الخميس، 29 يونيو 2017

حديث الثلاثين


لم أكن أعد الأعوام.. وُلدت لبيت واقعي لا يعيرون فيه اهتماما كبيرا لتواريخ الصدف.. صدفة أتت بي يوما ما إلى الدنيا دون قصد.. بها أيضا منحت عرضا مجانيا مؤجلا للموت، وهذا أمر جدا عادي لا يستدعي الاحتفال. لا أعرف حقيقة كيف صرت ما أنا عليه الآن؟؟ كهلا بثلاثين دهرا من السراب.. بعقل يعربد فيه الشك والشك في الشك كطفلين متشاكسين، وبقلب ترتع فيه الخيبات كل ليل مرحة.. لا أدري أيضا كيف صار الليل صديقا مخلصا إلى هذا الحد.. يربت على كتفي كل ليل، بينما الحزن صار  منقذي الوحيد الذي يمد لي كلتا يديه؛ لينتشلني من غياهب نفسي؟؟

لقد كانت الحياة كعادتها تمر مني إلى شأنها في هدوء؛ لتتركني وشأني في النهاية -كما كل السابقين- حفنة تراب هادئة.. لم يستوقفني أي شيء فيها.. كنت مثل الغالبية مستسلم للحياة كرحلة، وللعمر كسفر محدد الوجهة.. بكل جسارة كان الطريق يمشيني لنهايتي، وأنا في غاية اليقين والثبات أنني من أقطعه بخياري إلى نهايته.
مستسلما للقطارات التي كنت أركبها واحدا تلو الأخر.. لم يفوتني أي شيء.. دوما في الصف الأول في كل القطارات.. كنت أبذل قصارى جهدي كي أكون أول الراكبين.. وفي خضم هذا السعي المحموم، لم أعرف أي شيء عن نفسي.. ربما لأني كنت أعتبرني مُسلَمة لا تستدعي الفحص، وأعتبر النهاية بديهية لا تسترعي التدقيق والسؤال.
نعم، كنت مغفلا مجتهدا يحفظ فروضه المدرسية أول بأول دون أن يفهمها.. مغفلا لا يتخيل أبدا سؤالا دون جواب، ولا جوابا من الممكن أن يخلق من خلفه ألف سؤال.. كنت مغيبا بقناطير منقطرة من الإجابات الغير منطقية والتصورات الخرافية عن نفسي، وعن الأشياء، وعن البداية والنهاية.
ثم فجأة وجدتني مضطربا شاردا على أحدى الأرصفة في أحدى المحطات.. أتلفت من حولي.. كمن استفاق لتوه من كابوس.. أتأمل وجوه من يمرون.. أتسائل عن جدوى السفر، وعن جدوى الوصول.. لا أعرف تحديدا سببا لما حدث، بل حتى ربما إلى الآن لم أحاول.. لكنني أعرف جيدا هذا الشعور.. شعور الانعدام واللاقيمة واللاوزن الذي يشعر به شخص يفتح عينه لأول مرة على دُمى مسيرة تحركها الأقدار، والصدف، والحظوظ، والظروف، والغيب المبعثر هنا وهناك.. قطعان من الدُمى وعرائس الماريونت يمضون إلى حيث يأمرون؛ لأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان.. يغضون الطرف عن المجهول الذي يحدق بهم، بل يغضون الطرف عن كل شيء.. يتعامون.. بل هم في سكرتهم يعمهون.. إنهم ببساطة نتاج خوفهم من المجهول.
