‏إظهار الرسائل ذات التسميات فلسفة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فلسفة. إظهار كافة الرسائل

السبت، 3 يناير 2026

السُلطة كإداة ضبط للوجود

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي

الإنسان محكوم بالحرية داخل وجود تحكم وثاقه القوانين من كل جوانبه، حيث حرية الاختيار تسوسه؛ ليصبح إداة من أدوات إنفاذ القانون. ما نسمّيه حرية ليس إلا هامش حركة ضئيل داخل شبكة كثيفة متغلغلة من القوانين، وما نسمّيه وعيًا ليس نورًا كاشفًا، بل آلية ضبط تجعل الإنسان مرغما على أن يحافظ على هذا النظام مهما تطرفت محاولاته الجادة لهدمه. تلك السلطة ليست طارئة على الوجود، بل هي شكله العميق، وسقفه الذي لا يمكن تجاوزه، وهي لا تُمارَس بالقهر فحسب، بل بالإقناع حينا، وبالتطبيع حينا آخر، وبجعل السيطرة تبدو زيفا لجموع المذعنين كاختيار ذاتي.

فالسلطة ليست يدًا تضرب ولا صوتًا يأمر، بل بنية صامتة تعمل من قبل الاختيار والقرار. ماهية راسخة تجعل الأجساد قابلة للتنظيم، والرغبات قابلة للتوجيه، والمعانى قابلة للتكون. ليست السلطة شيئًا يُضاف إلى الوجود، بل هي طريقة اشتغاله بالأساس. فكما تخضع المادة لقوانين تحفظ تماسكها يخضع كل ما هو وراء المادة إلى قوانين مشابهة، ولكن بطرق سلطوية أخرى طافحة بالقوانين أيضا.. حيث الإنسان في الحالتين رهين منظومات وعيه التي تضبط حركته بقوانينها دون أن يشعر بذلك أو يتدخل فيه. حيث كل نظام يحتاج إلى انتظام، وكل انتظام يحتاج إلى قوة تحفظه، وهذه القوة لا تحتاج أن تُرى كي تعمل فقط قوانينها تبسط نفوذها دون أثر يذكر.

فالوعي ليس خلاصًا كما قد يتصور، بل عبء من نوع خاص. إنه يجعل الإنسان مسؤولًا عن اختيارات لم يصنع شروطها،بل ويحمّله ذنب الفشل داخل لعبة لم يختر قواعدها. أن تكون واعيًا يعني أن ترى القيد، لكن دون ثمة قدرة على كسره.. أن تدرك النظام، لكن دون حق امتلاك موقع خارجه.
إن الوعي لا يمنح السيطرة والسلطة كما يوهم أصحابه، بل يخلق غرور وهمهما في النفوس فحسب، يجعل الإنسان يعتقد أنه فاعل، بينما هو في الحقيقة يُدير ما سُمِح له بإدارته على نحو يضمن بقاء النظام الذي أوجد داخله.

حتى الخيال لا يحرر الإنسان من الواقع، بل يؤطر الواقع ليعلّم الإنسان ببساطة كيف يعيش داخله. إنه لا يفتح الأفق، إنه فقط يرسم حدوده القصوى التى تسمح باستدامة النظام. فما يمكن تخيّله هو ما يسمح النظام بمروره، وما لا يمكن تخيّله ينعدم قبل أن يولد. الخيال لا يثور، بل يُهذّب التمرد ويحوّله إلى صورة مقبولة تخطب ود صاحبها، لكن دون إن تنتهك القوانين التي تم إرسائها مسبقا بالوجود. حيث أن الخيال تكمن قوته ببساطة في المسافة: إن اقترب كثيرًا من الواقع، تحطم على صخرته واندثر، وإن ابتعد كثيرًا، تلاشى وأصبح عديم المعنى والأثر.. هو جهاز ضبط ناعم، لا يفرض، بل يقترح، ولا يمنع، بل يستبعد ويجمح ويحجم.

وحتى الرغبة على عنفوانها ليست نقيض السلطة، بل حليفها الأعمق. ما يُشتهى ليس ما هو ممكن فحسب، بل ما هو مُجاز بالأساس. حتى من يسعى إلى السيطرة ويطمح في السلطة كونها سيدة النظام، وكلمة سره، وكود شفرته لا يخرج من النظام، بل يغوص فيه أعمق. حيث إن الرغبة في السلطة تجعل صاحبها أسيرا لها مهما بلغ نفوذه، وتراكمت سطوته. هنا لا تستعبد السلطة الإنسان رغم رغبته، بل بسببها. حتى اللذة ليست انفلاتًا جامحا، بل استجابة ناجحة لشروط محددة سلفا، حيث كل ما يبدو ساميًا أو منحطا هو نتيجة عمل بارد لأنظمة غير مرئية لا يمكن تفسيرها إلا برصد قوانين لا تكترث  أصلا للسمو أو للانحطاط.

المعرفة حتى ليست أكثر من نتيجة مباشرة للسلطة كونها في أحسن احوالها ليست أكثر من آلية لفهم القوانين التي تُسير الظواهر. ومن هنا تتحول إلى شكل من أشكال السلطة كإطار يحدد أبعاد التفكير الممكن وطريقة للتسليم والإذعان المباشر . المعنى لا يولد من الحرية، بل من التنظيم.. والجمال لا ينبثق من الفوضى، بل من التناسق المفروض.

الإنسان لا يعيش داخل السلطة، بل بها.. لا يفكر خارجها، ولا يرغب دون أن تمر رغبته تلك عبرها، ومن سبلها. الوعي لا يكشف الحقيقة، بل يضمن العيش داخلها ويجعل الخروج مستحيلا. والخيال لا يفتح باب النجاة، بل يغلق القفص برتاج ذهبي مزيف. 
ليست المأساة أن الإنسان مُقيّد، بل أن القيود تعمل من داخله ،وأن أكثر ما يعتز به من وعيه، خياله، رغبته، معرفته، أو حتى غرور نفوذه وسيطرته بالضبط  هو ما يضمن استمرار هيمنة سلطة النظام الشاملة عليه.

السبت، 25 يوليو 2020

السببية حجة عقلية أم حماقة بدائية


لست في حاجة لتذهب إلى ما ذهب إليه السفسطائيون من فكرة استحالة المعرفة، وعدم امكانيتها على الأطلاق؛ كي تدرك تهافت المعرفة الإنسانية برمتها. ذلك أن تسليمك بإمكانية المعرفة لن يفضي بك إلا لاستحالتها وتهافتها وتداعيها على نفسها من الداخل، بل ومن نفس سبل وطرق إثباتها. ولعل موضوعا فلسفيا عتيقا وعميقا كالسببية (العلية) بما فيها من استقراء ينبني عليه العلم التجريبي يفي بالغرض لنستوضح من ذلك أكثر.

لطالما ظل العقل الإنساني يعول كثيرا وطويلا على مبدأ السببية كونه واحد من أهم المبادئ العقلية الحتمية المجردة، والأدوات المنطقية الدقيقة الضرورية لفهم العالم والإنسان، بل وفهم ما ورائهما أيضا. لكن ظهور الفيلسوف الشكوكي التجريبي الاسكتلندي ديفيد هيوم في القرن الثامن عشر هز بنيان السببية الراسخ لقرون وقرون. لقد ضرب هيوم حتمية السببية في مقتل حين ربطها بالعادة والتكرار والاستقراء، بل ووصل لأبعد من ذلك حين خلص أن السببية ليست ضامنا حتميا للتنبؤ. فالعادة والتكرار الناجمان عن المخيلة سبلا تجريبية، لا سبلا عقلية محضة في ذاتها كما قد يُتوهم، حيث أن علاقة السبب بالنتيجة والحدث بالأثر علاقة قائمة على العادة والتكرار الناجم من المخيلة، بل وأن البناء على ذلك من خلال الاستقراء يحوي عيوبا كثيرة وكبيرة. فما هو الضامن أن التكرار سيستمر، والعادة ستظل إلا بالتجربة؟؟ وهل الاستقراء الناجم من الظن إن العادة ستظل، والتكرار سيستمر يكون صحيحا صحة مطلقة؟؟

