الجمعة، 10 فبراير 2017

تساؤلات تداعي الذات


كم من الكذب تحتاج للتعبير بـ "أنا" كناية عن هذا الهلام الضبابي المبهم الذي يقبع داخلك، والذي لا تمتلك منه مليمترا واحدا خالصا على نحو واضح؟

كم من الغرور تحتاج لتخرج من فيسفاء الصورة معتبرا أن قطعة صغيرة بحجم أنملة مثلك تكفي لأن تبدي رأيها تلك اللوحة السريالية اللانهائية الممتدة؟

كم من التحامل تحتاج لأن تسعى كـ "مغفل" لهدف دون علم مطلق، وأن تركض كـ "أحمق" دون مبرر جوهري قاطع، وأن تتنافس وتتصارع بينما لا شيء فعلا يستحق؟

كم من التجاهل تحتاج لتعتبر نفسك حقيقة مُسلمة، بينما قد يكون الوجود بذاته مجرد خدعة، والحياة محض أكذوبة، والواقع زيف كبير؟

كم من التدني تحتاج لقبول عيوبك، بل لتبريرها وتزينها بغلاف مبهرج كاذب جاذب لتسويقها بداعي انعدام الكمال، وترويج نقصها الفادح بداعي التنوع والاختلاف؟

كم من التغاضي -بل من السذاجة- تحتاج لتتجاوز هذا الحظ العاثر الذي ألقى بك هنا دون جريرة أو ذنب؛ لتكمل كل هذا الهراء تحت وطئة الجبر خانعا ذليلا دونما أن تجن أو تنتحر؟

كم الأنانية تحتاج لتتمحور حول ذاتك ومصلحتك متجاوزا مآسي الجميع ونكباتهم ومظالمهم وأحزانهم بداعي محدودية مشاعرك في غمار حياة مأساوية الدافع والطابع معا؟

وكم.. وكم.. وكم.. من النقائص والنقائض تحتاج لتصبح هذا الشيء المسمى إنسانا، وتظل زيفا ووهما مختالا بذلك؟

الجمعة، 3 فبراير 2017

عن الجسد الآخر الذي لابد أن تكمل به الرحلة


الشتاء -هذه المرة- يلح عليَّ بمدى وجوب أن أمتلك جسداً آخر كأمتداد منطقي وقهري لجسدي المتهاوي بواقع العمر، أو ربما بواقع الرهبة من الوحدة التي تستشري سرطانياً في أعماق أعماقي.. جسداً آخر يكمل نقصان جسدي المتداعي أرقاً وكسلاً وضجراً.. يحتوي كل ما زاد عنه.. يتشرب كل ما سال منه.. يسحب روح التعب من روحي المنهكة؛ ليتخلص بذلك من روح التعب التي أثقلت روحه.. شعورٌ متبادلٌ يتنامى ذاتياً من تلقاءِ نفسه يُطمئن كل ذرة في كياني بأن بوسعها أن تستكمل ما كتب لها بسخط أقل، وبملل يمكن السيطرة عليه..

ربما ما عاد يصلح لي الجنس كنشوة عابرة، أو كتفريغ طاقة، أو حتى كذكرى تضاف إلى سجل ذكرياتي؛ لأتثبت بين حين وآخر أنني لازالت بخير متباهيا أمام وحدتي بسجل ذكوري حافل بالمغامرات والمهاترات.. ما عاد بوسعي أن تتبادلني الأيادي، وتتقاسمني القبلات، وتتجاذبني الأحضان والأنفاس والزفرات والآهات والهمسات واللمسات..

أريد جسدا آخر يكون أنا التي تتحرك أمامي كما أريد دون أن أريد.. الأمر لا يتعلق بالجنس فحسب الأمر يتعلق بفضول يحركه بحثي الدؤوب عن الكمال.. بمحاولة جادة تنشد في الحياة شيئا من الجمال..

أريد جسدا آخر لا باعتباره شريك فراش، بل باعتباره جسدي الذي سوف أعتمد عليه فيما تبقى.. يتحمل عني أوجاعي وضجري و معاناتي .. يرتضي مني خللي وأمراضي وانتكاساتي.. يستوعب أهمالي له قبل أهتمامي به.. يتفهم نزاعاتي الغرائبية الحادة، وتقلباتي الخريفية المزرية قبل رهافة رومانسيتي الحالمة، وشاعرية شجوني البريئة المسالمة.. يتحمل شراسة قسوتي البدائية قبل وداعة حناني المتحضرة.. جسدا ألائمه حرا كما أنا ليلائمني حرا كما هو دون تصنع أو جهد، وحتى دونما أي حدود فاصلة..

في الثلاثين جسدك وحده لا يكفي؛ لأن تكمل، ولا حتى ألف جسد من أجساد الغريبات العابرات.. في الثلاثين أنت بحاجة أن تجد ظلك.. ظلك الحقيقي الذي كلما تبعته تبعك؛ لتتبعه إلى النهاية دون أن تعرف تحديدا من منكما كان ظل الآخر.

فيوضات العبث