المجهول.. هذا المارد الذي أختبرته لاحقا فعرفت بأنه مشنقة الحياة المزركشة التي يشدها الموت بغتة.. رباط عنق حريري مزركش بالأمل ومرصع بالأماني، لكنه يضيق بالوقت؛ ليفضي إلي الموت.. من يخلعه من عنقه يرمي بنفسه تحت عجلات أول قطار يصادفه في ثبات.
حينها فقط أدركت أن الحقيقة -أو ما كنت أعتقدها الحقيقة- ملت من كونها حقيقة فاستحالت زيف فكنا هنا على نحو بصق فيه العدم وجودا قميئا كهذا مجرد ردة فعل خزعبلاية لا فائدة منها، كمن تتفل في صدرها فزعا من اللاشيء.. حينها خلعت الرباط عن عنقي، ولم ألقي بنفسي إلى العجلات.. رأيت الانتحار تماما كالاستمرار مجرد أمل زائف في الموت بدلا عن أمل زائف في الحياة.
الحياة ملطخة بالموت.. والإنسان جدل الله والشيطان الذي لن ينتهي أبدا.. الفضيلة محاولة بائسة لإيجاد مغزى في عالم عاهر يتعرى يوما بعد يوم دون حياء.. والدنيا بكل ما فيها أدنى من أن نتأملها.
هكذا وجدتني فجأة على أحد الأرصفة في أحد المحطات في أحد الأماكن لا أعرف شيئا سوى أني ذرة في غبار في هباء.. صرخت فلم يكترث أحد.. بح صوتي، وانصرف القطار، وتركني من خلفه وحيدا.. وحيدا يحرس وحدتي ظلي بشك نهم يبتلع كافة الأشياء؛ ليتقيأ نفسه في وجوهها من جديد.
رغم هذا كنت أشعر أن المعادلة بعد لا تساوي صفرا، حتى وإن كانت تبدو كذلك.. كان صوت أبي لازال يتردد في أذني بنبرته الصوفية الخالصة: "يا بني أركب معنا.. يا بني من تلفت تشتت، ومن تشتت تفلت، ومن تفلت سقط". اخترت السقوط.. وها هي الأعوام تمضي.. وأنا لازالت أسقط.. وكأن الهاوية بلا نهاية.. أسقط دون موت، ولكن دون حياة أيضا.. أرى العالم آيلا للسقوط، لكنه ليس مثلي.. إنه عاجز لا يستطيع أن يسقط لأنه الهاوية التي لا قرار لها.
كون بأكمله كما غرفة باردة مظلمة تغلق بابها بإحكام شديد على من هم في داخلها، وكأنه لا شيء خلف الباب.. وكأنه لا شيء خلف الباب من الجهتين.. يتلاشى قلبي وحشة مع كل لحظة تمر بحيث لم يعد في وسعي أن أستمني حب أي شيء.. شبق البقاء والخلود تبدد يأسا في كل شيء، ومن كل شيء.. أملي دهسته عجلات القطار ليفتديني، ويتركني حيا من خلفه بلا أمل.. وحيدا على الرصيف ينهكني صوت خطوي المنهك، وأنا أتجول الحقائق لأحيلها إلى حقيقتها أوهام وزيف.. كل الحقائق متضاربة هنا؛ لتصبح جميعها صحيحة متسقة هناك!! حتى هناك لم يعد يغريني هكذا لم أعد أتذمر من نقمتي على الحياة، ولا حتى من نقمتها علي. يمكنني إيجاز حياتي في تساؤل واحد لا يحتاج إلى إجابة.. كيف لمن لا يقوى على الحياة أن يقوى على الموت؟؟