إن الإشكال في رد السببية إلى التجربة سوف يلحق بها كمبدأ عقلي كل تلك الإشكالات التي نواجهها يوما بعد يوم في التجارب. فمما لا شك فيه أن التجربة اليوم تعقدت هي ومعطياتها ونتائجها كثيرا عما هي عليه في زمن هيوم حيث الكون المكانيكي المحتم وفقا للنظرة النوتينية القديمة. فنحن مثلا الآن نرى أبعاد المكان والزمان ليسوا أبعادا مطلقة وفقا لنسبية إينشاتين، بل صرنا في وقت لاحق لذلك لا نقطع أصلا بأماكن تواجد الجسيمات التحت ذرية وفقا لمكانيكا الكم. إننا نتفهم اليوم جيدا تأثير الوعي على الرصد مما ينعكس تباعا في النتائج، ولهذا أصبحنا نستخدم الإحصاء وعشوائيتها لترتيب مخرجات تجاربنا لنصل إلى أفضل نتيجة محتملة مرجحة. إن تعمقنا في التجارب لم يفضي بنا إلا للاحتمالية أكثر وأكثر، حيث أصبح العلم التجريبي ذاته مبني على الاحتمال والترجيح، لا على القطع واليقين. ومن هذا المنحى تصبح السببية المرتبطة بالعادة القائمة على التجريب ذاتها احتمالية وليست قطعية. ولم يتوقف الأمر عند ذلك حيث أن بنيان الاستقراء القائم على السببية ينقلب على نفسه مواجها إشكالات أكثر صعوبة. إن الاستقراء في أحسن أحواله لابد أن يظل ناقصا ومحتملا؛ لأنه لو اكتمل لانتفى بكليته، حيث تصير مقدماته هي نفسها نتائجه ويفقد صفته الاستقرائية، ناهيك عن صدام الاستقراء كآلية عقلية مع أسئلة  أكثر حدة من عينة.. ما هو سبب تعميم حكم ما على كافة التجارب إن لم نقوم إلا ببعضها؟؟ وما هو سبب تعميم أحكامنا أصلا على المستقبل مع أن التجارب محكومة زمنيا بالوقت الحالي أو السابق؟؟ وما بالنا لو كان المستقبل يؤثر في الماضي وفقا لمشاهداتنا وملاحظاتنا في تجارب حديثة كتجربة الشق المزدوج لرصد الإلكترونات؟؟ إن تجاربنا وملاحظتنا حول الأجسام التحت ذرية المتناهية الصغر جعلت من  الكون المادي محض احتمالات لانهائية نرصد منها فقط الاحتمال الذي يكون بوسعنا إدراكه، فكيف نرد احتمالات ما نرصده  إلى أسباب قطعية ثابتة؟؟ كيف نقطع بأي شيء متجاوز للمادة، والمادة ذاتها لا يمكن الجزم بحقيقتها بعد ما عرفناه عنها من خلال الاتصال الشبحي (التشابك الكمي- Quantum Entanglement) حيث كل الاحتمالات في الكون المادي واردة ولا يوجد شيء معد مسبقا، ناهيك عن تأثير زينو الكمي (Quantum Zeno Effect) حيث الحركة المرصودة وهمية ومتصورة وغير حقيقية؟؟

ولم يتوقف نقد السببية ونقضها عند هذا الحد، فلقد ذهب جون ستيورات مل إلى ما هو أبعد من ذلك حين خلص أن السببية تتداعى على نفسها من الداخل بالعودة بها إلى الوارء حيث تصل بنا إلى احتمالين كل منهما يهدمها لا محالة. الأول: وجود مسبب بلا سبب، والقول بهذا يعني انهدام السببية عند تلك النقطة بحيث تصبح ليست حقيقة مطلقة، والثاني هو ضرورة من التسلسل اللانهائي الممتنع عقلا. ولربما هذا هو ما دفع برتراند راسل لاحقا للاعتقاد بأن السببية سايكولوجية بدائية مترسخة فينا لا نستطيع أن ننكر حضورها القوي في الحيوان. فالدواجن مثلا تتوقع الطعام من يد من تعودت أن يطعمها لربطها بالعادة والتكرار بين وجود هذا الشخص والطعام. لكن التجربة تثبت أن هذه التوقعات الغشيمة للاطراد مضللة. حيث أن الرجل الذي ظل يطعم الدواجن كل يوم على مدى حياتها، هو نفسه الذي سوف يذبحها يوما ما بدلا من إطعامها. يريد راسل من خلال مثال الدواجن هذا أن يبرز هشاشة السببية والاستقراء والتنبؤ. 

إلا أنه وعلى الرغم من كل ما سبق، يُبقى الفلاسفة والعلماء على السببية كونها إداة معرفية محتملة لا نمتلك رفاهية التخلي عنها. حيث يؤكد راسل على ذلك حين يقول أننا يجب أن نؤمن على مضض بصدق السببية ومبدأ الاستقراء كفعل أعمى من أفعال الإيمان، حتى يتسنى لنا المضي قدما في طريق العلم ليس أكثر. ونجد هذا المعنى حاضر بقوة أكبر عند كارل بوبر فيلسوف المنهج العلمي الأول حيث يرى أن المعرفة تكون معرفة بقدر ما كانت تصلح للدحض والشك والتجريب؛ لأن في ذلك صيرورتها وتطورها وتناميها.

وخلاصة ما يمكن قوله أن هنالك خللا ضاربا بعمق بين السبب والنتيجة وبين الحدث والأثر ناجم عن ضعف المخيلة وقصور الوعي. وأن هذا الخلل يجعل الاحتمال القائل أنه لا ثمة رابط أصلا بين الأسباب والنتائج  ممكنا وقائما، بل لا يمكن دحضه على الأطلاق حيث لا يمكن أرجاع أي نتيجة أو أثر لسبب أو حدث واحد. أننا بقدر ما اقتربنا من الحقائق بقدر ما تعقدت المشاهدة وغامت الرؤية وتشوشت الروابط بحيث لا تعدو السببية كونها أكثر من حماقة بدائية نتشاطر شقها الأكبر مع الحيوانات التي نظنها أدنى منزلة ووعيا. بل أن ما ندركه من تراكم الواقع وتعقيده يجعلنا ندرك معاني أكثر عمقا منها مثلا أن النتيجة لربما تكون أكثر تأثيرا في السبب المحرك لها منه في تسبيبها، حيث النتائج بتراكمها وتداخلها وتفاعلها بوسعها أن تلاشي الأسباب الأولى كونها تصبح بحد ذاتها أسبابا مستقلة مع الوقت، بل مع الوقت أيضا تلاشيها نتائجها، وهكذا إلى ما لانهاية. فليست السببية القانون الوحيد كما يوهمنا الوعي كي ينطلق بنا زمرا في الشتات، فالعلية بذاتها هي جدلية وعينا المفرغ التي تجبرنا على الاستسلام لها؛ كي نتأقلم مع العبث الكائن سلفا كونه المنطق الوحيد المتاح. يتجلى هذا العبث واضحا بالنظر لسؤال العلم عن الكيفية (كيف) لا سؤال العلية والسببية (لماذا). حيث كيف للوعي الإنساني أن يضع كل هذه الافتراضات للإجابة عن لماذا، بل ويطور ميكانيزم السببية للتعاطي معه على هذا النحو من التسليم، قبل أن يجيب أصلا عن السؤال الأسهل المتعلق بالكيفية والذي كلما تراكمت تصوارته المعرفية أوردتنا حدود التلاشي أمام لا نهائية الاحتمالات؟؟

الثلاثاء، 16 يونيو 2020

الحياة فرصة عظيمة أم ورطة مزرية؟؟

من بوسعه أن يعرف إذا ما كانت الحياة فرصة عظيمة أم ورطة مزرية؟؟ من باستطاعته أصلا أن يفرق بين ما هو نقمة، وما هو نعمة؟ مشكلة الإنسان أنه يعظم دائما من شأن محاولاته، وهذا فقط من أجل أن يظل يحاول، حيث الحياة بمجملها ليست أكثر من محاولة مرهقة وجبرية لا فكاك منها.

مآلات الأشياء المخزية كانت لتجعلها لا تبدأ من الأساس، لكن شيئا ما سبب خللا شديد سمح بحدوث ما يحدث على نحو ما هو حادث. ربما فضل الهوموسبين الإنقراض الطوعي لو علم بهذا الموئل الذي نحن فيه الآن.. الوجود ذاته ربما تعطلت أسبابه فيه لو كان على علم بنتائج تلك الأسباب. ربما العدم الآن يدمي أصبعه ندما كونه تفلت منه هذا الوجود عبثا. ولكنه العمى المسمى الغيب هو دافعنا جميعا لنكون، حيث لا يفيد الندم، ولا يجدي الألم. 

والغيب لا يعني المجهول كما قد يشاع، إنه ببساطة لا يعني شيئا سوى الاحتمال.. الاحتمال الذي نتفائل فيه دائما بأن يكون على قدر آمالنا وأحلامنا وطموحاتنا، لكنه بمرور الوقت لا يكون، ولا نكون، بل يستحيل مثلنا إلى هاوية لا قرار لها من السوء المفعم باليأس والخيبة والإحباط الملغم أيضا بمزيد من الغيب المستغرق في الاحتمال.. هكذا تستمر اللعبة.. هكذا تبوخ، ورغم ذلك أبدا لا تتوقف حيث الخلل الذي أحدثها لا يستطيع أن يصحح من نفسه.

