السبت، 23 أغسطس 2014

وأصابتني القشعريرة


ربما مررت بمواقف كثيرة زلزلت صخرة قلبي الذي تجمد، وحركت في أحاسيس غامضة لا مسمى لها، ولا وصف لحالاتها. لكن ربما تلك المواقف الثلاثة التي سوف أذكرها فيما يلي هم أشدهم على الأطلاق، فعندما جلست بيني وبين نفسي أنفض تراب العمر عن ما مضى لم يتبادر إلى ذهني بوضوح صارخ وبسرعة كبيرة سوى تلك المواقف.

الموقف الأول: الإيمان
أذكر أنني عندما كنت أمر ببدايات مراحل العصف الفكري بين هراء ما تباين وتراكم من الأفكار والفلسفات المختلفة جلست مع والدي في جلسة نقاشية طويلة أستمرت لأكثر من أربع ساعات متصلة.. حينها قد نفيت له صراحة معنى كل ما يرتبط بالدين أي دين، وبالعلم أي علم، وبالمنطق أي منطق..  نفيت كل الأشياء بجسارة، ووضعته وجها لوجه أمام ردي الممل الكئيب.. أنا لا أعرف، وأعرف أنني لا أعرف، ولن أعرف.. بل صرت أصلا لا أري أن أعرف.. فسئلني بهدوء: ولا حتى ترى معنى لفكرة الله على اطلاقها.. فقلت: وحتى تلك، فأنا لا أعرف.. حينها بكى والدي بكاء لم يطول، و قال لي: ثق في كلامي أنا أعرف أنه موجود.. أنا أعرفه منذ ستين عاما، ومع هذه الدموع التي لا أشك في صدقها تملكتني القشعريرة.

الموقف الثاني: العجز
خالي.. لم يكن خالي فحسب، بل كان صديقي إلى حد كبير رغم فارق السن الذي يجاوز الثلاثين عاما.. خمسة أعوام أو يزيد نعيش حياة العزاب معا بمعنى الكلمة.. نختلف على غسيل الصحون، وعلى نظافة البيت.. وكلانا هارب ووحيد.. هارب أنا كعادتي من أشياء كثيرة لا مجال لذكرها وخاصة بعد سفر أهلي عني مجتمعين.. وهو أيضا ربما كان هاربا من أشياء مغايرة ولكن في ظل ظروف مماثلة.. فلقد كان وحيدا هاربا من سوء زوجته وعقوق أبنائه.. وكان على عكس ما أنا فيه الآن تماما.. مهندسا ناجحا.. مسئولا حكوميا مرموقا.. متواضعا بسيطا شريفا.. دخل المنصب فقيرا، ورحل منه فقيرا، في حين خرج آخرين أعرفهم بملايين مُمَلينة.. كنا أصدقاء جدا نذهب لمناسبات العائلة معا.. نرتدي رباطات العنق المبهجة في الأفراح، ورباطات العنق السوداء في المآتم..  ونعكف سويا على حل مشكلات العائلة وخلافاتها .. كنا فعلا صديقين متفاهمين جدا لدرجة أننا كنا نرتب حياتنا لعشر سنين قادمة.. نتكلم عن مكتب الاستشارات الهندسية الذي سوف نفتحه سويا بعد تخرجي.. هو بخبرته ومعارفه وعلاقاته.. وأنا بجهدي وطموحي حينها.. ولكن بعد كل هذا ظهر المرض ثالثا بيننا فجأة.. مرض خالي مرضا شديد.. سرطان في مرحلة متقدمة.. ليالي من القلق.. مستشفيات.. استماتة .. تشجيع.. أدوية.. مستشفيات.. تحفيز.. وبعد شهور تحسن مفاجئ ومدهش.. تحسن خالي وشعرت، وكأننا أنتصرنا للأبد.. و قرر خالي حينها الذهاب للحج، ففرحت أكثر كون الكابوس انتهى.. وذهب فعلا للحج، لكنه عاد منتكسا، وبدأت الرحلة ذاتها من جديد.. الإستماتة والصبر والتشجيع والتحفيز والأدوية.. ولكن السرطان هذه المرة كشف عن أقبح ما عنده.. الألم.. وكأن وحشا شرسا يأكل إنسانا وهو حي.. هذا تعبير حقيقي وليس بلاغي على الأطلاق لما رأيته في الشهر الأخير قبل وفاة خالي.. رأيت وحشا يأكله بتمعن، وهو حي يتألم.. كان يهذي طوال الوقت من شدة الألم، بل كان في بعض الأوقات يهذي بأسمي.. وفي أحدى الليالي الأخيرة كان يهذي بأسمي هامسا بينما الغرفة ممتلئة بالزائرين، وإذا به يصرخ ألما.. كانت الغرفة ممتلئة.. أمي وأخوتها وزوجته وأبنائه.. وإذا به يصرخ جادا لا هذيانا تلك المرة.. يا خالد أخرج الجميع.. أخرج الجميع.. أريدك وحدك.. فعلا أخرجت الجميع وعدت مرتبكا.. صرخ مجددا.. أغلق الباب.. ظننت حينها أنه ربما يهذي كعادته من الألم.. لم أكن أعرف أنه سوف يضعني أمام قطار عجزي الذي سوف يسحقني بلا هوادة.. عدت وبعدما أغلقت الباب وإذ به يمسك بيدي ويبكي ويهمس لي بصوت أرداه الألم.. أنا تعبت، لم أعد أطيق.. تصرف.. أفعل أي شيء أرجوك، أفعل أي شيء.. حينها ضربتني قشعريرة بقوة أعصار، ونضح الماء تلقائيا من عيني عجزا، وربما كان هذا لقائي الأول مع دموع العجز.

