيهم بريق هذا الأرث الطويل المتراكم من حضارة أجدادهم. فالحضارة في مضمونها وعمقها ليست في عظمة الأهرامات ولا في روعة بنيان المعابد التي تقف في أمكانها متحدية الزمن، بل في القيم الحقيقة للإنسان كما يشرح جميس هنري برستيد في كتابه الشهير فجر الضمير. إن الوفاء الإنساني للأسلاف الأوائل، والتقدير لحربهم الشريفة لدفع العدوان، وتخليد ذكرى انتصارهم لاسترداد أرضهم وحقوقهم المغتصبة لهو التحضر الفعلي كما أفهمه من خلال نظرة مؤرخ كبرستيد لمفهوم الحضارة والقيم، ففيه بقاء قيم الأجداد التي بها بُنيت الحضارة، وبها نفسها لا غيرها ستبنى كل حضارة على مر التاريخ.. حيث الإنسان بقيمه دائما وأبدا سابقا عن البنيان مهما جل أو عظم.

للاستماع إلى أغنية وحوي يا وحوي أضغط هنا

الاثنين، 22 أبريل 2019

الظلم قضية إنسانية أزلية

صورة للكاتب المصري القديم

إن هذا الكلام الذي سوف تقرأه، والذي يصف حال البلد اليوم بدقة بالغة بليغة تسترعي الانتباه كتبه أحد كبار كهنة عين شمس في عصر الدولة الوسطى للمصريين القدماء، هذا العظيم والذي كان يدعي "خع خبر رع سنب" يؤكد أن أمثالنا من المتألمين الساخطين على حال الظلم والقهر الذي نعيش فيه كانوا يسعون على هذه الأرض منذ ما يقارب ٤٠٠٠ عام.. وكأن قضية هذه الأرض منذ قديم الأزل هي الظلم والتهميش والمهانة والخنوع والشر والجهل.. بل هي قضية الإنسان الأولى منذ البدء.

يقول خع خبر رع سنب في وثيقته والتي موجودة في المتحف البريطاني:-
"ليتني كنت أعرف صيغا للكلام لا يعلمها أحد، وأمثالا غير معروفة لم تذكر بعد، لا ذلك الكلام الذي جرت به الألسن من زمن بعيد مما تكلم به الأجداد.. إني أقول ذلك بحسب ما رأيت، مبتدئا بأقدم الناس حتى يصل إلى أولئك الذين سيأتون بعد.. إن العدالة قد نبذت، وأخذ الظلم مكانه في وسط قاعة المجلس، وخطط الألهة قد انتهكت وأهمل نظامها، والبلد صارت في هم، والحزن عم كل مكان حيث المدن والأقاليم في عويل، وكل الناس صاروا على السواء يرزحون تحت عبء الظلم والمهانة. أما الأحترام فإن أجله قد انتهى..

إن المصائب تقع اليوم، ومصائب الغد لم تأت بعد، وكل الناس لاهون عن ذلك رغم إن البلاد من حولهم في اضطراب عظيم، وليس إنسان خاليا من الشر، فإن جميع الناس على السواء يأتونه، فالآمر والمأمور سواسية، وقلب كل منهما راض بما حصل، وهم يستيقظون على شرورهم في كل صباح فلا ينبذه قلب، ولا يزالوان اليوم على ما فعلوه بالأمس، فلا يوجد إنسان عاقل يدرك، ولا إنسان يدفعه الغضب إلى الكلام. الناس تستيقظ كل صباح على ألم.. والفقير ليس له حول ولا قوة لينجو ممن هو أشد بأسا منه.. كم هو مؤلم إن يسكت الناس عن كل تلك الأشياء.. كم هو مؤلم أن تتجاوب مع الرجل الجاهل".

الخميس، 14 ديسمبر 2017

سلطنة عمان ومعلومات تثبت مدى سطحية الترندات الشائعة

صورة لعلم ولة سلطنة عمان

لا يعرف الكثير من المتهكمين الساخرين أرباب الترند أن سلطنة عمان التي يتهكم على سياساتها اللي رايح واللي جاي كانت في مطلع القرن التاسع عشر امبراطورية كبيرة تمتلك أسطولا حربيا وتجاريا ضخما مكنها من بسط نفوذها على بحر العرب وصولا لسواحل شبه القارة الهندية وسواحل ايران بل امتد نفوذها ليصل إلى الساحل الشرقي الافريقي.. وليس هذا فحسب، بل كانت فرنسا وبريطانيا في محاولات جدية لعمل معاهدات واتفاقيات معها لحماية تجارتهم المارة من تلك السواحل، بل وامتد النفوذ العماني مهيمنا على أراضي كثيرة واقعة في شبه الجزيرة مثل الأمارات والبحرين وقطر وأجزاء من اليمن.. بل استطاع العمانين تجاوز حدود قارتهم ليبسطوا نفوذهم على سواحل افريقية مثل زنجبار وكينيا وتنزانيا ومدغشقر وجزر القمر.. بل واستطاعت سلطنة عمان قبل بناء تلك الأمبراطورية الضخمة  من طرد الغزو البرتغالي في القرن السابع عشر من على أراضيها، بل ولازالت هناك اثار لقبور الجنود البرتغاليين على أرضها خير شاهد على ذلك.. 

وخارج هذا السياق التاريخي للسلطنة القديمة.. فعمان اليوم دولة فيها تعايش حقيقي بين كل الطوائف الأسلامية الرئيسية من سنة وشيعة أباضية والذي هو مذهب الحاكم.. هذا فضلا على تعايش هائل بين أعداد كبيرة من العمالة الوافدة من الهنود والبنجلاديش والباكستانين والفلبينين والأنجليز والأمريكان والأوروبيين والمصريين والشوام والمغاربة وغيرهم.. وكل هؤلاء يعيشون على أ رض السلطنة وفقا لقانون بيتم تطبيقه على الجميع بعدالة ونزاهة وشفافية.. 

