لا أدري لماذا كلما مرت الأعوام بصق القدر في وجه الثورة متشفيا، وكأنه يسخر من المحاولة. إنه يحيل كل محاولة للخروج من قدر المأساة المحتوم إلى قدر أكثر مأساوية وخرابا.
يبدو أن الحرية والعدل وكافة تلك القيم المزركشة بالنبل والسمو ليسوا أكثر من سذاجة طفولية بريئة تخص أمثالنا من الحالمين الهاربين من حقيقة الواقع بأمانيهم المستحيلة.
والأمر هذا لا يتعلق فقط بالثورة أو بالشأن السياسي أو بالوطن أو حتى بالوضع الاجتماعي. أعتقد أن هذه الفوضى مجرد سنة كونية، وطبع دنيء من طباع الحياة المدموغة فيها، حيث كل محاولة لتحسينها لا تزيدها إلا سوءا وخرابا.
خيالات اليوتوبيا اللطيفة تلك مجرد معضلة تخص أصحابها لا علاقة للواقع ومعطياته وتفاعلاته بها. ففي وجود يغرق في الفشل لن يُسمح إلا بثورات فاشلة تضر أكثر مما تنفع. تلك هي الحقيقة القدرية للوجود. وإذا كان القدر أرعنا مخنثا مثقوبا إلى هذا الحد فبما يجدي النفخ، وبما تجدي المحاولة؟!
الحياة سباق محموم في القذارة. تمارس فيه جموع المدنسين الغفيرة كل حيل قذارتهم على حفنة الطيبين المشرذمة، فقط ليكونوا مثلهم، كي لا يعلو صوت فوق صوت الدنس.
فطوبى إذن لمن يمرون من الحياة، وكأنهم لم يمروا. حيث لا أثرا تركوا، ولا بدنس خرجوا. والويل كل الويل للملطخة قلوبهم بالحياة.. المتكالبين على الهباء، وهم هباء.
