ما أشبه كل مساعي الحياة بمفارقة "مينو" الشهيرة.. حيث أننا فعلا لا نبحث عما نعلم، ولا نستطيع أن نبحث عما لا نعلم. حيث في الحال الأول لا ثمة داعٍ للبحث، وفي الحال الثاني لا جدوى من البحث حيث كيف لنا أن نعرف أن ما وجدناه هو ذاته الشيء الذي لم نكن نعلمه؟؟
إذن كل ما تراكم من معارف هو ملهيات عن إجابات الأسئلة الوجودية التي دفعتنا أصلا للتساؤل، بل أنه هناك أصلا سؤال سابق حتى على على كل أسئلة مبحث الوجود الرئيسية.. وهو سؤال يختص بمبحث المعرفة ذاتها.. وهو سؤال إمكانية المعرفة من عدمها.. فلو كانت المعرفة غير ممكنة فإن كل هذا البنيان المتطاول ما هو إلا هباء أساسه الخواء. ويبقى الإشكال أن الإجابة القائلة حتى بإمكانية المعرفة لا تستطيع أن تدحض الاحتمال الأول القائل بعدم امكانيتها واستطاعتها، حيث إن الإجابة بالإثبات ما هي في أحسن أحوالها سوى فتح باب للأسئلة التي لا تنتهي. إنها لا تستطيع بأي حال أن تنفي إجابة النفي الصارخة تلك بشكل قاطع. إنها ببساطة فقط مجرد أجابة على هيئة تساؤل لا نهائي ممتد لا جواب قاطع عليه، ولا هدف منه، ولا طائل منه أو فيه.. محض عودة جبرية للوقوف في الرمادي اللانهائي بين لا ونعم.
إن حجم الأشياء التى لا نفهمها في الكون يتناسب طرديا مع حجم محاولات فهمنا الجاد لنفس ذات الأشياء. كلما حاولت أن تفهم وأجتهدت في ذلك لن تفهم أي شيء، بل ستخسر ما فهمته قديما عندما كانت محاولاتك للفهم أقل دقة، وأكثر سطحية.. ولذلك ستجد أكثر الناس راحة هم من لا يحاولون الفهم من الأساس. هؤلاء الناس يظنون أنهم يفهمون كل شيء بطبيعة الحال.. رغم أنهم بالأساس خارج دائرة الفهم، ولم يحاولوا دخولها قط.
إن محاولاتك الجادة لفهم الأمور هي الوجه الآخر من تصميمك الجاد على أن لا تفهم أبدا. باختصار أنت لست أكثر من مجرد ساذج مدفوع بفضوله. فحتى لو عرفت الحقيقة؛ لظللت تبصق في وجهها حتى مت عطشا.