الأحد، 12 مايو 2019

رأس مثقل بزحام فارغ



مختلي.. خالي.. متخلي.. رأسي يعبق بفراغ محموم أكثر كثافة وجساءة من هذا الذي يحاوطني، ولا يشاركني فيه أحد. فراغ يذخر بالتفاصيل التي لا أدري كيف ومتى ولماذا صرت أغض الطرف عنها، وكأنها غير موجودة في رأسي، ومن حولي. لا أعرف تحديدا كنه هذا الشيء الذي قادني إلى تلك الفجوة.. لا أعرف، ولا أريد أن أعرف، ولا أريد حتى أن لا أريد. 

مكتفي متشبع ساكن متشبث بأذيال تلك اللحظة التي تجرني من خلفها بسرعة خاطفة متلاطما عقلي بشتات الأفكار والصور والمعاني. ربما في محاولة يائسة منها لإيقاظي، أو قل في محاولة بائسة منها في فواتها، وإثبات نفسها في دفتر الماضي الذي يطوى كل شيء. 

غريب جدا شعور أن نلاشي أنفسنا بأنفسنا. أن نتوحد وكأننا معدومي الوقت والحيز حيث الآن هو الماضي والحاضر والمستقبل، والأزل هو الأبد هو اللا وقت. والمكان مجرد أضغاث صدى لهذا كله.

أعرف أني لا أملك شيئا سوى رأس مثقل ينوء به الجسد. يعضلني حمل هذا العبأ. على الطاولة أفرغه تماما. تتهاوى محتوياته لتملأ الطاولة.. فالغرفة.. فالبيت.. فالوطن.. فالعالم.. فالكون.. فالوجود. رائحة موسيقى عبقة كثيفة تفوح مما يتساقط.. آهات في خلفيتها تتعانق لتذوب.. أسماء تتداعى لتتلاشى.. برك من الخيبات.. شكوك تترنح.. ظنون تتراقص.. أفكار مبتورة.. مشوشة.. هراء يتنامى سرطانيا بجنون.. آلام بنكهة شجية تبعث السكينة.. عبث ممنطق أو يحاول.. فلسفة كئيبة تبتسم في بلاهة.. حقائق تبعث لتموت.. أشياء لا أعرفها.. أماني لا تصدقني.. مثالية حائرة من مثاليتها.. شهوة تشيب.. واقعية تستمني.. صحف تتطاير.. حب للذات.. كره لهذا الحب.. ثم حب لهذا الكره.. تاريخ ينساب لا على حقيقته، ولا على حسب الكتب.. ينساب كما لا يشاء.. عدم يغمض عينيه عني، وعن الأشياء.. مشهد للمكان يغتصب الزمان.. وجود يدور كعملة معدنية سقطت لتوها ترن دون توقف.. تعاويذ مخيفة تهدأ روعي.. تراتيل تلهو بالآلهة جميعا دون تفرقة.. نسيان ينبض في الأشياء.. ثقوب من الحمقى.. أساطير لا تصدق نفسها.. أوهام مصابة بالفصام.. كثير من الشعر المكسور المنسي القوافي.. أرقام غير معينة.. صورة فوتوغرافية مشوهة للكون.. أخرى زيتية ضبابية للحب.. وأخرى سيريالية للموت.

هل بعد كل هذا خف هذا العبأ؟؟؟ بالطبع لا، فقد أصابت اللعنة كل ما هو خارج عني.. لوثته بقدر ما لوثني، وانصرفت لتتابع عملها في السديم لتثقل مزيد من رؤوس الآخرين. كل رأس بدورها تفعل هذا، وكأن لا شيء يصلح من أمر رأس أي إنسان سوى المقصلة.

فيوضات العبث