الجمعة، 20 فبراير 2015

أنموذج الرقص على السلم


20 فبراير 2015
الواحدة بعد منتصف ليل القاهرة، درجة الحرارة 7 مئوية.
"ربما الشتاء يحاول أن يقدم أفضل عروضه قبل أن يرحل"

رائحة أنفاسها تملأ أنفي. ربما نسيت عطر أنفاسها بأنفاسي. طعم قبلتها يصرخ في فمي المتورم قليلا من فرط شغفنا معا بالقبل وبالهروب. هنا والآن بعد واحدة من أهدى وأعتى محاولة للهروب من حصار أوجاعنا وأوجاع الإنسانية بأسرها، والتي تتكالب علينا معا كل على حدة منفردا. 
من على مسرح الوجع، وتحت بقعة الضوء المزعجة أحدث نفسي فيكم من جديد. المآسي لا تزول بقبلة، ولا حتى بمليون.. واللامعنى لن ينبض فيه معنى، ولو حتى بمليار حضن رحب يتوهج حبا صافيا كالماء.. إنعدام الغاية يأكل كل شئ.. يأكل نفسه للحظات على هيئة النشوة، كي يولد من جديد.

لا بأس عندي أن أتعرى أمام الجميع، ولكني أدرك بأن الجميع لا يهمهم الأمر. فلو حتى ألتفتوا إليه، فأن غالبيتهم يلتفتون من باب الفضول المتسم أيضا بالهروب من حكاياتهم، والقلة الآخرون يلتفتون من باب التأويل والتفسير، وربط ما أكتب بما أفعل؛ كي تظهر لهم حقيقتي ليهاجموني أو حتى ليدافعوا عني. ليس لي حقيقة.. أنا أكتب أي شيء، وأفعل كل شئ بلا أي غاية. لو كانت لي غاية لكان من السهل فهمي بسلاسة ويسر منذ البداية، ولو حتى فقط لنفسي، ولكني فعلا لا تحركني أية دوافع لقول ما أكتب، أو لفعل ما يحدث.. أنا منعدم الغاية تماما كإنعدام الغاية من الوجود.

أنا لست أي شيء.. لست عالما يفهم صنوف العلوم وقوانينها، ولا فيلسوفا يجيد بحث البحث أو فهم الفهم، ولا وجدانيا خالصا منبهرا بحيوية ضوء الشمس، وجنون البحر، وهدوء الليل الذي يضج بالسكون، ولا صاحب دين يحيل الحكاية برمتها إلى عالم ماورائي فيه من العجائب والحلول ما يجعله ملاذا آمنا من شقاء الحياة وهوانها، ولا فنان تناديه جنية موهبته فيسبح في موج بحرها اللجي بقارب إبداعه وتفرده، ولا حتى مثقفا متعمقا له دراية رحبة تسمح له أن يكون وجهة نظر منطقية تربط بين كل ما سبق. أنا ابسط من كل هذا.. أنا بكل بساطة شخص ملول، اندفاعي لإنهاء أي شيء يعادل اندفاعي للبدء فيه.. لم أكمل شيئا واحدا في حياتي. أنا أسرع من يدخل، لكني أيضا أكون دوما أول الخارجين.. أنا أكفأ من ينهي الأشياء قبل حتى رسوخ بدايتها. كل ما فعلته بكل هذا العمر أني تصفحت الوجود بأكمله سريعا كمن يتصفح جريدة كاملة في خمس دقائق. فكرة عامة عن كل شيء، ذلك أن داء السأم الذي يصيبني لن يسمح لي بأكثر من ذلك.

أنا مثال صارخ لفكرة " اللي رقصت على السلم " المعنى الحقيقي لكلمة "شوشرة" كما كان يطلقها علي أبي منذ الصغر. ليس في وسعي أكثر من ذلك.. أن أكون مجرد شوشرة أفكار لشخص يرقص على إحدى درجات سلم في برج مكون من ملايين الطوابق.. أرقص على كل درجة دقيقة، وأنتقل إلى أخرى دون حتى أن أتم الرقص.. كنت شيخا ناسكا، ولم أكمل.. متعلما متفوقا، ولم أكمل.. فنانا ملهما، ولم أكمل.. وجدانيا صوفيا، ولم أكمل.. منطقيا متفلسفا، ولم أكمل.. عبثيا متخبطا، ولم أكمل.. كنت كل شيء بدرجة لم تسمح لي بأن أكون أي شيء.. هكذا أنا وجدت نفسي لسوء الحظ، أو لحسنه.. لا أدري.  ولهذا أعذروني أو فليكن ما يكون على نحو ما قد كان سلفا حيث لم يتغير فيَّ أي شيء، ولو حتى تغير كل شيء.

الثلاثاء، 10 فبراير 2015

الموت


إنه لتصور سيء هذا الذي يفترض أنك سوف تموت، ويتعفن جسدك ويتحلل، بينما تبقى روحك موجودة لتتابع هذا المشهد، ولكن ما أمر به يجعلني لا أكترث لكل هذا الهراء؛ ﻷنني في السنوات القليلة الماضية مررت بما هو أسوأ، حيث أنني عشت نفس التصور بشكل معكوس. مت وتعفنت روحي، وتحللت بينما بقى جسدي حاضرا فقط ليتابع المشهد. وبرغم مأساوية طرح كهذا إلا أنه يبقى للموت مزايا كثيرة تستعصي على الحصر. 

إن من صفاء لون الموت، ونقاء خامته، وجودة معدنه أنه هو الشيء الوحيد الذي لا يُحسد رغم كل هذا التناحر الذي يملأ العالم، وبرغم كل هذه الضغائن التي تضج بها النفوس.  فحتى وإن كنت محموما بالحياة لدرجة تتمنى من فرطها راحة الرحيل. أو أعياك الوجود لدرجة أنك ترى في العدم نعيما مطلقا لا يضاهى. أو أصبحت الدنيا فوق صدرك حجرا جاثما لا تستطيع إزالته ولا تجد حيلة مع مسببه، ولا تستطيع موتا تحته. حتى وإن أصابك ما أصابك من عذاب، ومهما لحق بك من أذي لا يطاق جعلك تتوق إلى نعمة الموت.
إذا أختطفت راحة الموت روح أحدهم أمامك دونك. لن يستطيع سهم الموت الطائش على قربه منك حينها أن يحرك في نفسك شيئا من الحسد تجاه من فاز بمقعد الموت دونك أو أن تتحرك في قلبك ضغينة لمن تقدم عنك لتتأخر. إن أقصى شعور ممكن أن تفعله مع الموتى هو أن تغبطهم على فوزهم دون فوزك وعلى راحتهم دون راحتك؛ لأنك مهما حاك في نفسك من زوال نعمة الموت عنهم، فإن الموت لا يزول. إن الموت يا عزيزي هو النعمة التى لا تحسد والتى غفل عنها البشر وكرهوها نظرا لأنها الحق.  وما أكره البشر للحق، وما أبعدهم عنه وعن رحابه. إن الموت هو الفوز العظيم الذي يعلمنا دروس الغبطة رغما عن سوءة نفوسنا وسوءها وضغائنها.

فأعلم أن الموت هو الحق الذي يفتح به باب كل حق، وهو الصدق الذي يفر منه الكذبة اللاهون الملتهون عنه بقبح زيف معناه، وبزيف حسن حياة عاهرة تنضح بالقبح، وتصرخ بالبذاءة والدناءة.

فيوضات العبث