ربما مررت بمواقف كثيرة زلزلت صخرة قلبي الذي تجمد، وحركت في أحاسيس غامضة لا مسمى لها، ولا وصف لحالاتها. لكن ربما تلك المواقف الثلاثة التي سوف أذكرها فيما يلي هم أشدهم على الأطلاق، فعندما جلست بيني وبين نفسي أنفض تراب العمر عن ما مضى لم يتبادر إلى ذهني بوضوح صارخ وبسرعة كبيرة سوى تلك المواقف.
الموقف الأول: الإيمان
أذكر أنني عندما كنت أمر ببدايات مراحل العصف الفكري بين هراء ما تباين وتراكم من الأفكار والفلسفات المختلفة جلست مع والدي في جلسة نقاشية طويلة أستمرت لأكثر من أربع ساعات متصلة.. حينها قد نفيت له صراحة معنى كل ما يرتبط بالدين أي دين، وبالعلم أي علم، وبالمنطق أي منطق.. نفيت كل الأشياء بجسارة، ووضعته وجها لوجه أمام ردي الممل الكئيب.. أنا لا أعرف، وأعرف أنني لا أعرف، ولن أعرف.. بل صرت أصلا لا أري أن أعرف.. فسئلني بهدوء: ولا حتى ترى معنى لفكرة الله على اطلاقها.. فقلت: وحتى تلك، فأنا لا أعرف.. حينها بكى والدي بكاء لم يطول، و قال لي: ثق في كلامي أنا أعرف أنه موجود.. أنا أعرفه منذ ستين عاما، ومع هذه الدموع التي لا أشك في صدقها تملكتني القشعريرة.
الموقف الثاني: العجز
خالي.. لم يكن خالي فحسب، بل كان صديقي إلى حد كبير رغم فارق السن الذي يجاوز الثلاثين عاما.. خمسة أعوام أو يزيد نعيش حياة العزاب معا بمعنى الكلمة.. نختلف على غسيل الصحون، وعلى نظافة البيت.. وكلانا هارب ووحيد.. هارب أنا كعادتي من أشياء كثيرة لا مجال لذكرها وخاصة بعد سفر أهلي عني مجتمعين.. وهو أيضا ربما كان هاربا من أشياء مغايرة ولكن في ظل ظروف مماثلة.. فلقد كان وحيدا هاربا من سوء زوجته وعقوق أبنائه.. وكان على عكس ما أنا فيه الآن تماما.. مهندسا ناجحا.. مسئولا حكوميا مرموقا.. متواضعا بسيطا شريفا.. دخل المنصب فقيرا، ورحل منه فقيرا، في حين خرج آخرين أعرفهم بملايين مُمَلينة.. كنا أصدقاء جدا نذهب لمناسبات العائلة معا.. نرتدي رباطات العنق المبهجة في الأفراح، ورباطات العنق السوداء في المآتم.. ونعكف سويا على حل مشكلات العائلة وخلافاتها .. كنا فعلا صديقين متفاهمين جدا لدرجة أننا كنا نرتب حياتنا لعشر سنين قادمة.. نتكلم عن مكتب الاستشارات الهندسية الذي سوف نفتحه سويا بعد تخرجي.. هو بخبرته ومعارفه وعلاقاته.. وأنا بجهدي وطموحي حينها.. ولكن بعد كل هذا ظهر المرض ثالثا بيننا فجأة.. مرض خالي مرضا شديد.. سرطان في مرحلة متقدمة.. ليالي من القلق.. مستشفيات.. استماتة .. تشجيع.. أدوية.. مستشفيات.. تحفيز.. وبعد شهور تحسن مفاجئ ومدهش.. تحسن خالي وشعرت، وكأننا أنتصرنا للأبد.. و قرر خالي حينها الذهاب للحج، ففرحت أكثر كون الكابوس انتهى.. وذهب فعلا للحج، لكنه عاد منتكسا، وبدأت الرحلة ذاتها من جديد.. الإستماتة