![]() |
| صورة للفيلسوف نعوم تشومسكي |
مقدمة:
عندما سئل الفيلسوف الأمريكي نعوم تشومسكي عالم اللسانيات المشهور، كيف نشأت اللغة؟
أجاب باختصار أن طفرةً جينية ما حصلت عند إنسان سماه بروميثيوس Prometheus قبل حوالي 100,000 سنة كانت السبب الذي ظهرت به اللغة فجأةً.. ولا شك أن كلمة "فجأة" لا يمكن فهمها بسهولة احتكاما لفكرة التطور والطفرات التي هي قائمة أصلا على مبدأ التراكم.. نعم الطفرات تظهر فجأة.. ولكن كيف نطق الإنسان الأول أول مرة، وكيف فهمه إنسان آخر أيضا فجأة.. وكمحاولة لفهم هذا التصور اعتقد أنه علينا الاحتكام إلى آلية داخلية تعمل داخل الإنسان إلا وهي المشاعر.. وهذه الكلمات التي سوف تقرأها هي محاولة متواضعة مني لفهم هذا الفجائية من باب أن المشاعر الإنسانية تطورت في الإنسان قبل ظهور اللغة.
لا شك أن أي مصادفة مهما كانت درجة استحالتها تظل أحتمالا يقيني الحدوث في حال لانهائية الاحتمالات، ولانهائية المقياس الذي يتم به حساب عدد المحاولات. وطالما ظل هذا المقياس مفتوحا بشكل لا نهائي، فإن تراكم نتاجاته، وتعقيد مخرجاته يقلل بطريقة ذاتية من احتمالية إيقافه.
بشيء مما سبق أعتقد أنه يمكن إثبات وجود مستحيل كالعدم نظريا، وتبرير وتفسير الوجود كنتيجة تفاعلية له، بل واعتبار الوعي كحتمية وجودية لهذا التراكم. باعتبار أنه مع كل احتمال يحدث تزيد فرصة هذا التغيير المطرد وتصارعه وتسارعه وتطوره وتعقيده.
لكن رغم كل هذا تبقى اللغة الناجمة عن الوعي صعبة التصور والتفسير أكثر من الوعي ذاته، حيث أنه لولا ظهورها من الوعي لتدنى الوعي، بل وتبدد بمرور الوقت. فكيف إذن طور الوعي مصادفة هذه الأداة التي تحفظه من التراجع والتدني؟؟
وفي محاولة للإجابة.. أعتقد أنه لا يمكن تفسير ظهور اللغة بمعزل عن المشاعر.. أو بالأحرى وعي الإنسان بالخوف، حيث أن الخوف كماهية إدراكية بدائية تجتمع فيه عموم المشاعر البدائية للإنسان من حيرة ودهشة وألم.. وكي أكون أكثر تحديدا لم يكن الخوف ذاته هو الدافع الأصلي للكلام، بل كان شعورا مركبا أكثر تعقيدا نجم عنه ألا وهو "الحزن".
إن الحزن كسمة خاصة جدا وفريدة ومتطورة للأنسان دون غيره من الكائنات هو ما أنطق الأشياء في وعيه؛ لينطق بها دفعة واحدة كطفرة لم يسبقها الكثير من التفاصيل والتغييرات. فرسوخ الحزن كمعنى أصيل في نفس الإنسان -حتى وإن لم يعي عمق فلسفته حينها- كان هو النقطة التى أبتدأ منها ضجيجه بالكلام كسلوان وعزاء.. ومنه تطور وعيه متسارعا وصولا للتدوين، ومنه لما نحن عليه الآن من تراكم المعارف.
نعم تبدو مآلات الأشياء أكثر تعقيدا من كونها وليدة الاحتمال والتراكم.. ولكن بتتبع دؤوب صبور للعدد اللانهائي للاحتمالات ولانهائية مقياس عدد المحاولات حيث أزلية الوقت والمكان.. يمكن فك التشابك، وبناء تصور طبقا لمنهجية العقل في حدود قدرته وإمكاناته وسقفه.. وتبقى مثل هذه التصورات هي أفضل محاولات التفسير الممكنة رغم قصورها وعدم تماسكها، ولكن مع الأسف لا سبيل سواها.

