الأربعاء، 3 أغسطس 2016

شيطان السياسة الرجيم

لا شك أن السياسة تستطيع أن تمتطي ظهر كل نتاجات الحضارة من أجل أن تبرر قذارتها. الأمر لا يتعلق فقط بالتلاعب بالأفكار الأصولية الدوجماتية التي تكرس للعبودية كأساس لها بين الجماهير. نازية هتلر مثلا لم تتأسس على أية أبعاد أصولية أو دينية بل على العكس تماما كانت التنقية العرقية مبنية على نظرية علمية "نظرية التطور" لداروين، و فلسفة "السوبرمان" لنيتشه.

وبالطبع أتفهم جيدا طرحا كالانتخاب الطبيعي في ضوء نظرية التطور بعيدا عن هذا الالتواء النازي تماما، كما أتفهم نوعا ما فلسفة نيتشه التي أرها ليست عرقية بهذا الشكل الدموي، وإن كنت أراها جامحة بعض الشيء. ولكن ما أردت قوله أن السياسة في النهاية تبقى هي التطبيق الحاكم القذر المتلاعب المستغل لكل الأفكار والظروف سواء دينية أو فلسفية أو حتى علمية.

 والأمر لا يتوقف عند هذا الحد من التلاعب بالأفكار، بل يتجاوز ذلك للتلاعب بسيكولوجية الشعوب عن طريق استغلال غريزة الخوف فيهم من خلال جدلية خيار الأمن أو الحرية. فالخائف تحت وطئة خوفه لن يكون حر ولا واعيا أبدا، ولهذا لا أجد ثمة دهشة عندما يلبس الخائفون قيد القمع السياسي طوعا ويبرروه، أو يهرلون إلى السجون عن طيب خاطر ويجدون في ذلك منطقا عظيما، أو حتى يتغنون بحياة الديكتاتور، ويرقصون على لحن طغيانه المستبد حتى وإن سحق كرامتهم، وأنتهك آدميتهم، حيث أنهم ببساطة يظنون أنهم بمثل هذه الطريقة يسددون كلفة الأمن الباهظة التي تسوقها لهم السياسة الاستبدادية من خلال سؤال مغلوط جدا وشائع ألا وهو: ما قيمة الحرية أن بات الجميع مهدد وغير آمن؟؟

البشر عموما جبلوا على الخوف، بل أن دافعهم أصلا لبناء الحضارة والنظام كان هو الخوف. أن أولوية الخائفين الأولى هي الأمان المتمثل في الحفاظ على النظام الذي ألفوه حتى وإن كان نظاما ديكتاتوريا مستبدا فاشلا. إن تبرير القمع والقهر ما هو إلا وسيلة وحيلة دفاعية لا إرادية تقوم بها المجتمعات، وخاصة القطاع العريض من البسطاء عندما يتهدد أمنهم واستقرارهم. أو حتى عندما تلوح في الأفق أي بادرة من بوادر التغيير للنظام الذي كفل لهم الأمن الذي تأقلموا عليه حتى وإن كان أمنا منقوصا وفاتورته باهظة من حساب حريتهم وكرامتهم. إنهم ببساطة لن يغامروا بهذا المقدار المنقوص الموجود فعليا من أجل مقدار أكبر هو في علم الغيب حتى وإن اشتمل على الحرية ومنع القهر والقمع. أن المغامرة من أجل الحرية بالثورة تحتاج جنونا بالأساس غالبا ما يكون دافعه الغضب الذي لا يدرك فيه الناس ما يفعلوه؛ لأنهم لو أدركوا ما يفعلون لأخمدوا ثورتهم بأيديهم. 

ولا تكتفي النظم السياسية باستغلال غريزة الخوف الإنسانية الضعيفة تلك فقط من أجل بقائها وتسويق نفسها، بل تنمي في جموع شعبها مشاعر شوفينية متطرفة تدفعهم للموت زمرا تحت لواء قيم مطاطة ومعاني فضفاضة مثل الوطن والأرض وغيرها من تلك المهازل التي يحسن الاستبداد استغلالها أحسن استغلال كي يواري بها سوءة فشله في تحقيق الأمن ناهيك عن الحرية التي أهدرت تماما من أجل هذا الأمن المنشود. هنا يأتي دور الجموع المغيبة من جديد لسداد مزيدا من كلفة وجود هذا النظام الذي يستعبدهم. كلفة من الجوع والصبر والكد والعرق والدم من أجل بقاء النظام.

تلك هي الحقيقة التي لا تعلمها الجموع تحت وطئة خوفهم، واستغلالهم الممنهج المدروس من قبل سياسات لا تتورع من أن تستغل كافة الظروف والأفكار من أجل بقائها وبقاء مصالحها. فوالله ما حدثوهم عن حرمة الأرض والعرض إلا ليموتوا أولا، و يأخر هؤلاء المستغلين ساعة موتهم. أي أرض وأي عرض هذا الذي يدفع صاحبه أن يكون أما قاتلا أو قتيلا. ما نفع الأرض والعرض إذا ما تم تركها لمثل هؤلاء الحمقى الجبناء المستغلين. ففي الحقيقة هم لا يدفعونكم دفعا لتموتوا إلا ليأخذوا نصيبكم من الأرض، ويحل لهم هتك عرض ليس له صاحب بشكل شرعي مقبول. الأرض لا تفهم كل هذا الهراء الفارغ. والوطن مجرد كيان اعتباري ليس له طلبات.. هاهي الأرض لا تستحي من أن تأكل أجساد من ماتوا من أجلها، ولا تخجل حتى من شرب دمائهم. هاهو ترابها تحت الأقدام يدهس بالأحذية، ولا يعطي خيره إلا لهؤلاء الجبناء المستغلين. هذا التراب الذي نمسحه من على أحذيتنا ليس أكثر من هؤلاء الذين ماتوا لأجل الأرض يوما ما ظنا منهم أنها تستحق. ما أبخس عمر الانسان عندما يدفعه ثمن لتراب بخس كهذا، يمسحه الناس بتأفف من على أحذيتهم. أي مستغل دنيء هذا الذي أقنع كل هذه الجموع بهذه الفكرة، بل أي محتال عبقري، بل أي شيطان رجيم؟؟ لا شك أنه شيطان السياسة الرجيم الذي يعتلي ظهر الجميع بسلطان الزيف والاستغلال والتلاعب.

فيوضات العبث