يقولون في الأثر لو علمتم الغيب لاخترتم الواقع.. وهذه عبارة أفعوانية بامتياز لأن دلالتها الحقيقة لا تنبأ إلا بسوء الطالع وفداحة المستقبل واللذان يجبرانا على اختيار الواقع حتى وإن لم يكن على مستوى الطموح.. ولكن عكس ذلك تستدعيها الألسن، وتلوكها الأفواه، وذلك على نحو ميتافزيقي يجعل الغيب احتمال مدرك من وراءه حكمة ومغزى وغاية.. وأنا لا أريد أن أنساق نحو جدل يحوم حول وجود حكمة لا نعرف منها غير غيابها، وغاية لا يستيبنها أحد، ومغزى لا يمكن الوصول إليه.. ولكن يبقى سؤال ما قيمة الحكمة طالما لا نعرفها؟ وما جدوى الغاية إذا لم نستيبنها؟ وما نفع المغزى إن لم ندركه؟

الخميس، 7 مايو 2020

فيوضات العبث

نظرة الأديب الإيرلندي صمويل بيكيت المفعمة بالعبث

(١) الكون خرب بطبيعته.. قصر ذاكرتنا، ومحدودية أعمارنا هما ما يجعلاه كما نراه أكثر ثباتا واتزانا وضبطا وانتظاما ومنطقية.

(٢) الوجود معضلة ذاته التي لم ولن تحل، والإنسان قضية نفسه الخاسرة التي منها يكل، والوعي في أقصى درجات تجليه لا يمكنه استيعاب شيء أكثر من ذلك. الوعي مجرد طفرة تطورية من أجل البقاء، لا من أجل الفهم والإدراك.

(٣) مآلات الأشياء المخزية ما كانت لتسمح أبدا ببدئها، لكن مع الأسف لا يوجد ثمة علاقة حقيقية تربط بين الأسباب والنتائج. السببية مجرد حمق بدائي لا يوجد ثمة داع لبقائه.

(٤) لا ثمة رابط بين الإنسان ووعيه، ولا بين الوعي والوجود، ولا بين الوجود "كمعني" والكون "كمادة"، ولا بين كل ما سبق ومسوغ نظري افتراضي كالعدم. تسلسل هذه الأشياء مجرد ميكانيزم إدراكي يخص عقولنا فقط، ولا ثمة دليل عليه خارجها. 
      
(٥) كل السرديات الكبرى سواء كانت تفسيرات فيزيقية خالصة أو حتى تأويلات ميتافيزيقية خالصة مجرد حيل تعايش وقتية تراكمها لا يعني الوصول بها لشيء في النهاية. رحلة الحضارة الإنسانية لهاث محموم خلف سراب لا يظهر إلا ليختفي.

(٦) هشاشة ما أنجزناه من ملهيات مادية بتراكم الوقت مع سفاهة ما طورناه من حيل معنوية أو قيمية توافقنا عليها.. هو ما يرسم تصورنا الحياتي المؤقت الذي يبدو منضبطا في حينه.. متضاربا متخبطا هشا على طول رحلته.

(٧) الآخر عبء، لكنه هو العبء الوحيد المتاح هنا لنتبادل الأعباء معه حيث أعباء الوجود ساحقة متنامية، ولا تنتهي حيث اللغة في أحسن أحوالها ليست أكثر من فخ على هيئة سلوان عظيم. 

(٨) ربما يتوسع المكان زمانا، وربما يتمادى الزمان مكانا كبعد واحد مدمج بعده الآخر المُلح هو الرصد.. الزمكان والرصد وجهان لعملة واحدة، لا يمكن التحقق أصلا من وجودهما.

(٩) المعرفة الإنسانية في خلاصتها ليست أكثر من أسطورة تتطور، وخرافة تتحور من أجل تبديد الفراغ، وإثبات وجودنا لأنفسنا. 

(١٠) لا يمكن معرفة الحياة بممارسة الحياة، ربما نعرفها بشكل أدق بممارسة الموت.. حيث الموت هو كل ما لا نعرف عن الموت.

(١١) تسعة أعشار السعادة في الجهل، والعاشرة في الوهم.. والجنون هو سيد الوهم والجهل معا، لهذا لا يكون النعيم إلا من نصيب المجانين.

(١٢) الخيال خيبة رحبة ممتعة تفسد الواقع الذي يدفعنا بخيباته وفساده إلى الهروب مجددا إلى الخيال.

(١٣) سياط الألم ستلاحقك من كل إتجاه؛ لتجبرك على الهروب في طريق الملذات الحسية. في نهاية هذا الطريق المزين بالمتع لا شيء  ينتظرك سوى الملل.

(١٤) المجهول يحيط بنا من كل الجوانب.. المجهول محتمل، والاحتمال لا يثير شيئا سوى المخاوف، والخوف من الألم أشد ألمًا من الألم ذاته؛ لهذا تبدو الحياة صعبة إلى حد لا يطاق.

(١٥) نحن كبشر نعظم من شأن محاولاتنا التافهة التي لا جدوى منها، فقط لنظل نحاول حيث أنه ليس بوسعنا هنا شيء آخر غير ذلك.

(١٦) الخلل يطفو في كل شيء. الأشياء لا تستطيع أن تشعر بخللها الذاتي كما أن الخلل لا يستطيع أن يصحح من وضعه من تلقاء نفسه.

(١٧) لا أحد يستطيع أن يعرف نفسه التي تدفعه دفعا للتعرف على الأشياء، هكذا تصير كل معارفنا عبارة عن جهل مركب علينا أن لا نأخذه على محمل الجد كون المتاح هزلي وبجدارة.

(١٨) بشكل واقعي محض ليس بوسعنا مواجهة كل ما سبق إلا من خلال قاعدتين مجردتين فيهما من العزاء ما فيهما من المأسأة.. الأولي: لا توجد خسارة أكبر من كونك موجودا أصلا لتخسر. الثانية: هناك دائما ما هو  أسوأ ليحدث.

(١٩) بشكل براجماتي أقل حدة ودقة، وأكثر عملانية وفرادنية يمكننا العيش طبقا لمبدأ بسيط للغاية هو.. عش بالطريقة التي تريحك.. هذا إن وجدتها.. فإن لم تجدها فأبحث عنها حتى تجدها أو تموت.. أيهما أقرب.

(٢٠) كل ما دون ذلك تفاصيل فارغة.. تأتي لترحل معنا.. لا نعرف من أين؟؟ ولا إلى أين؟؟ ولا يمكن حتى أن نعرف بشكل قاطع.. لماذا تمضي بنا وفينا على هذا النحو؟؟

الخميس، 30 أبريل 2020

صوفية الروح المنهزمة


كقائد حربي حاصره أعدائه، فتمرد عليه جنوده، فكفر بالحرب، وفكر بالانتحار.. أو كفاصلة بين جملتين من الهراء، أتمنى نقطة لتنتهي المهزلة.. مهزلة الأسئلة الملحة التي تنكأ الروح والجروح.. أي حيلة بارعة تلك التي تجعلنا نكذب الموت الصادق؛ لنصدق الحياة الخادعة؟؟ ما قيمة الحكمة من الحياة طالما لم نعرفها فيها؟؟ ما قيمة الحقيقة إذا ظلت مستحيلة؟؟ ما قيمة أي شيء غير موجود؟؟

ربما فقط في النهاية يكون بوسعنا أن نفهم أن أكبر خطأ أرتكبه الإنسان في الحياة كان إصراره على معرفة الصواب من الخطأ فيها.. ففي حروب الحق والباطل السرمدية.. هل يعقل أن نطلب من الحق أن لا يكون مكيافيليا، بينما الباطل يعربد مستخدما كل الوسائل؟؟وهل الحق الذي نصل إليه بطريق الباطل يظل حقا؟؟ وهل يوجد أي حق مطلق هنا أصلا غير الباطل؟؟ كلها أسئلة إجابتها أسئلة إلى ما لانهاية.. 

إن الزيف الذي يملأ نفوسنا، هو الذي يودي بنا.. كأن شيئا لن يحدث برغم كل ما حدث حيث الحياة هنا تعاملنا باستخفاف منقطع النظير. 

بحس صوفي خالص أُهمهم راضيا أو لامبالي: ألا رحم الله رجلا سخر من عجزه وقلة حيلته، فضحك حتى فاضت عيناه.. يراودني العطب مشككا في إبتسامة حزني: هل تنتشي حقا ببكاء كمنجة حزينة أم أن نشوتك في أصلها مجرد شماتة؟! يصمت قلبي إنهزاما من جديد.. يحدثني عقلي: كم تبدو عظيما وفخما وصادقا حين تهزم.. أقول: حتى عندما يبدي المنتصر تقديرا واحتراما للخاسر المنهزم، لا يكون ذلك من باب مواساته، ولكن من باب تضخيم خصمه؛ لتعظيم انتصاره.

الخميس، 23 أبريل 2020

عن الشك والوحدة والذاكرة


في الذاكرة تدمج الأعوام في حيز ضيق تختلط فيه كافة الحواس دون حدود فاصلة بينها؛ ليبقى من الصوت بقايا عطر، ومن العطر بقايا نكهة، ومن النكهة بقايا لون، ومن اللون بقايا ملمس لنسمات خفيفة تلفح عقولنا بحيث نتمكن من أن نسترجع كامل حياتنا جميعها في لحظة.. خاصة تلك التي تسبق خروجنا من الحياة.. تلك اللحظة التي عندها نشك أصلا في مدى حقيقة وجودنا وذكرياتنا، بل وحقيقة صنعنا لها، وصنعها لنا.

