الاثنين، 10 فبراير 2014

عن البحر الذي أنطقني


إن أعظم صفة يمتلكها البحر من وجهة نظري هي أنه مدهش.. أنه مدهش لدرجة أنه أنطقني، وأنا رضيع أبن لثمان شهور. أنطقني بزرقته الخاوية، وبجريانه الذي لا يعبأ بأحد، وبعبث أمواجه المتخبطة التي لا تعني شيئا،رغم أنها تأول بالكثير. لقد كان أسمه هو أول كلمة أنطق بها في حياتي. أول كلمة أدق بها على باب الكلام، الذي ما كاد أن أنفتح أمامي على مصرعيه فأصابتني لعنته، ولم أجد منه مخرجا للصمت حتى الآن.

عندما حكي أبي لي هذه الواقعة -واقعة اول كلمة أنطق بها- من يومين، ونحن نستدعي الذكريات هروبا من بؤس الواقع  كان تعليقي أني نطقت دهشة، فما كان رده إلا إبتسامة هادئة، لحقها سؤال مباغت لكنه معتاد: و أين ذهبت دهشتك الآن؟ أنت أكثر لا مبالي عرفته في حياتي!!
أما أمي فكان لها تعليق عقلاني أكثر بساطة.. إنها ببساطة ترى هذه الواقعة دليلا على الصفة التي منحتني إياها منذ البداية، وهي أني شخص غريب. ففي وجهة نظر أمي أنه من المنطقي والمعتاد والصحيح  والشائع، بل ومن الواجب أن تكون أول كلاماتي "ماما" أو "بابا". لكن نطقي لكلمة بحر كان البداية التي تتنبأ بظهور شخص غريب سيتعب الجميع بغرابته فيما بعد.

و على هامش تلك الحكاية ما بين البحر المدهش وبسمة والدي الهادئة وسؤاله الذي لا أجد له إجابة، وصفة الغريب التى ألصقتها بي أمي منذ البداية والتي لن تتنازل عنها للأبد. لا أفهم دلالة واضحة أو معنى جلي لعلاقتي بالبحر؟؟ إنها فعلا علاقة عبثية للغاية.. ربما فعلا إلتقت عبثية أمواجه وتخبطها في تخبطي في عبثيتي، لنكون فيما بيننا علاقة عبثية ومشوشة على نفس درجة صوته المشوش الذي يزداد في أذني مع الوقت.. أو ربما هذا ما يسموه ببرزخ العبث والذي قد يحدث حين يلتقي عبثان.

فيوضات العبث