السبت، 2 فبراير 2013

الهروب من فداحة اللامعنى إلى المعاني الزائفة


إنها رحلة الحياة.. رحلة معرفة اللاشيء الذي لا نستطيع أن نعرفه إلا بأشياء زائفة من وحي خيالنا.. رحلة فهم اللامعنى بافتراض شبكة من الأوهام نبتنيها لنمنحها المعاني..  رسمناها رحلة الشقاء المصطنع؛ لأجل خيال راحة تستحيل، وعشناها رحلة البحث عن حلم المتعة بوهم مضني أسميناه التعب، لكنها في حقيقتها هي رحلة هروبنا من فداحة اللامعنى التى نعانيها منذ الأزل، والتي سوف تستمر إلى الأبد مهما جملنها وأكملنها بالمعاني.

ففي ضجيج الحياة ومشاغلها ومشاكلها وحركتها الثابتة، وثباتها المتحرك يضيع كل شيء، ويذوب كل شيء؛ ليبقى لنا شيء لا يساوي في حقيقته أي شيء.. ألا وهو محاولتنا الجادة المستميتة المتكررة كي نستمر في العيش دونما سبب واضح، ودونما غاية تدرك، بل وحتى دون هدف حقيقي يُرجى. فأنى لنا أن نعيش الحياة دونما أن ننشغل عن حقيقتها الموجعة بالزيف الذي أتفقنا عليه؟؟ وكيف نحيا دون أن نتحايل على لامعنى حياتنا الصارخ بتعاريف بنيناها بالتراكم خلال رحلة طويلة في تتبع أثر السراب؟؟ 
ها نحن منذ البدء نفعل كل هذا وأكثر، لا من أجل شيء معين نوقن فيه، ولكن فقط لنهرب من قلق اللامعنى الذي يملأ كل شيء في حياتنا المزعومة، والتي لا يبالي بها أحد سوانا.. هكذا نختلق المعاني.. نجتهد لنرتبها في نسق يليق بعجزعقولنا؛ كل هذا فقط كي ننسى ملامح وجه اللامعني المخيف الذي يطل بوجهه علينا صارخا فينا بخواء كل شيء.. اللامعني الذي يغلفنا ويغلف كل شيء، ويستقر فينا، وفي أعماق كل شيء.. ونحن المتجاهلون الذين يظنون من فرط جهلم وتكبرهم أنهم المواجهون لكل شيء.

مدفوعين بالخوف الذي لا يجدي.. يدفعنا أمامه كالسوائم الملتاعة التي تذهب بأرجلها إلى الموت.. بل أكثر من ذلك قد يفعل الخوف.. الخوف من أن نذوب كالأشياء عند نقطة ما، أن نتلاشي بلا أثر كيفما وجدنا من اللا أثر.. وعلى الرغم من صلابة إرادتنا، وضراوة محاولاتنا، ماذا كان بوسعنا أن نفعل سوى أن نذوب كل يوم..  نذوب في الأشياء، وتذوب فينا، ويذوب كلانا تارك كل هذا الأرث الهائل من الهروب لخائفين جدد.. فالإنسان على كل بأسه وتفاخره وغطرسته ليس أكثر من ألة تضج عملا بخلق التصورات التي تكفل له هروبا صيرويا من التصور الذي لم يفهمه، ولن يفهمه.. بل هكذا يستمر الوجود بأكمله كمجرد ضجيج بلا طحين.

الأمر أشبه ما يكون بمن يدخل إلى لجنة امتحان دون علمه.. لا يتذكر أي شيء حدث قبله، ولا يعرف أي نتيجة سوف تنبني عليه.. حيث الامتحان هو مفاجأة غير مفهومة بغير ذات مغزى، وبدون أدني مبرر.. غير معروف لنهايتها نتيجة، وغير مفهوم لنتيجتها معنى.. هو لايدرك فيها أي شيء سوى حدثها الجاري.. هذا الحدث الجبري الذي هو ليس أكثر من ورقة أسئلة بها سؤال واحد مكتوب بعدة طلاسم لا يفهمها، ولكن بنهايتها علامة استفهام أو ربما علامة تعجب.. فهو حتى لا يستطيع أن يستبين العلامة، ولكن لا يهم.. فما نفع العلامة إذا كان لم يفهم المكتوب الذي يسبقها من الأساس.. وبرغم كل هذه الملابسات العجيبة لا يستطيع صاحبنا أن ينهي هذا الأمر الذي لم يبتدئه.. لا يستطيع أن يترك مكان الأمتحان.. ربما خوفا من أن يذهب إلى مكان امتحان أغرب بملابسات أعجب، وبسؤال اصعب.. لهذا يستسلم إلى مكانه، ويعيد قراءة السؤال مرات ومرات.. ويتأمل علامة التعجب أو الاستفهام.. لكنه رغم محاولاته الدؤوبة يفشل.. ومع فشله المتكرريصيبه الاحباط، فيتجاهل السؤال، ويقرر أن ينتظر إلى أن ينتهي الوقت.. في الانتظار يمضي الوقت كسلحفاة كسيحة لا تمشي بقدر ما تقف.. ربما لهذا يقرر أن يخترع شيئا يمرر به تباطأ الوقت.. يمسك بالقلم، ويكتب أشياء، ويرسم أشياء، ويخط أشياء.. ويذوب انشغالا في هذا العبث متناسيا السؤال والامتحان، بل ومتناسيا كل شيء إلى أن يفاجأ على حين غرة بانتهاء الوقت.. ليترك من خلفه دفتر إجابته لمن يليه.. لكنه ملئ بالرسومات والكلمات والجمل والعبارات التي ليس لها أدني علاقة بالسؤال الذي لم يفهمه، ولم يدرك معناه. من هنا ينتج تراكم المعاني الزائفة الذي لا يمكن تمحيصه.. من هنا تدور اللعبة ولا تتوقف أبدا.. اختبار صعب لا ثمة داع له.. فانتظار طويل.. فمحاولة للتلهي.. وهلم جرا..

بالوحدة وحدها نستطيع أن نرى الأمور بشكل أوضح.. نستطيع أن نقلب تلك الخطوات السابقة رأسا على عقب.. فحين تتركك نفسك للوحدة.. تتركك هي بدورها إلى التأمل.. ليتركك بدوره إلى التحلل.. تحلل من كل شيء.. وتحلل لكل شيء.. تحلل يفرغك ويفرغ كل شيء من معناه..  ضوء ساطع كضوء الشمس في رابعة النهار يضرب في وجهك، لا تستطيع معه إلا أن تغلق عينيك عن كل هذا الصخب الدائر حولك وقبلك وحتى بعدك.. عن كل ما تراكم من زيف المعاني، وكل ما تكتل من بنيان المفاهيم والتصورات والرؤى.. بعينين مغمضتين لا نتجاهل الرؤية، بل نرى اللامعنى بمادته الخام.. نقيا.. خالصا.. صافيا.. وموجعا.. كما كان أول مرة قبل أن يُحمل بكل هذا الأرث الهائل من ركام المعانى الزائفة والغايات الوهمية والمفاهيم الخيالية.. هكذا نرى بعيوننا المغمضة حقيقة ما لا نراه بها، وهي مفتوحة ؟؟ بل هكذا ندرك إن الامتحان خلل سقيم، والسؤال جدل عقيم، واللا معنى أكثر فداحة من المعاني الزائفة.

فيوضات العبث