الأحد، 9 يونيو 2013

تأملات في المواقف والمخاطبات للنفري- موقف البحر




يقول النفري في "موقف البحر"
وقال لي خاطر من ألقى نفسه في البحر، ولم يركب. وهلك من ركب، وما خاطر. المخاطرة جزء من النجاة.

التعليق:
بحر المعرفة زاخر طامي تضرب أمواجه المتلاطمة المتجددة العقول يوما بعد يوم مزلزلة سفن الوعي الإنساني الباحث عن استقرار المرسى وهدوء الميناء. ورغم عمق هذا البحر السحيق واتساعه الذي لا يحده بصر ولا تصور، إلا أن ركوبه يعد ضرورة لا مناص عنها، كونه هو أفضل آليات البحث التي أنتجتها الحضارة الإنسانية بتراكمها. وهذا تحديدا ما يشير إليه  "النفري" في معرض حديثه عن المخاطرة والنجاة.

فهؤلاء الذين احتموا بسفينة ما وجدوه من أرث هادئ مستقر مربوط بحبال الماضي إلى مرفأ الاستقرار والسكينة، وحاربوا الجميع كي يحتموا بتلك السفن التي ورثوها -سواء كانت هذه السفن دينا أو معتقدا او تصور- لا يعرفون من بحر المعرفة غير ما يروه من على سطح سفينتهم حيث أمواج تضرب، وقاع عمقه لا يدرك، ونهاية لا نهاية لها. هكذا أجبرهم الخوف من المخاطرة وعظمها على تقديس السفينة، فآثروا السلامة على ركوب البحر واكتشافه، متناسيين أن السفينة لا تمثل للبحر شيء، وأنها رهن إرداته لو شاء أغرقها بمن فيها.

وهنا يقرر "النفري" النتيجة لصالح المخاطرة كونها جزء أصيل من النجاة لا محالة.. فكيف تستقيم النجاة أصلا دونما مخاطرة؟؟ وكيف تدرك سفينة مربوطة إلى المرفأ ما تدركه سفن المخاطرة في مواجهة هذا البحر الهائج؟؟ 
إن للمعرفة عدالة لا تساوي بين مخاطر ومتواكل حيث النجاة كحقيقة طويلة الأمد لا تكون من نصيب إلا من غامر وخاطر.. فكل يلقي جزائه على قدر عمله ومحاولته.. ويبقى المتواكل المتخاذل المتكاسل مربوطا إلى سفينته المربوطة إلى مينائه إن شاء الموج أهلكه فيها، وإن شاء تركه لخوفه وتوانيه كي يهلكه. بينما المخاطر المغامر الذي فتح صدره للأمواج متغلبا على خوفه لم يترك لنفسه فرصة إلا أن يعرف، فإذا ما هلك دونما أن يعرف تبقى مغامرته ومحاولته نبراسا يهتدى به من لحقه ليكمل ما بدأه، ويكفيه معرفة أنه عرف نفسها وروضها وتغلب على مكامن الخوف فيها حيث ذلك هو ذروة سنام المعرفة والنجاة معا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

فيوضات العبث