الثلاثاء، 16 يونيو 2020

الحياة فرصة عظيمة أم ورطة مزرية؟؟

من بوسعه أن يعرف إذا ما كانت الحياة فرصة عظيمة أم ورطة مزرية؟؟ من باستطاعته أصلا أن يفرق بين ما هو نقمة، وما هو نعمة؟ مشكلة الإنسان أنه يعظم دائما من شأن محاولاته، وهذا فقط من أجل أن يظل يحاول، حيث الحياة بمجملها ليست أكثر من محاولة مرهقة وجبرية لا فكاك منها.

مآلات الأشياء المخزية كانت لتجعلها لا تبدأ من الأساس، لكن شيئا ما سبب خللا شديد سمح بحدوث ما يحدث على نحو ما هو حادث. ربما فضل الهوموسبين الإنقراض الطوعي لو علم بهذا الموئل الذي نحن فيه الآن.. الوجود ذاته ربما تعطلت أسبابه فيه لو كان على علم بنتائج تلك الأسباب. ربما العدم الآن يدمي أصبعه ندما كونه تفلت منه هذا الوجود عبثا. ولكنه العمى المسمى الغيب هو دافعنا جميعا لنكون، حيث لا يفيد الندم، ولا يجدي الألم. 

والغيب لا يعني المجهول كما قد يشاع، إنه ببساطة لا يعني شيئا سوى الاحتمال.. الاحتمال الذي نتفائل فيه دائما بأن يكون على قدر آمالنا وأحلامنا وطموحاتنا، لكنه بمرور الوقت لا يكون، ولا نكون، بل يستحيل مثلنا إلى هاوية لا قرار لها من السوء المفعم باليأس والخيبة والإحباط الملغم أيضا بمزيد من الغيب المستغرق في الاحتمال.. هكذا تستمر اللعبة.. هكذا تبوخ، ورغم ذلك أبدا لا تتوقف حيث الخلل الذي أحدثها لا يستطيع أن يصحح من نفسه.

يقولون في الأثر لو علمتم الغيب لاخترتم الواقع.. وهذه عبارة أفعوانية بامتياز لأن دلالتها الحقيقة لا تنبأ إلا بسوء الطالع وفداحة المستقبل واللذان يجبرانا على اختيار الواقع حتى وإن لم يكن على مستوى الطموح.. ولكن عكس ذلك تستدعيها الألسن، وتلوكها الأفواه، وذلك على نحو ميتافزيقي يجعل الغيب احتمال مدرك من وراءه حكمة ومغزى وغاية.. وأنا لا أريد أن أنساق نحو جدل يحوم حول وجود حكمة لا نعرف منها غير غيابها، وغاية لا يستيبنها أحد، ومغزى لا يمكن الوصول إليه.. ولكن يبقى سؤال ما قيمة الحكمة طالما لا نعرفها؟ وما جدوى الغاية إذا لم نستيبنها؟ وما نفع المغزى إن لم ندركه؟

الاثنين، 8 يونيو 2020

أبطال ‏وليم شكسبير ‏الحقيقيين

صورة للأديب الإنجليزي وليم شكسبير

لا أنكر أن أشد ما يستوقفني في مسرحيات شكسبير هي الصياغة اللغوية الشاعرية المحكمة والصور المجازية الكثيفة التي تجري على ألسنة الأبطال، والتي تستطيع أن تحتفظ بنفسها متماسكة ومبهرة وبارقة رغم ترجمتها للغات عدة. بل أنني لا أبالغ إذا قلت أن اللغة هي البطل الحقيقي لشكسبير قبل الشخوص والأفكار والحبكة والترميز والبناء الدرامي، حيث تستطيع أن تخرج من كل مسرحية بعدد كبير من الاقتباسات الملفتة العميقة، والتي من الممكن استخدامها واستداعائها في مناسبات حياتية كثيرة بعيدا عن شخوص قائليها. ولا غبار عندي أن اللغة واللغة وحدها هي من جعلت شكسبير شكسبير.
ولكني رغم أجلالي الشديد للغة شكسبير الجزلة الفخمة وتصويراته البلاغية المحكمة أقف بنفس الأجلال والتقدير لشخوص بعينها من أبطال مسرحياته. والمدهش بحق أن تلك الشخوص التي استوقفتني ليسوا أبطال المسرحيات أصحاب الأدوار الأولى، بل شخوصا من أصحاب الأدوار الثانية والثالثة بل وحتى الثانوية من حيث حجم أدوارهم. ولكني رغم هذا أجد لهم حضورا طاغيا يعكس جهدا فكريا جبارا من حيث التشخيص والكتابة واللغة والترميز جعلهم هم الأبطال الحقيقين للحبكة والموجهين لدفة الأحداث. وتلك أيضا أحد  أهم سمات هذا الكاتب العظيم من وجهة نظري ألا وهي الاهتمام بالشخوص أيا كان حجم أدوارها أو الهدف من استداعائها لتوجيه سير الأحداث والحبكة. ولكي اوضح ما أرمي إليه سأذكر بعض من تلك الشخوص الذين أراهم حاضرين في أشهر مسرحياته كأبطال محركين للأحداث، رغم أنهم ليسوا الابطال الحقيقين لتلك المسرحيات.

