بجسد نهم لا يشبع، وبقلب متخم ثقيل لا يكاد ينبض، وبروح تتلاشى أو تلاشت أنا هنا الآن عقلي يرتجف كلما حدقت عيناي في فكرة التحلي التي أدرك جيدا أنها لن تفضي إلا لمزيد من التخلي. كلما أرتقيت دنوت في معراج سحيق.. النوم يغلق الأبواب دوني.. أنا لا أود أن أتمادى يقظا حد التهلكة.
الحقيقة أني لا أمتلك سنتيمترا واحدا من هذا الهلام المسمى "نفسي" رغم أني أظن أن هذا الهلام المبهم يمتلك كل شيء مني رغما عني. ربما هذا لا يعني أكثر من أني لست سوى مجرد شخص هوائي مزاجي متقلب ملول طبقا للفحوصات السلوكية التي أخضعتني لها طبيبتي النفسية التي تقتات على أوجاع أمثالي وأوهامهم. ربما درئا للسخط الذي يطاردني أضطر إلى أن أعمل مواصلا الليل بالنهار في سبيل جمع ثروة طائلة أتبرع بها في النهاية لأحدى منظمات الرفق بالحيوان أو حتى أتبرع بها لطبيبتي النفسية مقابل أن تغلق عيادتها، وتكف عن تحمل ثرثرة البائسين اليائسين؛ لأجل بضع ورقات مالية حقيرة من فئة المائة والمائتين.
الليلة سمجة للغاية تتمادى في البطئ، وكأنها وقفت في وجه الزمن لا تريد له أن يمر. مسطحا فوق الفراش متعبا يتملكني أرق قاس لدرجة انني كدت أن أقبل رجل السرير كي يسمح لي بأن أنام، ولكن النوم كان يرفضني بشدة، وكأن بيننا ثأر قديم. كنت كلما بصق الملل في وجهي مستمعنا في أهانتي وإذلالي أشعل سيجارة جديدة إلى أن فرغت العلبة تماما، وامتلأت المطفأة بالأعقاب المنثنية المفروكة بغل.
ولكن ما خطر لي من الذكريات كان يؤكد لي أن الرحلة تمضي، وتلك مواساة عظيمة تجعلني أبتسم كلما صادفتني ذكرى عابرة أو أعترضني ماضي غابر.
على أعتاب انتصاف العمر رغم أمراضي المزمنة وضجري وأرقي وتلاشي صبري ولامبالاتي وخيباتي إلا أني أشعر أنني لا أزال عندي ما يبدده الوقت، وتستهلكه مرارات التجارب.. لا أعرف تحديدا كنه هذا الشيء المتبقي إلا أنه موجود ويحفظ لي شبرا أحجزه بين قدمي في هذه المهزلة التي لا تورق أحد، وتؤرقني.