رجل يجلس خلف زجاج نافذة مقهى شهير في صحبة مشروب دافئ.. يمرر نظره على المارين الذين يسرعون في خطوهم إتقاء للمطر، وبينما هو يمرر نظره على المارة يتوقف بنظره عند أحدهم.. يدقق النظر.. يندهش.. يدقق من جديد.. يحدث نفسه: إنه هو أنا من يمشي بين العابرين، ويسرع في الخطو.. إنها خطواتي.. تأخذه الدهشة، ويصبح المشهد أمامه رماديا باهتا من فرط هولته.. يبهت ويبهت، ليعود من جديد واجداً نفسه يسرع في خطواته، والمطر يصيب رأسه ويديه.. يتوقف.. ينظر على الرصيف المقابل، ليجد مجموعة من المراهقين الذين يلهون ويمرحون تحت المطر.. يجد أحدهم يلوح له.. يتأمله، ويطيل فيه النظر.. ليجد نفسه من جديد.. إنه يلوح لنفسه من الرصيف المقابل بينما بعض المراهقين يلهون تحت المطر بينه، وبين الآخر الواقف على الرصيف المقابل.. يتوقف عقله للحظة، ثم سرعان ما يعود للوعي ليجد نفسه في صحبة هؤلاء المراهقين يشاركهم الصخب، والسخرية من بكاء السماء، ومن فتاة تحتمي بيد فتى يحتمي بالحب.. ووسط النكات والضحكات يصمت، ثم يفكر.. يحدث نفسه ساخرا: لقد كنت يوما أنا ايضا احتمى بالحب.. يغيب في الفكرة.. يشعر بدوار خفيف.. يكاد أن يسقط ليجد يد فتاة تمسك به.. يحملق في وجهها الباسم، ويصمت امام سؤالها: ما بك يا حبيبي.. يبتسم.. تحدثه من جديد: أترى هؤلاء الباعة الجائلين هناك.. أنهم يكدحون ببضاعتهم الزهيدة الفاسدة تحت المطر، ورغم البرد.. إنهم لا يطلبون سوى فتات الرزق الذي لا يجود به سائقي السيارات الفارهة التي تغلق زجاجها بضغطة زر في وجوههم.. إنهم فعلا يستحقون الشفقة.. يحول نظره نحوهم، ليجد أحدهم يقترب منه مبتسما؛ ليبيعه وردة.. يقترب أكثر وأكثر.. يصرخ: هذا أنا من جديد.. هاهنا يصمت الجميع.. يتوجهون إليه بنظرتهم المندهشة من صراخه.. الجميع هم هو الذي ينظر إلى نفسه.. الجميع مندهشين منه بنفس درجة اندهاشه منهم، ومن نفسه.. وعندها تضرب العاصفة من جديد، ويدوي صوت الرعد بقوة في الأرجاء.. فيستيقظ جالسا في سريره.. ينظر إلى ساعة الحائط.. السادسة.. لا يستطيع أن يحدد أن كانت صباحا أم مساءا.. يشعل سيجارة، يقوم إلى نافذة الغرفة ليتبين الأمر ليجد كل شئ على ما يرام.. المطر لازال يتساقط حزنا.. المارة يسرعون الخطو، والفتاة تحتضن ذراع فتاها، والباعة الجائلون يستعطفون سائقي السيارات، والمراهقون يلهون تحت المطر ويسخرون، ويرى من بعيد واجهة المقهى الشهير، ومن خلفها رجل يجلس، لكنه هذه المرة لن يدقق النظر.. لن يفكر.. يعود إلى سريره مسرعا هامسا لنفسه: إنها السادسة مساءا.. السادسة مساءا، وحسب..
مقالات أدبية، وإرهاصات فلسفية، وتأملات تاريخية، وأطروحات فكرية، وخواطر شخصية مما جاد به عبث الوجود، وسبكته التجربة الذاتية.
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)
-
صورة للأديب الإنجليزي وليم شكسبير لا أنكر أن أشد ما يستوقفني في مسرحيات شكسبير هي الصياغة اللغوية الشاعرية المحكمة والصور المجازية ا...
-
إن النظر في تاريخ العلم يجعلنا ندرك أن النتاجات العلمية لا تراكم الحقائق المجردة، بقدر ما تراكم ما ندحضه من تصوراتنا عنها. وحتى ...
-
"هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا" عن هذا العدم الذي تنتفي عنه ا...