السبت، 24 يونيو 2017

زهرة الخشخاش

لوحة فان جوخ الشهيرة


النشوة مقلوبة رأساً على عقب..
العدم على بعد خطوتين،
لكنك لا تكاد تطاله حتى يفلتك.
الوجود يحترق من خلف رأسك
كقبس مفعم يأخذك للنعيم.
أي نعيم يكفي؛
ليمطر جحيم مأساتك؟!!
أي نعيم هذا الذي
يرغمك أن تستسلم للاشيء؟!!
هاهي السعادة تغمز لك أخيرا..
هل تراها؟؟
هاهو الحزن نائم ثمل قتيل..
هل يراك؟؟
غفا عنك الوجع..
أسقطك الألم من حسبته..
أي فردوس هذا الذي يلوح
في أعماقك؟!
النشوة تضرب من جديد
خلل ما يعبث في خلل الوقت
أطرافك منغمسة في الثلج
المواضيع تتشعب من بعضها
في بعض بلا نهاية.. بلا بداية
لا تستطيع اللحاق بالأفكار
هاهي تمضي سكرى
في كل اتجاه
تبعثرك من خلفها
كورقة مزقها الشك
ثم ألقاها من شباك
سيارة تفكيرك المسرعة
الكرسي يحتضنك
كمومس محترفة
يهدهدك بتمرس
يدللك.. لتسأل..
عرش من هذا؟؟
جدية منقطعة النظير
على نحو هزلي منقطع النظير
النشوة تتغلغل فيك.. تتغلغل فيها..
صوت الكمانجات يغرق في أذنيك
النايات تذوب كالسكر في روحك
الأيقاع يقذف بك إلى السماء؛
لتسقط كريشة على سماء رحبة
من ريش النعام.
ما جدوى زهرة شبابك
لولا زهرة الخشخاش؟؟

الخميس، 1 يونيو 2017

عن طوق الحمامة ووهمية الحب العذري

غلاف كتاب طوق الحمامة لابن حزم الأندلسي

قد نختلف حول إذا ما كان الحب يفقد قدرا من عذوبة روحانيته عند ممارسة الجنس كفعل مادي نتقاسم جزء كبيرا من سماته مع الحيوانات، لكننا بالرغم من ذلك نتفق بسهولة على أن الحب يفقد ذاته كاملة إذا تراكمت عليه الأيام دون تواصل جنسي محسوس لدرجة يستحيل فيها إلى لا شيء، وإلا تحول لمجرد ذهان مستغرق في الأوهام، وشبق مازوخي للتمتع بالحرمان، وذلك يحدث لاستثناءات بشرية من الممكن الحديث عنها فقط من باب التندر والطرافة ليس أكثر.فببساطة لا يمكننا الحديث عن الحب الإنساني بمعزل عن غريزة الإنسان وحبه لذاته مما يندرج منطقيا تحت غريزة البقاء الأم التي تجابه حقيقة الموت بالتناسل من أجل أماني الخلود. 

وأنه لما كان يصعب الفصل بين قيمة الحب المجردة ومنفعته وحاجتنا إليه على مستوى الشعور ناهيك على مستوى الوعي، لم يستطيع "طوق الحمامة" ولا غيره أن يثنيني عن حقيقة الحب كمجرد تبرير كلامي أجوف هش ممعن في الغموض والالتباس لتبرير الغريزة الواضحة الملحة المدموغة سلفا فينا دونما أختيار. ويبقى "طوق الحمامة" وما على شاكلته في نظري مجرد محاولات جيدة للرصد، لكنها محاولات بائسة جدا لخلق ماهية فيها أي قدر من العمق المتجاوز لصخب تكبر الإنسان الأجوف وتمركزه الساذج حول ذاته.

وطالما ظل الإنسان مفتقرا للدليل والبديل فلا عجب أذن أن يصبح النسق الشعوري للحب المتداول شعرا وأدبا وحتى فلسفة محض سذاجة طفولية فيها من السطحية والتضارب ما فيها بحيث نضيع بها لذة غريزتنا الحيوانية الثابتة بداعي الاحتقار، وتضيعنا لذته الروحانية الملتبسة في غياهب الخيالات الفرادنية وتخيلات التجربة الذاتية دونما دليل ثابت متفق عليه فتصبح النتيجة أن يصير الحب في أبهى أستعمالاته وأكثرها شيوعا بالنسبة للعوام مجرد بداية جميلة يتدافعون إليها زمرا على أمل السعادة، لتسوقهم ختاما إلى نهاية بشعة من لا معنى الملل بالتكرار، ولا جدوى اللذة بالاحتقار.. يا لها حقا من نهاية بشعة لا يمكن تفاديها إلا بإنكارها وذلك فقط ليترك الناس لأنفسهم مساحة للعودة من أجل تكرارها لإنعدام أي نسق شعوري بديل.

فيوضات العبث