لا أنكر أن اللاجدوى أخرستني، لكني برغم هذا لم أجد في طول الصمت سوى الكلام.. في كل مرة أنجو بنفسي صامتا يجرني الفراغ مجددًا إلى نفس ذات البذاءة "مستنقع الكلام". مع الصمت لا يزداد يقيني بشيء سوى جهلي حد ظني أنه سيكون يومًا قاتلي، وحتى إن لم يقتلني فالمهزلة كفيلة بفعل ذلك.. فما بين عجزي عن رؤية عمق المجهول الذي أتيت منه، والذي سوف أذهب مضطرا إليه أقف هنا مكذبا كل ما رأيت مستسلمًا للعمى الأكثر صدقا من كل ما أراى.. كلُ الحروف هنا مريرة في فم العميان، ولكن أغلب الظن أنه لا أحد هنا يستطيع أن يقاوم إغراء العبث الذي يدفع الجميع للهذيان والهلوسة.
قد لا نختلف كثيرا على أن الرسائل التي لا تعني شيئا، ولكنها تصلك خير ألف مرة من الرسائل التي تعني الكثير، لكنها أبدا لا تصل.. ولهذا سأحاول اجترار بعضها بصيغ مختلفة، وبعبارات باهتة جديدة..
الرسالة الأولى ولنسميها "اليأس"
يأس عاشق يتوسل محبوبته التي آثرت الرحيل: "أن تكوني موجودة، وتقتليني خير لي من أن أموت دونك". الموت للموتى سواء.. الموت فعلا لا يتنوع إلا في عيون الأحياء.. تلك هي مع الأسف الحياة.. وهذا هو الحب فيها.. مجرد يأس ناجم عن الضعف والعجز.
الرسالة الثانية ولتكن "الهروب"
خبر انتحار هامشي في أحد الجرائد يعزز موقف مكتئب آخر في الانتحار.. وكأن ملاكا ما يحض شيطانا ما آخر على الكفر، أو أن شيطانا ما يدعو ملاكا ما آخر للإيمان -و بداخل كل منا الحالتين- ولكن يبقينا سؤال.. لمن ستترك كل هذا الإرث الهائل من العناء؟؟ من سيقتسمه من بعدك؟؟ فالعناء لا يذوب بذوبان روحك في الهروب.. هو إرث يربو حزنا في قلوب من أحبوك.
الرسالة الثالثة ولنعتبرها "الرغم"
ماذا تقول عندما يتحول أحد رموشك من دور المدافع عن عينك إلى دور المهاجم لها؛ لدرجة تزعجك وتؤلمك وتشوش بصرك فترغم فيها على الدموع؟؟ في كل مرة كان يتوجب عليك أن تهدم كل شئ بنيته فقط؛ كي تستمر وتبدأ في البناء مرغما من جديد.. الحلقة مفرغة.. عبثية ضديتها أفقدتها مغزاها فأصبحت لا تفضي لشيء.
الرسالة الأخيرة من الممكن أن نسميها "المعاني"
هاهي الدنيا أمامك.. مجرد بركة راكدة.. تلقي فيها الكلمات حجرا حجرا؛ لتستقر المعاني جميعا في غياهب الأعماق، وتعكس البركة ساكنة من جديد وجه السماء الغامض.. ولكن نحن نعيد الكرة لتظهر لنا تلك الدوائر الصغيرة التي تكبر وتكبر إلى حد التلاشي.. أعرف أننا نعرف المغزى تماما ونفهمه.. نعم كل الدوائر كانت فعلا كلام.. كل الدوائر بدأت فعلا صغيرة.. كبرت، وكل كبير نهايته التلاشي.. كل المعاني في العمق باتت بلا أي معنى.. هكذا ببساطة تدفعنا اللاجدوى للجلوس على الضفة صامتين.. فلا نجد في الصمت شيئا سوى الكلام، وهذا فعلا هو الحال الذي انطلقت منه لكتابة كل ما قرأت.