تبقى سلطنة عمان رغم نظام حكمها السلطاني، ورغم مذهبها الديني الأباضي دولة مدنية حديثة بها دارا للأوبرا وبها مسارح وقاعات للسينما ومنتجعات وحرية وانفتاح وعدم تحرش وعدم عنصرية واحترام للقانون.. بل أزيد عن هذا وأقول أن سلطنة عمان فيها شعب هو أكثر الشعوب العربية احتراما وأدبا وأخلاقا وتحضرا هذا من واقع معيشتي هناك لأكثر من ستة أعوام حيث درست وعملت وعايشت كل حرف أقوله على أرض الواقع..  

تبقى سلطنة سلطنة عمان من وجهة نظري بالنسبة للعالم العربي والشرق الاوسط تماما مثل سويسرا بالنسبة لأوربا والغرب مع الاحتفاظ بالفارق طبعا.. لكن تبقى السلطنة هي أنظف ما رأيت في العالم العربي تماما مثلما تسمع أن سويسرا هي أنظف ما في العالم الغربي.. بل كل الدولتين رغم الفوارق يتبعون نفس سياسة الحياد وعدم التدخل في شئون الآخرين وعدم التورط في المشاكل الدولية والأقليمية.

الأحد، 30 يوليو 2017

عن نشأة اللغة، وفجائيتها عند نعوم تشومسكي..

صورة للفيلسوف نعوم تشومسكي

مقدمة:
عندما سئل الفيلسوف الأمريكي نعوم تشومسكي عالم اللسانيات المشهور، كيف نشأت اللغة؟
أجاب باختصار أن طفرةً جينية ما حصلت عند إنسان سماه بروميثيوس Prometheus قبل حوالي 100,000 سنة كانت السبب الذي ظهرت به اللغة فجأةً.. ولا شك أن كلمة "فجأة" لا يمكن فهمها بسهولة احتكاما لفكرة التطور والطفرات التي هي قائمة أصلا على مبدأ التراكم.. نعم الطفرات تظهر فجأة.. ولكن كيف نطق الإنسان الأول أول مرة، وكيف فهمه إنسان آخر أيضا فجأة.. وكمحاولة لفهم هذا التصور اعتقد أنه علينا الاحتكام إلى آلية داخلية تعمل داخل الإنسان إلا وهي المشاعر.. وهذه الكلمات التي سوف تقرأها هي محاولة متواضعة مني لفهم هذا الفجائية من باب أن المشاعر الإنسانية تطورت في الإنسان قبل ظهور اللغة.

لا شك أن أي مصادفة مهما كانت درجة استحالتها تظل أحتمالا يقيني الحدوث في حال لانهائية الاحتمالات، ولانهائية المقياس الذي يتم به حساب عدد المحاولات. وطالما ظل هذا المقياس مفتوحا بشكل لا نهائي، فإن تراكم نتاجاته، وتعقيد مخرجاته يقلل بطريقة ذاتية من احتمالية إيقافه.

بشيء مما سبق أعتقد أنه يمكن إثبات وجود مستحيل كالعدم نظريا، وتبرير وتفسير الوجود كنتيجة تفاعلية له، بل واعتبار الوعي كحتمية وجودية لهذا التراكم. باعتبار أنه مع كل احتمال يحدث تزيد فرصة هذا التغيير المطرد وتصارعه وتسارعه وتطوره وتعقيده.

لكن رغم كل هذا تبقى اللغة الناجمة عن الوعي صعبة التصور والتفسير أكثر من الوعي ذاته، حيث أنه لولا ظهورها من الوعي لتدنى الوعي، بل وتبدد بمرور الوقت. فكيف إذن طور الوعي مصادفة هذه الأداة التي تحفظه من التراجع والتدني؟؟

وفي محاولة للإجابة.. أعتقد أنه لا يمكن تفسير ظهور اللغة بمعزل عن المشاعر.. أو بالأحرى وعي الإنسان بالخوف، حيث أن الخوف كماهية إدراكية بدائية تجتمع فيه عموم المشاعر البدائية للإنسان من حيرة ودهشة وألم.. وكي أكون أكثر تحديدا لم يكن الخوف ذاته هو الدافع الأصلي للكلام، بل كان شعورا مركبا أكثر تعقيدا نجم عنه ألا وهو "الحزن".

إن الحزن كسمة خاصة جدا وفريدة ومتطورة للأنسان دون غيره من الكائنات هو ما أنطق الأشياء في وعيه؛ لينطق بها دفعة واحدة كطفرة لم يسبقها الكثير من التفاصيل والتغييرات. فرسوخ الحزن كمعنى أصيل في نفس الإنسان -حتى وإن لم يعي عمق فلسفته حينها- كان هو النقطة التى أبتدأ منها ضجيجه بالكلام كسلوان وعزاء.. ومنه تطور وعيه متسارعا وصولا للتدوين، ومنه لما نحن عليه الآن من تراكم المعارف.

نعم تبدو مآلات الأشياء أكثر تعقيدا من كونها وليدة الاحتمال والتراكم.. ولكن بتتبع دؤوب صبور للعدد اللانهائي للاحتمالات ولانهائية مقياس عدد المحاولات حيث أزلية الوقت والمكان.. يمكن فك التشابك، وبناء تصور طبقا لمنهجية العقل في حدود قدرته وإمكاناته وسقفه.. وتبقى مثل هذه التصورات هي أفضل محاولات التفسير الممكنة رغم قصورها وعدم تماسكها، ولكن مع الأسف لا سبيل سواها.

فيوضات العبث