الخميس، 22 أكتوبر 2015

العدمية في القرآن



"هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا"


عن هذا العدم الذي تنتفي عنه الكينونة والشيئية والذكر. هذا العدم الذي أتى من براح فيضه الجميع إلى ضيق سجن هذا الوجود المحكم، وتحديدا أقصد هذا الحنين المغروس فينا نحو البدايات "الحنين للعدم". الرغبة في الخلاص من فكرة الوجود.. عندما يضيق الوجود فلا مفر لبني الإنسان سوى هذا الحنين الغريزي للعدم.. تلك النوستالجيا القصرية للبداية التي ربما نغفل عنها طويلا في أحيان كثيرة، أن غريزة البقاء وهي أقوى الغرائز يلزم لأثباتها غريزة تقابلها أقوى منها هي غريزة العدم.

ضاقت الدنيا بمريم في مخاضها فقالت"يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا" ضاقت الدنيا على النبي محمد، وفتر عنه الوحي فأخذ في خلوته ينتقل بين الجبال، وتحدثه نفسه بإلقاء نفسه من أي قمة خلاصا من ضيقه وحزنه، ورغم تشيكك الكثير في صحة تلك الواقعة رغم ورود ذكرها في صحيح البخاري بإتصال مع واقعة الوحي، إلا أن النص القراني في سورة الكهف يقطع كل تشكيك بكلامات مبينة واضحة "فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا" والباخع هو من قتل نفسه خلاصا من حزنها وضيقها.

عندما يضيق الوجود لا بديل أمامنا سوى العدم حيث هو الخلاص الأبدي الناجز من كل هذه المهاترات التي لا تنتهي، بل أن تمني العدم في هذه الحالة يحمل في كنهه اعتراض صارخ على فكرة الوجود، وإثبات دامغ على تفاهته بكل تفاصليه، ودليل قاطع على لاجدوى عبثية كل مكوناته من حزن وفرح وشقاء وراحة  و ... إلخ.

وربما على هذا المعنى الأخير من الممكن أن نفهم الآية التي يسردها القرآن على لسان الكافر يوم الحساب حين يقول "وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا" ففي ظاهر المعنى يُتوهم أنه تمني للعدم من أجل الخلاص من الجحيم على سبيل فيه إشارة للندم، ولكن بنظرة أكثر عمقا ربما تستشعر معي أنه يحمل في طياته وجه من وجوه الاعتراض على فكرة الوجود والحساب. إن البحث عن خلاص عدمي بتلك الكيفية يحمل في باطنه شكلا كبيرا من أشكال الاعتراض على الفكرة. وكأنه يقول: من غير العادل أن تعاقبني على خطأ حدث في عمر أقصاه مائة عام بجحيم أبدي لا نهائي.. فأجعلني ترابا أذن لأتخلص من لعنة وجودي للأبد. 

إنك بعملية حسابية بسيطة وهي قسمة أي رقم على ما لا نهاية ستكتشف أن النتيجة رياضيا صفر.. أي أن عمرك بالنسبة للابد ما هو إلا صفر، ومن هنا من الممكن أن نتفهم منطقية هذا الاعتراض ودافعه، بل من الممكن أن نستشف فكرة عدم عدالة الوجود والحساب من الأساس. إن أسلوب تمني العدم هنا رغم أنه يؤول على أنه أسلوب تمني بلاغي يفيد الندم، إلا أنه يحمل ضمنيا سؤالا منطقيا كبيرا، وهو كيف تعاقبني على أخطاء عمر -نسبته تساوي صفرا بالنسبة لأبدية الزمن- بجحيم زمنه -يساوي الأبد نفسه-؟؟

الأربعاء، 14 أكتوبر 2015

الله والحب والانتظار

أعتقد بأن الحس الإنساني الصوفي لم يبتدع فكرة الربط بين المجهولين "الله والحب". فالإنسان لا أراديا أبتدعهما؛ ليبتدع معنى لنفسه بالأساس، بل ليبتدع منهما داعٍ لانتظاره هنا مواكبا لنفسه. أنهما معا دلالة واحدة لتلك المرآة التي تراكمت داخلنا بالوقت، والتي يحاول كل منا أن يرى فيها نفسه بمقياس عظيم من التكبير "zoom in" ليبرر انتظاره. أنهما هما المقياس الذي يسمح لنا أن نكون مستحقين ﻷن نُرى في خضم هذا الكون اللا متناهي.

فالحب كالله من عرفه لابد أن ينكره، والله كالحب لا يمكن إنكاره إلا بالتمادي في معرفته. وكي يستقيم المعنى، وأكون أكثر وضوحا.. أقصد بأن التعبير عنهما معا لابد أن يكون حرا كما شاء على قدر عبث الانتظار، والفوضى التي تعكسها مرايانا. الفوضى الناتجة من لغزية عبثية نفوسنا نظرا "لبكسلة" الصورة من فرط التكبير "pixelated photo".

ولهذا قد أتعاطف مع الحب كنمط حياتي كونه فقط هو الخصم الأقوى للإنتظار الذي هو أصل الحياة، بل وأصل كل حقيقة فيها. الله مثلا ليس أكثر من حقيقة مؤجلة نستثمر في الانتظار لأجلها. والحب أيضا ليس أكثر من خلل في ضربات القلب بحيث لا تنتظر الدقة أختها التي تعاودها وتليها. بطريقة ما تتوالى الدقات متتابعة متلاحقة دون مسافة فراغ وصولا إلى اللحظة التي ننتظر فيها حدوث دقة  لا تأتي أبدا. هكذا يربح الإنتظار دوما للأبد ليظل الله احتمالا مؤجلا لا نختبره إلا بالموت، بينما الحب يكفيه شرف المحاولة في خضم تعنت الحقيقة. إنه على كل حال أشرف من يحاول في ظل غياب الله.

فيوضات العبث