الأحد، 14 سبتمبر 2014

ليس بوسعك إلا أن تضل


على قدر وضوح تفاصيل المشهد أمامك على قدر ما هو يضللك.. كل تفصيل بسيط يسكن خلفه تفاصيل أخرى مختفية وخلف كل واحد منها تختفي ملايين التفاصيل الأخرى، وهكذا إلى ما لا نهاية.
المكان أيضا يضللك.. الزمان أيضا يضللك؛ لأنك عليهما ستبني بعقلك معاني لا تمت للمشهد بصلة.. المكان والزمان خارج التحكم، وخارج الحصر والحساب.
حتى عقلك الذي يستنتج المعانى، ويستنبط المغزى يضللك؛ ﻷنه ليس شرطا في كل ما نراه وندركه ونسمعه أن يعني شيئا أو أن يكون له مغزى يدرك، لكن العقل لا يسمح أن تمر عليه مشاهد دون أن يأولها ويجد لها تفسير ومبرر حتى وإن كانت تفسيراته وتأويلاته في غاية السذاجة والحمق.. هذه هي سمة العقل وآلية عمله وهذا أكبر عيب فيه، حيث أنه لابد له أن يتدخل في الأحداث ويعطي فيها رأيه حتى وإن لم يطلب منه.
الحواس تضللك فهي لا تنقل الحقيقة كما هي، بل تنقل ما استطاعت أن تنقله منها طبقا لأمكانياتها وحدودها وقصورها وعجزها. حتى الأحاسيس تضللك.. نظام كيميائي معقد يتلاعب بك.. قلبك واقع تحت تأثير مركبات كثيرة لا تعرف الكثير عنها.. الكيمياء تظل صعبة وسخيفة وتفعل بنا الأفاعيل سواء في اختباراتها أو حتى في حياتنا. اللغة أيضا تضللك.. الكلام هو الشرح الزائف الذي نهرب به من لامعنى دواخلنا.. المعنى الذي نخلقه من اللامعنى الذي يسكننا.

كل ما تظنه أنه سبيل أدراك وفهم ووصول ما هو إلا شيء وجد ليضللك.. الوجود ما هو إلا أحد مرادفات الضلال ومفرداته.. الضلال هو الحكمة من كل هذا، بل هو السبب الذي سبق البداية والنتيجة التي تلي كل نهاية.. الضلال أنتجك لأجل الضلال، لتصل إلى الضلال. العدم ذاته ما هو إلا ضلال ضل نفسه، فأوجد بدلا منها ضلالا مضادا هو وجودنا الذي ضللنا فيه، هذا إلى حد جعل شخصا مثلي يقدس الضلال، ويكتب كل هذا الضلال الغير متسق والغير مفهوم والغير مجدي، فقط كي لا يضللك، فتضل.

الجمعة، 5 سبتمبر 2014

الذكريات التي بلا ذكريات


الغرفة باردة (درجة الحرارة على الشاشة الصغيرة لجهاز التحكم عن بعد لمكيف الهواء تكتب بوضوح 16 درجة سليزية). المكيف يعمل بكامل طاقته.. يجأر، وكأنه يقول: أغيثوني.. يسحب برئته الخارجية شهيقا من الهواء الخارجي الفاتر؛ ليمنح الغرفة زفيرا محملا بهواء بارد كثيف جعل منها أشبه بالثلاجة (على حد وصف أمي). لكن ما لا تعرفه أمي أني أجلس في ظلمة حالكة من جحيم الذكريات.. نار الذكريات أحمرت، فأبيضت، فأسودت، فأصبحت ظلاما حالكا (أو كما قالوا). أجزم أن نار كهذه لا ينفع معها أي مكيف.. نار كهذه لا يمكن أن تخمد حقيقة إلا في ثلاجة الموتي.

على صعيد آخر أكاد أشك في أن دولاب ملابسي ليس جمادا كما يبدو للجميع. أشعر بأن له عينان يتابعان خلسة كل ما أفعل، لكنني كلما التفت إليه يعود جمادا كما كان. وهكذا لا أستطيع أن أثبت عليه تهمة التجسس. الأرضية باردة إلى حد كبير أيضاً، لكن أرجوك لا تسئ الظن في تصرفاتي، فأنا بالطبع لم أخالف نصيحة أمي الأولي، ولم أنساها.. أنا لا أمشي حافيا مهما كانت الظروف، حتى على شط البحر اجتهد أن لا أكون حافيا حتى، وإن كلفني هذا ساعات طويلة في تنظيف حذائي من الرمل. لقد عرفت ببرودة الأرضية؛ لأني رأيتها تقلص أطرافها، وتنكمش تحت قطعة السجاد الباهتة.

وبينما يستمر الدولاب في ملاحقتي خلسة، والسجادة في تقمص دور البطانية، والمكيف في ضجيجه، وفي شهيقه، وزفيره.. أستمر أنا بكاملي أنانيتي، وغطرستي، وغلبي أيضاً في سحب الهواء البارد، ونفث الشهيق الساخن المحمل بدخان السجائر الذي يحتضن فراغ الغرفة شوقا، ثم يذوب فيها عشقا؛ لتبقى غرفتي متشبعة بعبق هذا الحب، وعطره الأبدي الذي لا يزول مهما أفرغت أمي من زخات المعطرات، ومهما فتحت من شبابيك لفوضى الهواء، والتراب.. نعم.. فرائحة الحب أبقى من النسيم العابر، و أمضى من كل رائحة الورود.. وأكثر فعالية من كل تراب الأرض.. أما أنا فلازالت في عتمة ذكرياتي أشعر أنني مضطر أن أبقى.. رغم ان الظلمة لا تزال حالكة، ولا تزال أيضا جحيم، ولا أزال لا أستطيع أن أستجمع سطرا واحد مفيدا من أي ذكرى (و لو حتى عابرة)، و لا حتى صورة مشوشة لأي ماضي. وكأنني وصلت لهذا النقطة، وقد نسيت أن أصنع ذكريات يمكن أستعادتها. ذاكرتي فعلا جحيم بظلمة حالكة لا يري منها أو فيها أي شئ.. بعد كل هذا ماذا عساي أن أفعل غير أن أقتل سيجارة جديدة في المنفضة؛ لتطول قائمة القتلى؛ ليستمر العبق، ويتناثر الرماد حرا في كل مكان.

فيوضات العبث