الجمعة، 29 مايو 2015

رسائل اللاجدوى

 
لا أنكر أن اللاجدوى أخرستني، لكني برغم هذا لم أجد في طول الصمت سوى الكلام.. في كل مرة أنجو بنفسي صامتا يجرني الفراغ مجددًا إلى نفس ذات البذاءة "مستنقع الكلام".   مع الصمت لا يزداد يقيني بشيء سوى جهلي حد ظني أنه سيكون يومًا قاتلي، وحتى إن لم يقتلني فالمهزلة كفيلة بفعل ذلك.. فما بين عجزي عن رؤية عمق المجهول الذي أتيت منه، والذي سوف أذهب مضطرا إليه أقف هنا مكذبا كل ما رأيت مستسلمًا للعمى الأكثر صدقا من كل ما أراى.. كلُ الحروف هنا مريرة في فم العميان، ولكن أغلب الظن أنه لا أحد هنا يستطيع أن يقاوم إغراء العبث الذي يدفع الجميع للهذيان والهلوسة. 
قد لا نختلف كثيرا على أن الرسائل التي لا تعني شيئا، ولكنها تصلك خير ألف مرة من الرسائل التي تعني الكثير، لكنها أبدا لا تصل.. ولهذا سأحاول اجترار بعضها بصيغ مختلفة، وبعبارات باهتة جديدة..

الرسالة الأولى ولنسميها "اليأس"
يأس عاشق يتوسل محبوبته التي آثرت الرحيل: "أن تكوني موجودة، وتقتليني خير لي من أن أموت دونك". الموت للموتى سواء.. الموت فعلا لا يتنوع إلا في عيون الأحياء.. تلك هي مع الأسف الحياة.. وهذا هو الحب فيها.. مجرد يأس ناجم عن الضعف والعجز.

الرسالة الثانية ولتكن "الهروب"
خبر انتحار هامشي في أحد الجرائد يعزز موقف مكتئب آخر في الانتحار.. وكأن ملاكا ما يحض شيطانا ما آخر على الكفر، أو أن شيطانا ما يدعو ملاكا ما آخر للإيمان -و بداخل كل منا الحالتين- ولكن يبقينا سؤال.. لمن ستترك كل هذا الإرث الهائل من العناء؟؟ من سيقتسمه من بعدك؟؟ فالعناء لا يذوب بذوبان روحك في الهروب.. هو إرث يربو حزنا في قلوب من أحبوك.

الرسالة الثالثة ولنعتبرها "الرغم"
ماذا تقول عندما يتحول أحد رموشك من دور المدافع عن عينك إلى دور المهاجم لها؛ لدرجة تزعجك وتؤلمك وتشوش بصرك فترغم فيها على الدموع؟؟ في كل مرة كان يتوجب عليك أن تهدم كل شئ بنيته فقط؛ كي تستمر وتبدأ في البناء مرغما من جديد.. الحلقة مفرغة.. عبثية ضديتها أفقدتها مغزاها فأصبحت لا تفضي لشيء.

الرسالة الأخيرة من الممكن أن نسميها "المعاني"
هاهي الدنيا أمامك.. مجرد بركة راكدة.. تلقي فيها الكلمات حجرا حجرا؛ لتستقر المعاني جميعا في غياهب الأعماق، وتعكس البركة ساكنة من جديد وجه السماء الغامض.. ولكن نحن نعيد الكرة لتظهر لنا تلك الدوائر الصغيرة التي تكبر وتكبر إلى حد التلاشي.. أعرف أننا نعرف المغزى تماما ونفهمه.. نعم كل الدوائر كانت فعلا كلام.. كل الدوائر بدأت فعلا صغيرة.. كبرت، وكل كبير نهايته التلاشي.. كل المعاني في العمق باتت بلا أي معنى.. هكذا ببساطة تدفعنا اللاجدوى للجلوس على الضفة صامتين..  فلا نجد في الصمت شيئا سوى الكلام، وهذا فعلا هو الحال الذي انطلقت منه لكتابة كل ما قرأت.