شك وجودي جدلي كهذا أفهمه جيدا الآن على أعتاب الكهولة غير مكترث أن يفاجئني بغتة لحظة الرحيل، ولكن يبقى أشد ما يحزنني بحق سؤال ملح لا يمكنني تجاهله.. هل كنت حقا بحاجة لثلاثين عاما من الشك؛ لأتيقن أنه لا شيء مما سبق كان قد سبق ومنح اليقين؟؟ هل فعلا نهدر كل هذا الشك في الشك لنشك هادئين متقينين مطمئنين في النهاية؟؟ يا له فعلا من عبث مطلسم..  يا لها مرارة.. مرارة تملأ حلقي في كل مرة أستقيظ فيها من جديد لمواجهة نفس الشكوك.. يا له من جفاف يشق حلقي كل صباح كتحذير مسبق من جفاف كل ما سوف أراه من جفاف الطباع والحظوظ والأيام والأقدار، وحتى المخاوف والشكوك.. يا له من سوء يمارس الشك، وشك يتمادى في السوء.. هل بوسعنا صنع أي شيء هنا غير الشك؟؟ هل بوسعنا هنا أن نشعر إلا بالاستياء جراء هذا الشك؟

الأحداث هي من تصنع لنا ما نصنعه حيث ليس بوسع هنا أن يكون أفضل من ذلك على أية حال.. حيث نحن لا مكان للخير ولا للحق ولا للعدل.. مجرد ادعاءات فارغة، وشكوك مريبة، وأماني واهمة نخفي بها سوءة العالم، وسوءة قهرنا فيه.. العالم الذي لا يستحق شيئا سوى أن نستمني في وجهه كل يوم هباء كي نحفظ النسل الجديد من معضلة الشر الكبرى التي ورطتنا فيها "التجربة" عن طريق الشك.

حتى الوحدة لم تعد ملاذا آمنا.. مجرد بركة آسنة من الشكوك والأسئلة التي لا تجاب.. الآخرين وحل أوساخ يتمادى قبحا.. الحياة طريق ممتد من الحظ العاثر الممتد بين تلك البركة الآسنة، وهذا الوحل القذر.. حتى محاولات الفهم والمعرفة المجردة بائسة.. العلم رغم تراكمه الذي يصعب الإلمام به، ليس أكثر من نور عود ثقاب ضئيل يجابه ظلام لانهائي ممتد.

قد ترى كل ما سبق مأساوي النزعة.. يهدر قيمة الحياة اللطيفة التي نتمناها جميعا، ولكن بنظرة أخرى أكثر تفحصا ستجد في كل ما سبق سلوان عظيم يثمن قيمة الموت الذي يتهيبه الجميع. تلك هي معضلة الوجود المفرغة. الفكرة التي تجرحك تطببك، كي تجرحك من جديد، لتطببك.. وهكذا يصير الشك هو مدخل اليقين بالشك.

الخميس، 2 أبريل 2020

فقدان الثقة في الموت


ها نحن البشر خلاصة ما أنتجه الوجود من الوعي.. نفعل كل شيء تافه لا جدوى منه بإتقان كبير، لكن قل لي لعمرك ماذا فعلنا حيال الموت؟؟ حيال سهامه الطائشة التى تملأ كل شبر في السماء؛ فتحجب عنا كل حقيقة.. وليناها الأدبار، وركضنا في الحياة متفرقين تاركين ظهورنا العارية لسهامه لتصيبنا بغتة.. بئس ما صنعنا.. وبئس ما قد يُصنع بالجبناء.. لا تحسبني أجيد حديث الموت.. الموت هو الذي يجيد كل شيء في الحياة.. إنه السوط الذي يسوقنا جميعا، ويدفعنا أمامه كقطيع من السوائم التي لا تجيد المواجهة، ولا حتى الهرب. 

هكذا نحن دائما.. منسيون في عبث وجودنا.. لم يكترث أحد بنا.. لا يلتفت شيء لنا، وكأن هذا الوجود سقط سهوا من حسبة العدم الكبير إلى الأبد. ونحن المحدثون التافهون المدعون زيفا بإمكانية الحقيقة، وبإمكانية معرفتها نتبدل الأوهام بالأوهام.. نتخبط في ظلام أنفسنا كمجرد عميان مختلين.. نتصارع حمقا على سبيل التسلية والتسرية.. نحن الخاسرون المرغمون على انتصار الهزيمة فيهم حيث لا شيء فعلا يستحق.. ماذا بوسعنا حقا أن نفعل هنا حيث لاشيء؟؟ نملأ مسامعنا بصراخنا!! نهلل لأنفسنا!! نصفق للحياة!! أو حتى نملأها سبابا، ولعنات!! هل ثمة شيء يجدي في سجن قيده الوعي؟وقضبانه سبكت من عبث الجنون؟؟ هل ثمة حل والسجن لانهائي المساحة والأيام؟؟

جميعنا أساطير تحك ظهر الغيب.. فالبشر عثة طفيلية ترعى في جسد الكون من آلاف السنين ربما لهذا نرى الوجود الآن مجرد شيء أجرب مقزز ومنبوذ.. فالموت الغائب ستظل حجته معه طالما ظل مجرد شأن شخصي.. الحياة بذاتها هي ذلك الشيء الحاضر الغائب حيث الحزن في منتهى السعادة، والملل في غاية الاستمتاع.. كل شيء مبتذل بحرفية شديدة حتى اللعنة.. أمثالنا ممن اعتادوا الجحيم لن تغريهم الجنة (حتى وإن كانت).. يكفينا جدا ما ننسجه حولها من أساطير.. يكفينا جدا أن نرتع صباحا كعثث، ونتشدق ليلا بالنقمة على الجرب. 

كدت حتى أن أفقد ثقتي في الموت.. أن أكفر حتى بالمجهول كحل.. أشعر وكأنه لا مخرج.. تلك الحياة العابرة ليست ذات شأن لتزول، أو حتى لتعود عدما من حيث جاءت.. نحن مجرد أكذوبة ليس بوسعنا إلا أن نصدقها لحظة بلحظة متجاهلين عبء الماضي، واحتمالات المستقبل.. هنا والآن فحسب.. الإنسان قضية نفسه الخاسرة التي لا داعي للنضال من أجلها.. هنا والآن.. الوجود بغير ذات محتوى، ونحن أكبر دليل على ذلك.. فلا ثمة داعي لأي شيء.

الأربعاء، 15 يناير 2020

عصر ولكن

لاشك أن عصر الحقائق الثابتة والأفكار المطلقة، والمعني ذا المقصد الواحد، والطرق ذات الإتجاه الواحد ينحسر يوما بعد يوم. فلا يغفل مبصر أن عصر الاستمبة والقالب والنموذج والقواعد والأصول والموروث يحتضر في سرير الموت. 

نحن الأن ببساطة نقف على باب عصر جديد اسمه "عصر ولكن".. عصر قوام أيدولوجيته هو الجمل الأعتراضية، والجانب الأخر من كل شيء، ومقابلة الضد بالضد، وأحترام الارتباك الذي يسببه التناقض، بل واعتباره صورة من صور الفهم. عصر تفهم الفوضى التى ينتجها الأختلاف، بل وتذوق الاضطراب الناتج عن المنهج الفرادني في التفكير. بحيث لا يستطيع عاقل متفهم اليوم أن يغفل الجانب الآخر من رؤيته أو فكرته أو موضوعه. 

ربما الصراعات الدائرة أصلا هي صراعات وجود بالنسبة للجهلاء والحمقي والأغبياء من المتجمدين، بل لربما هي صراعاتهم الأخيرة التي تزداد بها خسائرهم يوما بعد يوم وصولا إلى أن يتلاشوا للأبد. أعتقد أن البشر سيمرون قريبا إلى هذا العصر الذي سيتغير فيه كل شيء.. ففي الغالب مسيرة البشر تتعقد معنويا كلما تشيب، بينما تصبح أكثر أريحية ماديا على الجانب الآخر من الصورة. ولا أعرف ما إذا كان هذا التوازن سيكون كافيا في العصور المقبلة بما يضمن بقائنا أم أن الجانب المعنوي سيتقعد جدا ويتأزم تماما بحيث لا تستطيع ماديات الحياة من رفاهية وتطور وراحة وسهولة أن تجابهه. 