الموقف الثالث: الحب
في فترة سابقة بينما كان الاكتئاب يتلاعب بي لدرجة أن أعتى مضادات الاكتئاب لم تجدي نفعا، وأقوى أنواع المنومات أصبحت تنام وديعة معلنة استسلامها أمام ما بي من الأرق.. كان وجهي ينضح كآبة تزيد عن الحدود رغم البسمة البلهاء التي ألبس قناعها طوال الوقت.. أتذكر يوما لا ينسى خلال تلك الفترة حيث كنت في صالة المطار أقف تائها مشوشا جدا أسمع صوت صفير يشبه الريح يمر في أفكاري من شدة فراغ عقلي وزحامه.. في صفوف المنتظرين كنت أقف في استقبال أخي الذي لم أراه لمدة تزيد عن العام.. وإذ فجأة أجده يهزني من كتفي.. فلقد مر بي ولم أراه، وبعدما تبادلنا القُبل والعناق والأسئلة والأجوبة التي تقال في مثل هذه المناسبات أصطحبته في السيارة متجها إلي بيت الأسرة.. كنت صامتا لا أجد ما أقول، ولهذا رفعت صوت المذياع كي يملأ فراغ هذا الصمت، لكنه بعد حوالي عشر دقائق خفض الصوت.. وسألني بجديته وبساطته المعتادة: ما بك؟؟ تبدو كأنك قد تغيرت كثيرا.. أشعر أنك في خطر ما.. أخبرني ماذا حدث في العام الفائت لتصير هكذا؟؟ لم أفكر في إجابة، لكني فكرت في أنه ربما تكون أمي قد نقلت له بعد الأخبار عني.. ثم قلت لا شيء.. فعلا لا شيء.. أنا أفكر في أن أصير لا شيء.. وكي أوفر عليك طول تفاهة التفاصيل.. أنا طوال الوقت أفكر في شيء واحد هو الانتحار.. لم يقاطعني بالكلام، لكنه أنهمر في البكاء، وقال بكلمات موجزة من غير تفاصيل ولا سؤال.. أرجوك لا تفعل.. فأنا أحبك.. وحينها أنتابتني قشعريرة شعرت من شدتها بأن مقعد السيارة يهتز من تحتي.

الخميس، 14 أغسطس 2014

عن نسيج الحياة وحتمية الميتافزيقا



تخيل كرتين من خيط الصوف الأسود، وكرة واحدة من خيط الصوف الأبيض خصصوا لحياكة ثوب ما. مما لا شك فيه أن الثوب الناتج من نسيج هذه الكرات الثلاث سيكون مائلا للسواد.  بنفس هذا الأسلوب، و بذات تلك الطريقة حيكت خامة الحياة التي نعيشها.. حيكت من ضدية متناقضين "أبيض وأسود" بنسبة تميل إلى أسودهما، ولكن على عكس ما جرت حياكة الثوب جرت حياكة ذوق صاحب الثوب ونفسه.. فكان مطلبه أن يكون ثوبه قد حيك مائلا للبياض، وهنا ظهرت المشكلة بين الثوب وصاحبه "إشكال الحياة".