الاثنين، 25 مايو 2015

لا خير لنا في الموائمات



في نفس اللحظة التي تنتهي فيها صرخات المخاض، تبدأ صرخات الوليد. ليست تلك إذن صرخات ﻷمٍ ووليدها، لكنها مجرد حياة.. مجرد صرخة واحدة متصلة مستمرة مدوية لا تنتهي. مجرد لغز لا نستطيع أن نواجهه إلا بالصراخ. قد تظن أنني أحاول أن أغرد خارج السرب، والحقيقة هي أنني أنا وأنت والجميع من حولنا لسنا أكثر من قطيع من الخنازير الذين يرتعون في الوحل، ولا يعرفون أي شيء عن الطيران. فحتى اعتبار الحياة مجرد بروفا قصيرة لحياة ما بعد الموت، لن يغير أي شيء عند من لا يجيد التمثيل أو حتى عند من يجيده، ولكن لا يستهويه الدور الذي قد قد كتب من أجله.  ربما ألقى بنا العدم واحدا تلو الآخر إلى هذا الجحيم المؤقت من باب الرحمة، فقط كي يشتد عودنا؛ لنصبح قادرين على تحمل جحيم الخلود.

لا خير لنا في كل تلك الموائمات، أما السعادة المطلقة أو الحقيقة أو الموت.

تخيل أنك تصعد على سلم عدد درجاته لانهائية، بينما هو يهبط بكامل درجاته اللانهائية للأسفل بنفس مقدار صعودك.. كلما تصعد، السلم يهبط.. هكذا تسير الحياة في المجمل. كل ضد خلق لضده حيث كل ضربة كان يضربها الفأس على الحجر كانت تكسر جزء من كلاهما.. كل معول هدم يهدم نفسه بالنهاية. في الحقيقة نحن لا ننحاز لمبحث العلم لأنه الحل المطلق للغز، ولكن نظرا لأنه أفضل من يحاول.. بمعني أدق أنه نتاج تراكم محاولات الفهم الإنساني علي سطح تلك الكرة المترنحة المصابة بالدوار. الكون في مجمله فوضى لا يمكن ترتيبها إلا بمحدودية عقولنا، ولهذا هناك أجابة واحدة صحيحة وحقيقية تصلح لكافة الأسئلة وهي لا أعرف. ستجد علوما في شتى المجالات، ولكن لن تجد علما واحدا في مجال الجهل رغم أنه أوسع المعارف التي يمتلكها البشر على الأطلاق.

ولكي نكون متصالحين مع ذلك.. لابد أن نترك الإحتمال القائل: بعدم وجود حل من الأساس، بل بعدم وجود لغز أصلا بديلا مطروحا للقضية. ذلك كونه احتمال لا يمكن دحضه نظرا لجبرية الورطة التي تورطناها هنا، وقصورنا في التحرر منها، أو الخروج من إطارها من أجل رؤية أفضل. وعلى هذا النحو تنسف الموائمة نفسها بتقارب الضدين وتعانقهما إلى هذا الحد، بحيث يصبح اللا اكتراث بالقضية بأكملها فيه قدر كبير من الحكمة والوعي بلاجدوى البحث والسؤال والإجابة، بل وتفاهة الباحثين، ومدى سذاجة النتائج التي يرزحون تحت وطئتها. 

الأحد، 24 مايو 2015

الحب والسقوط في هاوية بلا قاع


تقـول: كيف تريد مني هكذا أن أسقط في حبك؟؟
فأقول: ليس لي حب كي تسقطي فيه.

تقـول: هل من الممكن أن أسقط فيك دون أن أموت؟؟
فأقول: أنا لست أكثر من فراغ منعدم الجاذبية.. من يسقط في لن يسقط أبدا..

تقـول:  مغرور؟!
فأقول:  كيف من الممكن أن أغتر بمأساتي؟!
          كل ما في الأمر أني أنقل لك تجربتي..سقطت في نفسي طوال عمري، 
          ولم أسقط إلى الآن.. لا شيء صادفني.. لا أرض، لا سماء،لا شيء.

تقـول:  لا تقوى أي امرأة على رجل لا يؤمن بالحب
فأقول:  لا يقوي أي رجل على أي امرأة على الإطلاق..
         ولهذا دعيني أنسحب معلنا الهزيمة.

تقـول:   ولكني أردتك أن تنتصر..
فأقول:   هزيمة أستحقها خير لي من نصرلا أقوى على تبعاته.

تقول:  كل حيلي تتكسر على صخرة عقلك.
فأقول:  بل على صخرة يأسي.

تقول:  أنت فعلا فراغ يائس كما قلت، ولكن من يسقط فيك يظل يسقط للأبد.. 
         أنا لا أستطيع الخروج من هاويتك..
فقلت:  وتلك لعنة أخرى،،

فيوضات العبث