لكن تخيل أن تصبح الثوابت على الأرض بعدد البشر وتصبح الأفكارفي مثل ذلك. تخيل أن يصل بنا الحال يوما أن نتوافق على أنه لا حاجة للتوافق على أي شيء، و نقدم الفرد على الجماعة، بل ونقدس الاختلاف على حساب التوافق. ربما حينها تصبح الأمور فوضوية للغاية بحيث تصبح الحياة غابة من جديد محركها هو توافر القوة مع المصلحة، وربما تنتظم الحياة بسقوط فكرة القوة والمصلحة معا في خضم الأفكار التي تسقط يوما بعد يوما. ربما تدفعنا الفرادنية لحيوانية بدائية همجية، وربما تفتح لنا أفاق جديدة نحو عالم جديد تصبح فيه نفوسنا معقدة جدا بحيث تسقط غرائزها الحيوانية تلك، فنصبح كائنات جديدة تدور في دورة جديدة من التطور. 

علينا فقط أن لا نستهين بالتطور.. فالتطور أنتج وعيا يكتب لك هذا الكلام لتجد نفسه تفهمه. فربما تسير عجلة التطور نحو الأفضل، ونصبح كائنات أرقى مع الوقت بحيث يختفي القتل والعدوان ومحرك المصلحة المقيت. ولكن أعتقد أن هذا الرقي المنشود لا علاقة له بالسعادة التي تصبو إليها البشرية، لأنه ربما نصبح كائنات أرقى، ولكن أكثر حزنا وضجرا ومللا واكتئابا. ربما ليس كحزن اليوم ولا كملل اليوم الحاصلان بفعل ضغوط الواقع. ربما عندما يزيد وعينا بأنفسنا لدرجة أن نكسر فيها دوافعها الغريزية الحيوانية. ربما تصبح نفوسنا هكذا عبأ وحزنا واكتئابا ووجعا بذاتها.

إن تراكم التغييرات ليس شرطا أن يمضي بنا للأمام خاصة، وأن التغييرات تمضي وفق قوانين لا نسيطر عليها، بل حتى لا نفهمها، ولانعرف أبعادها؛ ولهذا نجد أنه في أحيان كثيرة تتعقد تلك التغيرات، وبدلا من أن تدفعنا للأمام تعيدنا للخلف، وكأن الأمر يمضي بعشوائية لا يمكن ضبطها، ولا حتى توقع ما قد تؤول إليه. ففيما نرى نجد مثلا أن الإرادة الحرة -الناتجة أساسا عن ظهور الوعي- تبدو الآن بعد تعقيدها وتحميلها بأفكار كثيرة معيبة أصبحت رادع للإنسان بدلا من أن تكون دافعا له، لدرجة أنها أصبحت تهدر قيمة الوعي ذاته.

السبت، 5 أكتوبر 2019

دجل الاحتمالات




هنا والآن.. عالق في المنتصف. كلما يممت صوب بدايتي أبتعدت.. أبتعدت، وحين انتهيت وجدتني هنا والآن أمضي صوب نهايتي حيث البداية من جديد هنا والآن.

أدير ظهري للوجود الذي لطالما أدار ظهره للجميع. بعدما يزول صخب الافتتان لا نرى إلا انسياب العمر. الوقت يحفر قبره بيديه طوال الوقت، بينما العالقون لا يزالون يحاولون جبر شرخ حقائقهم المتآكلة بالإيمان. لا يوجد ثمة حقيقة واحدة سلمت من هذا الشرخ الضارب في أعماق أعماقها، ولكن كل يختار السردية التي يظن أنها من اختياره.. يصلحها ببعض من الإيمان، يخفي شرخها بشيء من يقين الجهل، ويمضي كما الجميع حيث اللاسردية.. بعيدا بعيدا داخل أعماق هذا الشرخ الكبير، فلا يعود. لا ثمة شيء في وجه هذا العبث العابس يشفي الغليل سوى خرافات تزيد العطش، وتدفع بالأقدام طوعا لتوردها حيث فرت.. لا شيء يستطيع أن يخرج من الدائرة، ولا حتى اللاشيء ذاته.

في الحقيقة لم أعد أكذب أيًا من الروايات، ولا حتى تلك المفرطة في خزعبلاتها. ربما تبعثر طالعي المتعثر في ثفل قهوتي المبعثر على جدران فنجان مقهى مزدحم شرب منه قبلي ملأ عظيم. ربما تكدست كل دروبي المضنية في خطوط كفيَّ المتعرقة. ربما حتى ضجري ناجم عن دوران نجم ما لا يدري عني أي شيء. الراوية الوحيدة التي لا أستطيع أن أستسيغها هي أنني سوف أحاسب على  هذا العذاب الوجودي الدنيوي الذي ألاقيه هنا. سأحاسب على صراخي منه، وألمي فيه مرة أخرى؛ لكي أعذب من جديد، وكأن المطلوب أن أعذب هنا راضيا مطمئنا خاضعا دون ثمة ضجر أو تأوه أو سخط أو حتى تأمل أو سؤال.

السبت، 3 أغسطس 2019

مفارقة ‏مينو



ما أشبه كل مساعي الحياة بمفارقة "مينو" الشهيرة.. حيث أننا فعلا لا نبحث عما نعلم، ولا نستطيع أن نبحث عما لا نعلم. حيث في الحال الأول لا ثمة داعٍ للبحث، وفي الحال الثاني لا جدوى من البحث حيث كيف لنا أن نعرف أن ما وجدناه هو ذاته الشيء الذي لم نكن نعلمه؟؟

إذن كل ما تراكم من معارف هو ملهيات عن إجابات الأسئلة الوجودية التي دفعتنا أصلا للتساؤل، بل أنه هناك أصلا سؤال سابق حتى على على كل أسئلة مبحث الوجود الرئيسية.. وهو سؤال يختص بمبحث المعرفة ذاتها.. وهو سؤال إمكانية المعرفة من عدمها.. فلو كانت المعرفة غير ممكنة  فإن كل هذا البنيان المتطاول ما هو إلا هباء أساسه الخواء. ويبقى الإشكال أن الإجابة القائلة حتى بإمكانية المعرفة لا تستطيع أن تدحض الاحتمال الأول القائل بعدم امكانيتها واستطاعتها، حيث إن الإجابة بالإثبات ما هي في أحسن أحوالها سوى فتح باب للأسئلة التي لا تنتهي. إنها لا تستطيع بأي حال أن تنفي إجابة النفي الصارخة تلك بشكل قاطع. إنها ببساطة فقط مجرد أجابة على هيئة تساؤل لا نهائي ممتد لا جواب قاطع عليه، ولا هدف منه، ولا طائل منه أو فيه.. محض عودة جبرية للوقوف في الرمادي اللانهائي بين لا ونعم.

إن حجم الأشياء التى لا نفهمها في الكون يتناسب طرديا مع حجم محاولات فهمنا الجاد لنفس ذات الأشياء. كلما حاولت أن تفهم وأجتهدت في ذلك لن تفهم أي شيء، بل ستخسر ما فهمته قديما عندما كانت محاولاتك للفهم أقل دقة، وأكثر سطحية.. ولذلك ستجد أكثر الناس راحة هم من لا يحاولون الفهم من الأساس. هؤلاء الناس يظنون أنهم يفهمون كل شيء بطبيعة الحال.. رغم أنهم بالأساس خارج دائرة الفهم، ولم يحاولوا دخولها قط. 

إن محاولاتك الجادة لفهم الأمور هي الوجه الآخر من تصميمك الجاد على أن لا تفهم أبدا. باختصار أنت لست أكثر من مجرد ساذج مدفوع بفضوله. فحتى لو عرفت الحقيقة؛ لظللت تبصق في وجهها حتى مت عطشا. 

الأحد، 21 يوليو 2019

لوثة ‏الوعي ‏المفرط



بالصمت المرابط على الشفاه مثابرا، والنظر الواجم نحو اللاشيء الغير مكترث.. وبثبات كثبات الموتى الذي لا يحركه أي شيء بالحياة مهما بدا مثيرا ومستفزا. ماذا بوسع الحياة أن تفعل حيالنا سوى أن تنتحر ضجرا، وتكف عن هرائها؟؟ فلربما آذاننا المنتبهة المنصتة هي ما تدفعها للهذيان.

كم هو مؤلم ومرير أن تواجه الحياة بعقل واعٍ، وأعصاب يقظة طوال الوقت.. كم هو مهلكٌ ومضني أن تقابل كل تلك السخافات دون كأسِ نبيذٍ مترع، أو دخانٍ أزرقٍ قاتم، أو حبةٍ كيميائيةٍ مهدئة.. عالم كهذا لا يصلح إلا للمخمورين المدمنين الشمامين.. عالمٌ لا يصلحه شيء إلا اللوثة والهلوسة والسقوط في فوضى غياهب الثمالة.فقط لو كنا أكثر حكمة.. لعاملنا الحياة كمومس مختلة لا ينتظر منها شيء سوى البذاءة والحجارة، رغم ما تبديه لاستدراجنا من إيحاءات مغرية.

