الجمعة، 20 أكتوبر 2017

رذيلة الفضيلة



لا يوجد مبادئ على الأطلاق، بل ولن توجد مبادئ على الإطلاق -مهما بلغ التحضر- إلا من باب الإدعاء.. فالحضارة في ذاتها ليست أكثر من خدعة نستعلي بها على الحيوانات التي لا تفهم هرائنا، ولا تكترث لتعجرفنا الهش، حيث أنها تعيش الغريزة كما وجدت فيها بهدوء، وتموت في سلام دون كثر لغط أو ضجيج.

نعم كل أصحاب المبادئ من البشر مدعون ومزيفون منذ الأزل، وإلى الأبد.. ففي رأيي لا شيء أفسد الكون أكثر من وضع المبادئ وادعاء المثالية، وزحف البشر الوضيع حبوا في ركابها كونها هي الحقيقة.. أن أقذر رذيلة يرتكبها الإنسان هي إدعائه الفضيلة في حين تمضي الحياة بقوانين أكثر صرامة لا تكترث لمثل هذا الهراء الذي يملؤها بكل هذا الضجيج.

الآن يسقط الليبراليون المدافعون عن الحريات والمبادئ واحد تلو الآخر تماما كما سقط قبلهم من سنوات رجال الدين حماة الأخلاق والفضيلة.. وكأن الشأن العام للبشر نبع آسن لا يورده سوى القذارى المقززين، وهاهو الواقع في تفاصيل مجرياته يثبت ذلك طوال الوقت هنا في الشرق حيث التخلف أو حتى في أقصى بقاع الغرب راعي حمى الحرية والديمقراطية الحديثة المصطنعة.

من بضع سنوات واقعة لشيخ معمم وعضو برلماني عن التيار السلفي المحافظ يمارس فعلا فاضحا على طريق عام، بعده بأسابيع يطل علينا شيخا يخطب الجمعة باكيا متأثرا، ليظهر له بعدها سيلا من الأفلام الأباحية مع نساء متزوجات.. تتنتشر المقاطع هنا وهناك، ثم تتوالى من بعد ذلك مثل تلك الوقائع، بعدما ألتفت إليها الجميع، وأولاها المجتمع اهتماما.

هكذا سقطت العمائم البيضاء الناصعة في وحل الرذائل الدنيوية.. وهكذا أيضا سقطت من عيون الناس.. ومن أجل حفظ ماء وجه ما تبقى من مبادئ الدين والأخلاق تم تبرير مثل تلك الأوضاع على أنها مجرد حالات فردية تخص أصحابها، ولا تمثل الدين الصحيح..حينها صب المجتمع جام غضبه على هؤلاء كونهم اتخذوا الدين والفضائل ستارا للوصول إلى الحكم لتحقيق مصالحهم الدنيوية القميئة، وغرائزهم الشيطانية الوقحة، ليتم اسقاط التيار الأسلامي كله من سدة الحكم بعد أن كان قد وصل إليها بالكاد. 

والآن ينقلب الوضع على الليبراليين والنخبة المثقفة.. منذ عدة أيام فيمنست شهيرة من أولئك الداعمين لفكرة -الاسترونج اندبندنت وومن- تتسول على الملأ وتجمع التبرعات من أجل نفقاتها الشخصية، وبعدها مثقف ومتحرر يتضح بأنه متحرش مدعي جبان.. بعدها يتهافت المثقفون الأفتراضيون واحدا تلوا الآخر هلعا على صفحاتهم لتبرئة ساحاتهم من تهم التحرش.. ولتبرئة ما تبقى من مبادئ الحرية تخرج الفيمنست المتسولة ببيان توضيحي توسلي يستجدي شفقة المتابعين شارحة فيه صعوبة الظروف، وقصر ذات اليد..  ويخرج المتحرش الجليل باعتذار مقيت يتصارع على آثره آخرون دفاعا وهجوما كون هذا الشخص المتحرر المتنور لا يمثل حقيقة الحرية النبيلة، ولا كنه الليبرالية السمحة، ولا روح الثقافة الناضجة، وأن قلة مندسة مدعية كاذبة قد تستخدم تلك الأمور ستارا للوصول إلى غرف النوم أو للشحاتة.. وأن الخطأ على كل حال وارد، ويترك الجميع أصل الفكرة، ويهرعون إلى الأختلاف حول قيمة الأعتذار وجدواه.. وتفاصيل البيان الآخر ومنطقية وصدق ظروفه.

وها هي الحقيقة في رأيي تتضح جلية -ما بين طرفي النقيض في المجتمع يمينا ويسارا.. حفاظا وتحررا- وهي أنه لا توجد مبادئ.. لا يوجد شيء أصلا سوى افتضاح حقيقة النفس الإنسانية بمرور الوقت أكثر وأكثر.. تلك النفس التي تجيد الحديث عن المبادئ -أيا كانت سواء كانت أصولية رجعية أو تحررية تنويرية أو حتى فلسفية منطقية مجردة- فقط لتصل الى مصالحها، وتلبي حاجة غرائزها، وتجمل بشاعة طباعها الأنانية الفجة.

نعم الكل يتحدث عن المبدأ، وهو في قرارة نفسه يتمنى لو كان بوسعه أن يكسره، بل هو في كل الأحوال سرا يكسره.. فها نحن البشر منذ القدم نضع القوانين لنتحايل عليها.. نجتمع على قيمة الفضائل؛ لنبقي للرذيلة وهجها وجمالها بالتجريم، ونزكي قيمتها بالمنع وعدم الإتاحة.. نعم نحن الممعنون في تناقضنا المهوسون بأنفسنا المستغرقون في تحسين صورة الحياة، ونحن أقبح وأقذر ما فيها.. لم نرتضي بحيوانيتنا فلم ترتضينا؛ لنصبح في النهاية مسوخا تضيق بنا أنفسنا، ونضيق بها في وجود لا يستحق عناء المعرفة لاستحالتها وعدم أهميتها.. وتبقى قذارة النفس البشرية وتناقضها التي ابتدعنها بوعينا نبراسا في كل مكان وزمان للهراء والإدعاء واللاطائل واللافائدة واللاجدوى في خضم وجود هو رذيلة العدم الكبرى التي لا يستطيع أن يمحوها بكل فضائله التي لا يعلمها هو نفسه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

فيوضات العبث