أن جوهر خامة الحياة ما هو إلا نتاج إجتماع ضدية المتناقضات، لكنه بنسبة كبيرة مال عن التوازن بين الأضداد والمتناقضات لصالح كل ما هو أسود من شر وقبح وظلم وباطل على عكس خامة جوهر نفس الإنسان التي تستحسن كل ما هو أبيض من خير وجمال وعدل وحق.. ولربما لهذا السبب تحركت الإنسانية منذ بداية وعيها إلى ما تريد، فظهرت محاولات معادلة الأمر لإقرار الخير والجمال والعدل والحق؛ كي تصل الإنسانية إلى بياض يرضي رغبتها وغايتها التى طبعت فيها.. ولكن كل المحاولات الإنسانية لم تغير من سوء الحال، ولم تعدل من جور هذا الميل نظرا ﻷن الخلل كان ساكنا في الأساس بحيث لا يمكن تغييره أو تعديله. لقد كان الخطأ مطبوعا في أصل الخامة بحيث لا يمكن معالجته أو تصحيحه. 

وهنا كانت فكرة الله هي المخرج الذي لا فرار منه أو عنه "على اختلاف تفاصيله بين المعتقدات". هكذا كان الله كما أتفق الجميع عليه "دون أن يتفقوا" هو منتهى ومطلق كل خير وجمال وعدل وحق. هكذا كان الله على عظم شأنه وقداسته في العيون والعقول ليس سوى محاولة من صاحب الثوب كي يقتنع بثوبه بدلا من أن يظل عاريا يلسعه قيظ الصيف، وتكويه بردوة الشتاء.

إن الله بصفاته تلك كان ببساطة هو السبب الذي به أرتضينا بالثوب الذي لم يعجبنا، بل ولن يعجبنا. كان الحلم الذي طمحنا إليه ﻷننا لم نجد فيه ما نريد. إنه الجنة التي نتمناها بعيدا عن جحيم الحياة التي لم نقبل بخامتها، ولم نرضى بقوانينها. ولهذا توجب أن تكون مطلقاته تلك هي منتهي ما ينقصنا. ولكن بمرور الوقت،  ولما كانت فكرة الله أيضا لم تصل بنا إلى ما نصبو إليه ونرجوه.. أفترضنا له حياة ثانية وعوالم غيبية ماورائية يقبع فيها كي يعادل الأمر ويوازن هذا الطغيان. هكذا أوصلنا عدم رضانا عن الثوب إلى فكرة الله التى أوصلتنا بدورها إلى فكرة الحياة الأخرى.  

هكذا عاش أكثرية منا هنا راضيين عن هذا التسلسل في انتظار حياة أخرى لا يعلموا عنها أي شيء سوى أنهم سوف يجدوا فيها الثوب الذي تمنوه. لكن نظرا لتباين العقول ظهرت طائفة أخرى من الواقعيين الخائفين على أنفسهم من الإنزلاق في هوة التمني واللهث خلف الأوهام، ووجدوا حلا أخرا طويل الأمد.. ألا وهو محاولة تعلم الحياكة من أجل تصليح الثوب وتعديله وتطويره بالصورة التي ترضينا أو بالصورة التي تُوصلنا إلى معرفة الغاية من قصة الثوب وصاحبه، لكن أيضا لم يصلوا لشيء، بل أشعر أنهم لن يصلوا لشيء فتعلم الحياكة لن يغير شيء. ﻷن الخلل كما قلنا سابقا هو خلل في الخامة وليس في الحياكة. أما صناعة النسيج فهي المستحيل الذي لن يوردنا إلا طريق الجنون الحتمي.
إذن دعونا نعترف جميعا أن الحياة ملائمة جدا لوجود الله بصفاته المطلقة تلك، بل وملائمة أيضا لفكرة وجود حياة أخرى.  دعونا نعترف بأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، ولكن سيبقى السؤال الصعب جدا بعد كل هذا.. هل سيأتي يوم ويرضى صاحب الثوب عن ثوبه؟

فيوضات العبث