الجهل مجاني.. العجز مجاني.. المرض مجاني.. العناء مجاني.. الضعف مجاني.. الموت حتى مجاني، وللجميع.. ببساطة كل أسباب التعاسة مجانية، بينما على الجانب الآخر كل أسباب السعادة كلفتها باهظة للغاية ماديا ومعنويا. لتتعلم تتعب.. لتقوى تسقط.. لتشفى تتألم.. لتنجح تكد.. وبعد هذا كله لابد دوما أن تحاول أن تبقى سعيد مستنزفا كل طاقاتك قبل أن تموت كي لا يذهب عمرك هدرا. من رأيي أن يذهب عمري هدرا أو يذهب حتى للجحيم. الحياة برمتها قضية خاسرة لا تستحق شيئا سوى الحزن الطافح فيها. الحزن الصارخ فينا الذي كلما حاولنا كتم أنفاسه عنوة غرقت عقولنا بأوهام تضر أكثر مما تنفع.

الثلاثاء، 4 يونيو 2019

الميتافيزيقا ‏التي تلاشي ‏نفسها


بينما كانت تتوالى طعنات الوجود على كل سنتيمتر من عقلي.. كان العدم يخرج لي لسانه نكاية. لا شك أن الوجود منتج رديء للغاية. كل ما نراه يروج عنه مجرد حملات دعائية كاذبة سببها عجز الوعي. فما لم يصلحه قانون الغابة البدائي، لم ولن تصلحه كل قوانين الحضارة مهما تراكمت. لا علاقة للنتائج بالأسباب. هذا ببساطة جل ما تعلمته بعد أكثر من ثلاثين عاما في ممارسة الحياة. السببية حمق بدائي لا أكثر.. ميكانيزم يهدر الوعي والواعي معا.

فحتى وإن كان الشتات من حيث هو عدم ووجود لا يمكن فصله وجوديا عن بعضه،إلا أنه لا يمكن تصور ماهيات مكوناته إلا بانفصالها أو على الأقل جمعها معا في إطار أعلى. وكل إطار أعلى لا يمكن فصله وجوديا عن الإطار الذي هو أدنى منه بحيث لا يمكن الفصل بين ماهية كل منهما، ولا يمكن جمعهما إلا في أطار أعلى وأعلى.. وهكذا هلم جرا. حتى الجمع بين الوجود والماهية كونهم إطار واحد يورطنا أكثر في جدلية بعدها الثالث لابد أن يكون مجاوزا. وكأن الوجود هو ميتافيزيقيا متوسعة تلاشي نفسها بالأساس.

الجمعة، 29 مارس 2019

احتضار الوجود السرمدي



شيء ما يجثم فوق صدر الوجود.. منذ البداية وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة.. كل هذا الماضي السحيق.. كل هذا الحاضر الثقيل.. كل هذا المستقبل الطويل الذي يلاشي النظر.. جميعهم مجتمعين هم اللحظة الأخيرة التي لا تريد بأن تمر.. الاحتضار الأزلي الأبدي الذي أبدا لم ينتهي، ولن ينتهي.. الوجود ليس أكثر من سكرات تتوالى، ولا تتوانى.. ولكم كان جدير بحقيقة كتلك أن تبحث عنا واحدا واحدة؛ كي تتثبت من وجودها بتضليلنا؟! ولكن المفارقة تتأتى من كوننا لسنا قضية الوجود الأولى أصلا -رغم أننا ليس لنا قضية سواه- حيث يمكن لأي عابر أن يوقف هذا السيل الجارف من الأحداث التي تطفو على سطح نهر الحياة الجاري، ليحيله إلى بركة ساكنة رائقة يحملق فيها وجوده على مرآة صافية تماما يذوب فيها مضاعا من فرط وضوح انعكاس الصورة حيث تجف العبارات.. تسكت المعاني، ويطرب الصدى من لحن الصمت حتى يثمل.. ولكننا متعجلين.. لطالما كفرنا بالأمل من شدة اليقين.. لطالما آمنا باليأس من فرط الشك حيث إن كل هذه المعادلات والحسابات والأرقام واللوغاريتمات والخوارزميات كانت من أجل صفر غير معرف النهاية.. إن أثرا كهذا العدم الذي لا يمل أبدا من ملاحقتنا مهما طالت بنا الخطوات ليس أمامه خيار سوى أن يسوقنا أمامه ليتثبت من وجوده.. الوجود معضلته هو الآخر.. فالعدم عبء.. كما أن الوجود عبء.. الحياة عبء.. الموت عبء.. الزحام عبء.. الفراغ عبء.. الوحدة عبء.. الناس أعباء تمشي على قدمين.. أعباء أنفسهم.. أعباء للآخرين.. المحبون حتى عبء.. عبء حقيقي صادق نحن كل أعبائه.. ليس بوسع الأمور أن تحدث بشكل أفضل.. ليس بوسعها أن تكون على ما يرام لا وجودا، ولا عدما، ولا حتى على أي منحى مجاوز.. التداعي أزلي.. التهاوي سرمدي.. والتماهي في لحظة الاحتضار لا مناص منه..

السبت، 16 فبراير 2019

أسطورة ‏المعرفة


في منتصف المسافات الطويلة التي لا تفضي لشيء يضفي عليك الضياع وقار حكمة تجذب بزيفها التفات بعض نفر من التائهين العابرين إلى اللاشيء.. فيسألوك عن الطريق.. فتأمرهم أن يتبعوك إلى حيث لا تعرف.

هكذا يضيع المتن الأول على هامش الهامش الأخير. هكذا قد تتبدل الراويات وتنقلب على نفسها في تلك الرحلة الطويلة لتتابع الرواة والمئولين. قد لا تكون هناك ثمة حقائق ممكنة في الأصل لتروى أو تئول، ولكن هذا المخرج المستغرق في النسبية والذي يبدو مريحا للوهلة الأولى يخلق عالما من الأسئلة الصعبة جدا التي تؤرق كل البديهيات، وتهتك عرض المنطق بلا هوادة. فما الذي يجبر الوهم أصلا على تقبل حقيقته دائما دونما استثناءات رغم إن كل الأشياء بالوجود تنقلب على نفسها بالوقت؟ لماذا الوهم هو الثابت الجامد الوحيد منذ البداية الذي لم يتغير؟ وكيف سيظل هو القاعدة الأبدية التي لا تستثنى أبدا؟ ما هو كنه هذا الشيء الذي يجعل الوهم مستحيلا إلى هذا الحد طاغي الإمكان بهذا القدر؟

لا شك أن المعرفة أسطورة تتطور، حيث أنه لو كانت هناك ثمة حقيقة لما كنا هنا. ولهذا لا بديل أمام الإنسان في رحلته إلا أن يبالغ ويعظم من شأن انتصاراته البسيطة في فهم وتطويع وقيادة الطبيعة؛ ليواري بهذا هزائمه المتكررة في فهم وتطويع وقيادة نفسه.

ويبقى السؤال غصة في حلق الوعي: هل ثمة استفادة حقيقية من أي نوع من وجود الإنسان في الكون؟ هل ثمة استفادة حقيقية من وجود الكون أصلا؟ 

الاثنين، 7 يناير 2019

بيروقراطية الكون



ربما تعد البيروقراطية من حيث كونها مفهوما أجتماعيا تنظيميا ونظاما قانونيا وسياسيا ذروة سنام النظام الحضاري للإنسانية، إلا أنها بمرور الوقت -وكما كل منتجات الحضارة- تداعت على نفسها من الداخل خاصة حينما تشابكت الامور وتعقدت، فاضطررنا إلى تقديم صرامة مادية النظم والتنظيم والقوانين على عمق الجانب المعنوي للأفراد ورغباتهم ومشاعرهم وأحاسيسهم  بحيث صار النظام عبأ يثقل كاهل مصلحة الفرد والمجتمع، بل أصبح في أحسن أحواله يحول البشر لأسنان صدئة في تروس ماكينة ضخمة كثيرة الضجيج قليلة الطحين مضارها أكبر من نفعها. فحينما تجاهل النظام سبب سلطته وتناسى القانون الداعي من سطوته، واستحال كلا منهما إلى أطر صلبة مجردة جامدة خالية من الروح وعمق المعنى حينها اصطبغت البيرواقطية كلفظة بصبغة سلبية سرعان ما تتبادر إلى الأذهان عند ذكرها.

وقد يرجع هذا التداعي والتهافت للبيروقراطية عبر الزمن إلى جذرها الأغريقي -كراتس- والذي يعني السلطة. ولاشك أنه لا نظام ولا تنظيم ولا قانون بدون سلطة.. ولا شك أيضا أنه لا سلطة من غير شر وضر. فالسلطوية على قدر ما تمنح من العطايا وتقي من الفوضى، على قدر ما تمنع وتقيد من الحرية. وتلك طبيعة الحال في كل أشياء الوجود على قدر ما تعطيك تسلبك، حيث يمكن إسقاط تلك القاعدة على أصغر مقياس إلى أكبر مقياس في الوجود. ففي الوجود لا توجد أشياء صرفة خالصة. فأشياء الوجود تخضع لجدلية الشيء ونقيضه معا في آن واحد.

