الخريف.. حيث كل شيء مشحون بالخفوت.. مسحة رمادية تعلو ملامح الأشياء والأرجاء.. العام يتقادم باهتا في أخر شهوره.. ما أسوأه من عام، بل ما أسوأ الأعوام.. ها هو العام كما كل شيء ينطفأ وهجه.. تأفل ألوانه.. يعصف به الوقت.. هاهي الأحداث كعادتها تضيق خناقها من حولنا.. تحاصرنا لترغمنا أن نواجه عذابات الحقيقة مَرارًا ومِرارًا.. هاهو عالمنا الصغير يترنح على حبل الخطر المشدود بين السياسة والاقتصاد حيث الجوعى يبكون القتلى، والعدل يلعق حذاء الظلم كي يبقيه في واقع يسوقه الباطل إلى الهاوية.. هاهي حضاراتنا.. حيث النظم تدفعنا للفوضى، والأديان تجبرنا على الكفر، ولقمة العيش تستعبد ما بقى من فتات إنسانيتنا.. ها هو الغد يبصق في وجه الأمل قائلا: أبدا لن أكون أفضل.
هاهو الوجود على حاله يا سادة يتغير بصخب.. هاهو أهوج نشط.. مصاب بفرط الحركة يضرب هنا وهناك غير مكترث بأمانينا المرتبة ولا ببحثنا على الحقيقة.. ربما المعرفة مستحيلة؛ لأنها غير ذات أهمية..
ماذا نفعل هنا حقا؟؟
نتبدل عصر "الجهل بالجهل" بعصور "العلم الجهل".. نملأ فراغ وعينا هراء.. نحشو خواء أرواحنا بمشاعر غامضة يتسيدها الحزن.. نحمل عبأ الوجود على عاتقنا دون أن يطلب منا، وأيضا دونما أن نريد..
لربما حقا ما يؤرقني هو مزاج خريفي الطابع والهوى.. لا أستطيع معه أن أتمم عبارة واحدة قبل أن أمحوها.. ولا يسعني فيه أن أتأمل فكرة ما قبل أن يشتتني حدسي.. وربما تلك هي الحقيقة التي لا أقوى على مواجهتها فأعزو ذلك إلى مزاجي..
الأمر هنا أشبه بمتاهة.. كنا نسير فيها، ولا نعرف، ولكن على قدر ما كنا نسير كنا نعرف، وعلى قدر ما كنا نعرف كنا نضل، وعلى قدر ما كنا نضل كنا نكابر خوفا من أن يضيع جهد الماضي هدرا.. هكذا نستسلم للحاضر على أمل زائف بالمستقبل المخيف.
لا تبكوا من أجل الموتى.. ما يحدث لا يصلحه الحزن، ولن تسترحمه الدموع مهما كانت صادقة.. الحياة موتة صغرى مضنية، بينما الموت جوهر يتنفس أرواحنا معنا.. يحصيها أكثر منا.. هي لنا نتنفسها حينا، بينما هو يتنفسها للأبد.. المعضلة أكبر من تفاصيلها، وتفاصيلها أكبر منا بكثير.. قدرنا أن نتخبط في المأساة إلى ما تشاء دون مشيئة أو إرادة أو خيار منا.. عزوا أنفسكم بالعجز.. روحوا عن نفسكم بالتجاهل، واعتصموا باللامبالاة ما استطعتم لذلك سبيلا.

