هنا والآن.. عالق في المنتصف. كلما يممت صوب بدايتي أبتعدت.. أبتعدت، وحين انتهيت وجدتني هنا والآن أمضي صوب نهايتي حيث البداية من جديد هنا والآن.
أدير ظهري للوجود الذي لطالما أدار ظهره للجميع. بعدما يزول صخب الافتتان لا نرى إلا انسياب العمر. الوقت يحفر قبره بيديه طوال الوقت، بينما العالقون لا يزالون يحاولون جبر شرخ حقائقهم المتآكلة بالإيمان. لا يوجد ثمة حقيقة واحدة سلمت من هذا الشرخ الضارب في أعماق أعماقها، ولكن كل يختار السردية التي يظن أنها من اختياره.. يصلحها ببعض من الإيمان، يخفي شرخها بشيء من يقين الجهل، ويمضي كما الجميع حيث اللاسردية.. بعيدا بعيدا داخل أعماق هذا الشرخ الكبير، فلا يعود. لا ثمة شيء في وجه هذا العبث العابس يشفي الغليل سوى خرافات تزيد العطش، وتدفع بالأقدام طوعا لتوردها حيث فرت.. لا شيء يستطيع أن يخرج من الدائرة، ولا حتى اللاشيء ذاته.
في الحقيقة لم أعد أكذب أيًا من الروايات، ولا حتى تلك المفرطة في خزعبلاتها. ربما تبعثر طالعي المتعثر في ثفل قهوتي المبعثر على جدران فنجان مقهى مزدحم شرب منه قبلي ملأ عظيم. ربما تكدست كل دروبي المضنية في خطوط كفيَّ المتعرقة. ربما حتى ضجري ناجم عن دوران نجم ما لا يدري عني أي شيء. الراوية الوحيدة التي لا أستطيع أن أستسيغها هي أنني سوف أحاسب على هذا العذاب الوجودي الدنيوي الذي ألاقيه هنا. سأحاسب على صراخي منه، وألمي فيه مرة أخرى؛ لكي أعذب من جديد، وكأن المطلوب أن أعذب هنا راضيا مطمئنا خاضعا دون ثمة ضجر أو تأوه أو سخط أو حتى تأمل أو سؤال.