فحتى الكون ذاته يغرق في بيروقراطية عتيقة. فالقوانين والنظم التي تدير الكون، والتي نستنتجها بمرور الوقت بالعلم يطفح منها الروتين بدرجة لا تطاق. وكأن المشكلة ليست فقط في مدام عفاف التي تعمل في التأمينات، وتريدك أن تدور على كافة المكاتب كي تنهي أوراق معاشك، ولا في أستاذ مدحت المسجون خلف قضبان شباك تراخيص المرور، ويريد خمسين جنيها كي يختصر عليك الطريق الطويل للروتين من أجل استرداد رخصة مركبتك. المشكلة في الروتين الأصلي الكبير الذي سمح بوجودنا جميعا على هذا النحو؛ كي نخلق روتينا مشابها مليء بالقوانين لنعيش من خلاله وفيه أسارى؛ لنموت في النهاية بطريقة روتينية أيضا وسمجة. المشكلة في السلطة والنظام الذي يستحيل تخيل الوجود أو تصوره دونهما.

السبت، 15 ديسمبر 2018

تهافت الوجود الواعي على نفسه

الجانب الوجودي للحكاية مظلم للغاية، بينما الجانب الذي نظنه مشرقا هو مهرب الوعي الذي يصل بنا بعد جهد وعناء في النهاية لنفس الحقيقة المرة التي هربنا منها في البداية.  دائرة مفرغة بين الهنا - الحياة والوجود- والهناك - الموت والعدم-... فهنا حيث أن المجهول الذي تجهل جهلك به هو نفسه المجهول هناك الذي تفر منه وتخشاه أن يتفاقم؛ لعلمك أنك تجهل كل شيء عنه. 

التفكيك هو خلل الوعي الأصيل. فالوعي يلجأ للتفكيك كلما عجز عن الإدراك فتزداد الأمور تعقيدا وتفاصيلا دون جدوى. الوعي مسبوك باللغة، واللغة تحدها الحقائق. حتى عمق أعماق الوجدان يتداعى حين ندرك أن المشاعر ميتافيزيقيا الغرائز بالأساس. 

المعاني أصلا تتوالد جراء أن الوعي حبيس اللغة، واللغة حبيسة الوهم والتقريب، لا الحقيقة والتدقيق. الشاعرية حتى كأسلوب تعبير انساني على صدقها وذاتيتها يمكن أن نقتل كل صورها وألوانها بنفس ذات الطلقة. فما هي في أجودها وأصدقها سوى انعكاس للحزن الناجم عن هذا اللون الرمادي القاتم المستمر للأشياء، الذي يموت مجازا لنحيا فيحيا بوجودنا رماديا من جديد. هكذا تتنتج العتمة نفسها بنفسها طوال الوقت بحيث لا يسعنا إلا أن نجعل من مأساتنا ملهاتنا التي تسري عنا. فنكتب أنفسنا قصائد، ونرسمنا أساطير، وننظم الفوضى من حولنا في قوانين، ونلتهي في التفاصيل، وندور في سفر طويل، وبحث مضني؛ لنفسر الماء بعد الجهد بالماء.

إن هذا الوجود المبصر الواعي الذي يملأ عقولنا ليس سوى نظارتنا السوداء السميكة التي تحجب عنا الوجود الحقيقي الذي يستر عماه بنظارتين من العدم، فلا يبصرنا من الأساس. فالوعي في أحسن أحواله ليس أكثر من علكة ملتصقة بنعل الوجود الذي يفضل أن يسير حافيا. لا أفكارنا هي من تحرك العالم، ولا العالم هو من يحرك أفكارنا.. ذلك أن الدافع لوجود مثل تلك الراوبط هو ذاته المانع حيث لا ثمة انفصال أصلا. 

ثغرة وعي المطلق -الغائب الحاضر- مثلا هي النسبي -الحاضر الغائب- الذي يستخدمه لسد ثغرات وعيه.. ذلك أن النسبي والمطلق وحدة واحدة لا تتجزأ.. لا ثمة انفصال في الثنائية كما قد يظن للوهلة الأولى.. تلك الثنائية التي تطفو في كل شيء على أصغر مستوى، وعلى أكبر مستوى هي الوحدة الواحدة التي لا تنفصل أصلا.. هي الكل الذي لا يتجزأ إلى ما هو أصغر وأكبر.. الكل الذي يتنامى ويكبر كوحدة واحدة لانهائية.. الكل المطرد الذي يستحيل إدراكه، بل ويستحيل كل شيء مع إدراكه.

باختصار نحن ظل الوجود الباهت بينما اللانهاية هي مرآة تنظر نفسها في مرآتنا محاولة إخفاء شرخ كبير في قلبها وقلبنا أسمه اللاجدوى، والعقل مجرد طفل سخيف يبصق في وجه السماء، ويضرب الأرض بقدمه، ويبكي صارخا، ولا يرضيه شيء.. الوجود هو أنت الذي جئت لتموت.. والمعرفة هو أن تعرف أن معرفتك بهذا من عدمه غير مؤثرة في ذلك على الأطلاق.. أما القيم فهي محاولة تشبث فاشلة.. القيم بمثابة المطبات التي نضعها لأنفسنا؛ لنخفف من عبث سرعة مرورنا الجنونية من الحياة.. بزوالها ستمضي الرحلة سريعا، ويكأنها لا تمضي، ولم تمضي من الأساس.

الثلاثاء، 10 يوليو 2018

أنت وحدك جميعهم، رغم أنك وحدك

الأرض من تحتي خطوة.. السماء من فوقي مجرد نقطة، والمدى كل المدى سراب. كافة الأشياء تكف عن كونها نفسها. كأن عقلي أصابه خلل ما.. صدري يضيق، بينما الكون لازال يتمادى إتساعا مثل الأحمق.. ثم سرعان ما أبتسم ببلاهة من المفارقة.. أضحك حتى تتلف أمعائي.. لا تغرك تلك الفرحة الهيستيرية التي تتنامى سريعا بحيث كادت أن توقف القلب.. ها هي انكسرت قشرتها، ففاض الحزن من جديد في كل مكان.. كأن الفرح ممتلأ عن أخره بالحزن.. أو كأني ممتلأ بغيابي.. تنامى الغياب سريعا، وأنكسر ففاضت الروح مني وجودا في كل مكان. 

لكن لا ضير.. يمكننا أن نواسي أنفسنا بأشياء بسيطة.. المجهول على رحابته مثلا.. الموت الملطخ بالحياة أو حتى صورا مصغرة للعدم نعلقها في جدار الوعي كي لا ينقض فجأة على رؤوسنا.. قد ترى كلامي يضج بالجنون.. المجنون يفعل الصواب عندما لا يصدق عقله.. هذا لأن الصواب هنا جنوني ونرجسي وأحمق وضجر إلى هذا الحد وأبعد.. الصواب مثلي تماما ممتلأ عن أخره بالخطأ.. الصواب هو هذا الحد الذي بتجاوزه حدث كل هذا دون بداية واضحة وبلا نهاية واضحة وبغير سبب واضح.. الصواب مع الأسف هو خلل نفسه الوحيد.. يمكن أعتباره مختل نفسي يحتاج إلى مصحة مثلنا جميعا رغم كونه صادق وحقيقي جدا غير مصطنع وبعيد.. بعيد جدا..

عن هذا الصواب البعيد الذي انعكس ظله فيَّ، فانعكس من خلفي ظلي يلاحقني بحيث لا أستطيع الفكاك. عن الفكاك، والاشتباك، والارتباك في كل شيء، ومن كل شيء. عن الأشياء، والأسماء، والأعباء التي تتطلبها الأرواح، والأجساد.. عن الأجساد، والأصفاد، والأبعاد، والإبعاد، والقلب الذي لا يحتمل غير الحب في عالم يتنفس كرها، وحقدا، ونفاقا وشرا.. عن الشر.. عن علة كل ما يضر. عن انتظار الحكمة، وحكمة الانتظار.. عن الانتظار والانهيار والانكسار والطريق الذي فرض علينا حتى النهاية.. عن النهاية التي لا نعرف لها بداية، والبداية التي لا نعرف لها نهاية.. عن الضعف، والهباء، والخواء، واللاشيء الذي يحوط كل شيء.. عن هراء الضجيج، وضجيج الهراء.. عن الناس.. عن تعالي الصوت خوفا من سكوت الموت.. وحتى عن الموت.. عن المجهول حيا، وميتا، وحين يبعث كل مرة من العدم؛ لتعاد الكرة من جديد.. عن الضجر كنتيجة محسومة لكل هذا.. عن الاستسلام للاستلام.. عن التكون تدريجيا، والتماهي تدريجيا، والتلاشي تدريجيا.. عن الرغم رغم أرغامنا على الاختيار الذي لم نختاره.. عن الاختيار الذي تركته مرغما نظرا للاجدواه.. عن أخر الشكوى التي تسكت عن الشكوى.. عن تجاوز الكلام.. عن الصمت.. عن أخر، وأول، وأصدق، وأغرب ردة فعل للبعيد الذي أبتدأ منه الكلام، وإليه يعود الكلام بكل الكلام، وبلا كلام.. البعيد المحفوظ بصمته من الكلام والإفهام والأفهام.. البعيد الذي تجاوز الوجود، والعدم.. أيها البعيد أنت وحدك جميعهم، رغم أنك وحدك.