والصبر والتشجيع والتحفيز والأدوية.. ولكن السرطان هذه المرة كشف عن أقبح ما عنده.. الألم.. وكأن وحشا شرسا يأكل إنسانا وهو حي.. هذا تعبير حقيقي وليس بلاغي على الأطلاق لما رأيته في الشهر الأخير قبل وفاة خالي.. رأيت وحشا يأكله بتمعن، وهو حي يتألم.. كان يهذي طوال الوقت من شدة الألم، بل كان في بعض الأوقات يهذي بأسمي.. وفي أحدى الليالي الأخيرة كان يهذي بأسمي هامسا بينما الغرفة ممتلئة بالزائرين، وإذا به يصرخ ألما.. كانت الغرفة ممتلئة.. أمي وأخوتها وزوجته وأبنائه.. وإذا به يصرخ جادا لا هذيانا تلك المرة.. يا خالد أخرج الجميع.. أخرج الجميع.. أريدك وحدك.. فعلا أخرجت الجميع وعدت مرتبكا.. صرخ مجددا.. أغلق الباب.. ظننت حينها أنه ربما يهذي كعادته من الألم.. لم أكن أعرف أنه سوف يضعني أمام قطار عجزي الذي سوف يسحقني بلا هوادة.. عدت وبعدما أغلقت الباب وإذ به يمسك بيدي ويبكي ويهمس لي بصوت أرداه الألم.. أنا تعبت، لم أعد أطيق.. تصرف.. أفعل أي شيء أرجوك، أفعل أي شيء.. حينها ضربتني قشعريرة بقوة أعصار، ونضح الماء تلقائيا من عيني عجزا، وربما كان هذا لقائي الأول مع دموع العجز.
الموقف الثالث: الحب
في فترة سابقة بينما كان الاكتئاب يتلاعب بي لدرجة أن أعتى مضادات الاكتئاب لم تجدي نفعا، وأقوى أنواع المنومات أصبحت تنام وديعة معلنة استسلامها أمام ما بي من الأرق.. كان وجهي ينضح كآبة تزيد عن الحدود رغم البسمة البلهاء التي ألبس قناعها طوال الوقت.. أتذكر يوما لا ينسى خلال تلك الفترة حيث كنت في صالة المطار أقف تائها مشوشا جدا أسمع صوت صفير يشبه الريح يمر في أفكاري من شدة فراغ عقلي وزحامه.. في صفوف المنتظرين كنت أقف في استقبال أخي الذي لم أراه لمدة تزيد عن العام.. وإذ فجأة أجده يهزني من كتفي.. فلقد مر بي ولم أراه، وبعدما تبادلنا القُبل والعناق والأسئلة والأجوبة التي تقال في مثل هذه المناسبات أصطحبته في السيارة متجها إلي بيت الأسرة.. كنت صامتا لا أجد ما أقول، ولهذا رفعت صوت المذياع كي يملأ فراغ هذا الصمت، لكنه بعد حوالي عشر دقائق خفض الصوت.. وسألني بجديته وبساطته المعتادة: ما بك؟؟ تبدو كأنك قد تغيرت كثيرا.. أشعر أنك في خطر ما.. أخبرني ماذا حدث في العام الفائت لتصير هكذا؟؟ لم أفكر في إجابة، لكني فكرت في أنه ربما تكون أمي قد نقلت له بعد الأخبار عني.. ثم قلت لا شيء.. فعلا لا شيء.. أنا أفكر في أن أصير لا شيء.. وكي أوفر عليك طول تفاهة التفاصيل.. أنا طوال الوقت أفكر في شيء واحد هو الانتحار.. لم يقاطعني بالكلام، لكنه أنهمر في البكاء، وقال بكلمات موجزة من غير تفاصيل ولا سؤال.. أرجوك لا تفعل.. فأنا أحبك.. وحينها أنتابتني قشعريرة شعرت من شدتها بأن مقعد السيارة يهتز من تحتي.