وأول تلك الشخصيات هو كاسيوس في رائعة يوليوس قيصر.. ومما لا يخفى على أحد أن مسرحية يوليوس قيصر هي ملحمة تراجيدية تحكي عن تلك المؤامرة التي حيكت لاغتيال قيصر. ورغم أن دور البطل الرئيس الذي تدور حوله الأحداث هو يوليوس قيصر والبطل الآخر المواجه له على الضفة المقابلة للقصة هو بروتوس صديقه زعيم المتآمرين إلا أنني أجد شخصية كاسيوس هي الشخصية التي تحرك الأحداث من أولها إلى نهايتها.. كاسيوس هو صلب القصة تماما وعمود خيمتها بحقده وحسده وحنقه وحيله البليغة في الأقناع، والذي لولاه لما ظهرت المؤامرة بهذا الشكل، ولما خرجت تلك المأساة التراجيدية على هذا النحو من الإحكام والروعة. إن كل كلمة يقولها كاسيوس منذ وسوسته الأولى لبروتوس إلى لحظة انتحاره في النهاية هي الخيط الحقيقي الذي تنتظم فيه كل الشخوص والأدوار لتظهر لنا تلك المأساة بنظمها الفريد المبهر، وبحبكتها المحكمة اللافتة. 

وبنفس الطريقة التي تحدثنا فيها عن كاسيوس في مسرحية يوليوس قيصر نجد شخصية إياجو في مسرحية عطيل.. وإياجو هو صورة مجردة للشر والغيرة من سيده وقائده عطيل ذا البشرة السوداء والغيرة الشرقية الخالصة.. يتلاعب إياجو بجميع شخوص المسرحية بطريقة تسمح للأحداث إن تنساب بسلاسة وفق مخططاته المحكمة.. وبهذا التكنيك المسرحي الذي يستخدمه شكسبير مع شخصية إياجو تكنيك -الحديث إلى النفس- يجعل شكسبير من إياجو هو البطل الحقيقي للأحداث.. ففي كل خطة يسرها إياجو إلى نفسه يتواطئ المشاهد في انتظار تحقيقها من جانب بقية الأبطال على خشبة المسرح إلى أن يسقط ٱياجو في النهاية بيد زوجته التي تكشف حيلته.

أما الشخصية الثالثة وبحجم دور أقل كثيرا مما سبق، رغم أن تلك المسرحية هي واحدة أطول مسرحيات شكسبير على الأطلاق من حيث الحجم نذكر شخصية الشبح في مسرحية مأساة هاملت. حيث أن الدافع الحقيقي لانتقام هاملت من عمه الذي قتل أبيه، وتزوج أمه، واستولى على العرش هو ذاك الشبح الذي ظهر له ليخبره بذلك. من عند هذا الشبح -والذي جعله شكسبير يحمل نفس أسم البطل هاملت- تبدأ ملحمة الانتقام لتنتهي بانتقام كامل لهاملت من قتلة أبيه.ينتهي بموته أيضا. ورغم غياب هاملت الشبح الذي حرك كل هذه المأساة في نهاية المسرحية يبقى حضوره طاغيا  كون هاملت الحقيقي نفسه مات قتيلا مثل أبيه الملك المغدور.

الثلاثاء، 2 يونيو 2020

ضَرْعُ الْحَيَاةِ تَيْبَسَ


أَنَا مِثْلكُمْ يا صَاحُ
أَوْ حَتَّى أَقَل،

فَأَنَا أَهَابُ مِنَ الْخَوَاءِ..
مِنَ الْفِنَاءِ.. وَلَا جَدَل

لِكَنَّنِي طَوْلُ النّوَائبِ
أَوَرَّثَنِي الْخَجَل

مِنَ التَّلَهِيِّ بِالتَّخَوُّفِ،
وَالتَّمَنِّي بِالْأَمَل.

أَنَا مِثْلكُمْ ؟! لَا..
أَنَا طَبْعًا أَقَلّ.

ضَرْعُ  الْحَيَاةِ تَيْبَسَ
وَجَرَّارُنَا اِنْكَسَرَتْ
مِنْ فَرْطِ التَّعَب

فَمَا أَجْدَى الْبُكَاءَ
عَلَى الْحَلِيبِ إِذَا اِنْسَكَب

وَمَا أَجْدَى الْجَرَّارَ
لَوِ الضَّرْع اُنْتُهِب

تَقْسُو السَّنُونُ بِفُوَّتِهَا
وَكَأَنَّهَا نَارٌ..وَكَأَنَّنَا
نَحْنُ الْحَطَب

فيوضات العبث