الجمعة، 9 مارس 2018

فرضية اللاحقيقة



في المتاهة لا ثمة داع للتذمر والسخط.. جل خيبات العالم أوهام.. هاهو العالم منزو في الوجود، ويكأنه صفر.. هاهو الوجود بأسره منزو في العدم، ويكأنه بلاجدوى.. هاهو العدم منزو في قلبي ويكأنني تبلدت.. أنكسر كأس الحياة فارغا في يدي.. لم يسقط، ولم أسقط حين أُسقط في يدي.

سيقولون العدم نقيض الوجود بنقيضيه الحياة والموت، وأقول المستحيل هو الحقيقة.. حقيقة بلا نقيض. مالنا نحن والحقيقة والضد يملأ عيوننا زيفا ووعينا نزفا؟! ما أبعد الحقيقة عن دائرة العدم والوجود.. ما أبعد الحقيقة حتى عن ما هو أبعد من كل هذا.. ما أبعد الحقيقة عن الحقيقة.. ما أعصاها حتى على نفسها.

كل هذه الأسئلة.. كل هذه الإجابات.. هي محاولات للإنشغال عن مرارات الحقيقة الأم، حيث الإجابة هي السؤال بصيغة أخرى، والسؤال هو العدم دائما. الوجود استقراء فاسد لعدم غير موجود بالأساس، ولهذا فالحياة لن تلائمنا، ولن نلائمها مهما حدث. هناك خلل ما ضارب بين السبب والنتيجة.. فالنتيجة أكثر تأثيرا في السبب المحرك لها منه في تسبيبها. النتائج بتراكمها وتداخلها وتفاعلها بوسعها أن تلاشي الأسباب الأولى كونها تصبح بحد ذاتها أسباب مستقلة مع الوقت، بل مع الوقت أيضا تلاشيها نتائجها، وهكذا هلم جرا. 

السببية ليست القانون الوحيد كما يوهمنا الوعي كي ينطلق بنا زمرا في الشتات.. العلية بذاتها هي جدلية وعينا المفرغة التي تجبرنا على الاستسلام لها، والتأقلم مع العبث كونه المنطق الوحيد المتاح. المتأقلمون مع هذا الهراء جبناء يخشون مواجهة الحقيقة؛ لأن المواجهة والاعتراف أيضا لا ينتج عنهم أي شيء سوى هراء كالذي تقرأه.. اللاجدوى هي الحقيقة؛ لأن الحقيقة بلا أي جدوى.

الضفة التي تقف عليها ليس بالضرورة أن تعني وجود ضفة أخرى مقابلة، طالما لم تصل إليها. محاولتك لإيجاد رابط يجمع شتات ما تناثر في وعيك من أفكار سيشتتك أكثر مما تتصور، بل ستتيقن من هذا أكثر عندما تكتمل محاولتك. المشكلة تكمن فينا؛ لأننا صدقنا عقولنا التي لا نمتلك عليها أي دليل.. لا وجودها يعني أنها صادقة، ولا تكذيبها حتى يؤدي بنا إلى دليل بديل. ربما ما كان بعد لم يكتمل، ولازال في طور التكوين، بل ربما التكوين ذاته لا ينتهي أبدا ليكتمل، بل ربما يكون لم يبتدأ أصلا ليكون. من يستطيع أن يثبت أن الوجود هذا ليس عدما محضا، أو العكس؟! هذا على أفتراض أن العدم والوجود منتهى أضداد الحقائق كما نتصور. فما بالك بفرضية أن الحقيقة متجاوزة أصلا كل ما هو عدم وكل ما هو وجود؟! ماذا لو كان لا يوجد حقيقة في الأساس؟! إلى ماذا كنا سنصل لو كنا أبتدأنا بحثنا أصلا بفرضية "لا حقيقة".

الخميس، 1 مارس 2018

استحالة المعرفة

في الحقيقة لا تفضي المعرفة إلا لاستحالتها، لكن ما يبقينا رهن المحاولة هو معرفتنا بأن المستحيل قد كان فعلا من قبل، مما سمح بوجودنا على هذا النحو. معرفة كتلك لم تجعل لنا خيارا آخر. ليس بوسعنا سوى أن نضرب رؤوسنا في حائط جهلنا الفولاذي، لا كي يلين، بل لننزف أكثر وأكثر، ويستحيل المستحيل مجهولا على أيدينا كما كان، فتكتمل الدورة. 

كل هؤلاء المتراكمة أسمائهم في سجلات الموت.. الممسوحة أسمائهم من سجلات الحياة بممحاة النسيان فعلوا هذا سواء علموا به أم لم يعلموا. نحن ببساطة أبناء المستحيل.. شهداء الجهل.. أسرى النسيان.. يبتلعنا المجهول بشكل لانهائي ليسترد نفسه.

الأشياء مشحونة بمعناها المتوارث بفعل التراكم. متى أفرغناها من معانيها بالبحث والتأمل والتفكير والتجربة سيصعب علينا أن نعيد ملئها بأي معنى من جديد مهما حاولنا. حجم الطاقة مهما بلغ في محاولة كتلك سوف يذهب هدرا؛ لأن حقيقة السراب إذا ما ظهرت، تماما كما الجرة إذا انكسرت لا يمكن أن تعود لما كانت عليه.

يقول الفيلسوف والروائي الإيطالي الشهير -أمبرتو إكو- موجزا هذا الأمر في كتابه -بندول فوكو- العالم لغز أليف، لا أذى فيه. فقط محاولاتنا المحمومة لتفسيره كما لو أنه ينطوي بداخله على حقيقة هي ما تجعله مروعا ومخيفا ولا يطاق. 

ربما فعلا لو كانت هناك ثمة حقيقة لما كنا هنا على هذا النحو محاولين رصد وتتبع السراب اللانهائي ويكأنه الحقيقة. لا شك أن غواية التأويل المدموغة في الوعي هي ما تدفعنا لفعل ذلك رغم ما قد يطالنا جراء هذه التأويلات المتباينة المتخبطة من الشر المتمثل في الفرقة والصراع، لكن مع الأسف هذا هو  السبيل الوحيد لمعايشة الوجود الذي لا نقوى على استيعابه. ليس بوسعنا حيال هذا الوجود المبهم المستعصي المطلسم سوى أن ننتقم من أنفسنا بالفرقة والتشرذم.

الأحد، 12 نوفمبر 2017

عالم من الكومبارسات المغرر بها

صورة مجمعة لأشهر كومبارسات السينما المصرية

الحياة فيلم تلعب فيه دور البطولة أمام نفسك، ودورا مهما لأبويك، ودور أهم لحبيبتك وأبنائك، ودور ثاني مساعد لأخوتك وأصدقائك ومن هم في دائرتك المقربة، ثم كومبارس تقل مساحة وأهمية دوره إلى أن تتلاشى تماما بالنسبة للبقية الباقية التي تملأ العالم.. الفيلم مستمر بينما يتغير غالبية الممثلون من وقت لآخر.. يحالون للتقاعد عندما تنتهي أدوارهم.. يرتاحون في النسيان بعيدا عن الأضواء والكاميرات والأحداث.. يبقى فقط ذكرى الذين أجادوا لعب أدوارهم.. من تقمصوها حد التماهي.. من أجتهدوا في تصديق أنفسهم، واعتبروا أن الفيلم حقيقة جدية تتطلب قدرا من العناء والجهد متناسين أن السيناريو قد كتب مسبقا، وأن المخرج يتحكم في كل التفاصيل حتى عدد أنفاسهم، وأن أدائهم مهما كان صادقا ومؤثرا ومقنعا لن يبقي منه المونتاج إلا ما يخدم استمرار فيلم الحياة الكبير وراوجه..

سينما الحياة صناعة كبيرة لها أهداف أخرى غير الفن والأمتاع والقيمة والمعنى.. الاستمرار هو الهدف الرئيسي لها؛ لأنه دونه لا يمكن الحديث عن أي شيء، ولهذا ستظل الحياة تلعب على حبال المجهول معتمدة على تيمة التشويق تلك لضمان بقائها.. 
وهكذا تكون النتيجة.. أننا جميعا مغرر بنا فيها تحت دعاوى أشياء زائفة كثيرة مثل البطولة والفن والتشويق، والفضول الناتج عنه، والتنافس فيما بيننا.. والحقيقة هي أننا لا نعرف أصلا للفيلم جدوى أو غاية، بل لا نعرف أصلا من سوف يشاهده.. في حال إذا كان هناك أحد مهتم أصلا لمشاهدة هراء كهذا.

فيوضات العبث