بعد مخاض عسير حفته المكاره والمهالك، وفي غفلة من الزمن أستطاع البشر إنجاب هذا الطفل العجيب المربك المسمى "العلم" أثر زواج عرفي غير مشهر بإمرأة غامضة لم يعرفها الكثير، بل لم يفهموها إلى الآن كانت تسمى "الفلسفة". والفلسفة هي إمرأة اعتزلت الناس، وخلت إلى تأمل عميق لا ينقطع تقتات فيه على فهم عقلها، وآلية فهمه، بل وآلية فهم كافة الاشياء.. إمرأة غريبة الأطوار ليس كمثلها إمرأة تكفل به أناس بحثوا المعاني ودققوها، وباعوا أنفسهم لعقولهم، ولها دونما انتظار للثمن.
أخذ طفلنا "العلم" المزعج يكبر يوما بعد يوما مستنزفا مزيدا ومزيدا من خيرة البشر الذين تكفلوا برعايته، ودفعوا أنفسهم فداء له؛ كي يري النور حرا مستنشقا أول أنفاسه بأمان.. وتمر الأيام كثيرة سريعة متلاحقة، ويبدأ رضيعنا الضعيف في أن يحبو صوب مزيدا من المعرفة الغريبة على البشر آنذاك، بل التى فاقت كل خيالهم.. وفي هذه الأثناء كان هناك قلة من البشر يحبون خلفه بل تحبوا قلوبهم خلفه آملين فيه متطلعين إليه، بينما كانت الغالبية يلعنوه ويرونه أبن زنا لا حق له في الحياة.. أمه غامضة، وأبوه ما هو إلا شرذمة قليلة من المنحرفين المجانين المهرطقين.
وعلى هذا النحو سارت الأمور.. كانت الغالبية العظمى من البشر يرونه لعنة يجب حصارها، ووأدها حية في رمال الجهل قبل أن تستشري في عقول الناس، فراحوا يضطهدون من يدافع عنه ويرعاه، ويحاربون كل من تعاطف معه بكل قسوة وفظاظة.. ويستمر الصراع بين الغالبية بجبروتها، والقلة المسكينة بطفلها الرضيع، و يمر الوقت، ويكبر الطفل أكثر، وتبدأ قدمه في تحسس أولى خطواتها.. يفرح القلة بوليدهم النجيب الذي تعبوا عليه ولازالوا، ولكن سلواهم أن الفرحة دوما محفوفة بالألم، والتعب والصعاب.. خطواته غير ثابتة مرتبكة متعثرة بل لازالت تواجه بغباء الأغلبية وحمقهم وإيذائهم، ولكن الوقت دوما كان يسير إلى الأمام ضامنا للطفل عمر جديد بخطوات أكثر ثباتا، وبكلمات أكثر بيانا وتبيانا..
ويمضي الوقت رغم أنف الجميع، وتدور عجلة الزمن داهسة كل من يعترضها، وهاهو يشتد عوده، وينطلق لسانه، وتقوى أركانه، ويصبح صبيا ملهما بارعا براعة لم يعرفها احد قبله، والقلة حوله في تزايد تملأ قلوبهم الحفاوة والفخر يتوسمون فيه خير عوض عن كل من أفنوا أنفسهم ﻷجله.. وهنا تتصاعد وتيرة الأحداث.. يصطدم الصبي اليافع بعجوز طاعن في العمر أسمه "الوهم".. عجوز شكل عقول الناس منذ الأزل بأساطيره وخرافاته.. عجوز مهترئ يراه الناس حكيما جدا في يده خلاصهم وملاذهم رغم أنه يفرقهم يوما بعد يوم، ويحرضهم على أنفسهم باختلاف صورته هنا وهناك.. ربما فعلا تعددت صوره، وتفاصيله وأساطيره، لكنه في الحقيقة واحد.. مجرد وهم يريد في النهاية قبل أن يردي نفسه أن يردي الجميع.. تتوالي المصادمات والجدالات والمناقشات والمناظرات بينهما.. وكان الصبي رغم حداثة سنه ينتصر في كل مرة انتصارا مدويا يزيد الناس من حوله، بل يزيد الإيمان به في قلوبهم، وكانت هنا الغالبية تستشيط غضبا، وتصبح أكثر قسوة وفتكا، والصبي لازال يكبر داحضا كل معاني الوهم بثبات مبددا خرفاته بيقين ساطع ساخرا من أساطيره التي ظنها الناس في وقت سابق منبع كل حكمة وعلم..
وفجأة وفي أيام بسيطة جدا ينقلب الأمر رأسا على عقب.. وبين ليلة، وضحاها يصبح الصبي شابا مراهقا قويا يسحق الوهم بيديه، ويفرض نفسه على الساحة بقوة أفعاله، وبدحضه لكل أساطير الوهم وخرافاته التي ملأت الكون آلاف السنين.. ولكن الغباء فكرة، والفكرة على كل حال لا تموت.. يتحيز طائفة من البشر في بقعة من العالم للوهم.. يدافعون عنه متمسكين به بعصبية جاهلية غير مبررة يقاتلون كل شئ بأسم الوهم: لدرجة أنهم جن جنونهم، وأصبحوا يقاتلون أنفسهم.. بينما الشاب المراهق لا يزال على قمة القمم.. يجول ويصول هنا وهناك.. أنه بالفعل، وبعد هذه الرحلة كلها يحكم العالم.. يسيطر على كل الأمور التي تجري على وجه البسيطة.. يبر البشر جميعا برا لم يعهدوه.. ليس فقط من تحيزوا له، وأمنوا به بل حتى هؤلاء الذين لا يزالون متمسكين بالوهم فتجدهم تارة يستخدموا وسائله المبتكرة في دحضه بترويج اساطيرهم، ولكنه مع مرور الايام كان يجبرهم على توفيق أوهامهم معه.. أنهم ينحسرون أمام طغيان منطقه، وجبروت حجته .. أنه بالفعل يغير الصورة تماما، ولكن رغم كل هذا على كل ما فيه من نجاح لا يمكن أن ننفي عنه كونه لازال مراهقا له سقاطاته واخفاقاته، بل كل هذا لا ينفي عنه طيشه وتخبطه.. نعم النهايات السعيدة لا تحدث إلا في الأفلام على شاشات السنيمات..أنها المراهقة يا سادة بكل ما فيها .. بكل ما لها من حيوية وقوة وقدرة وذكاء وحيلة، وأيضا بكل ما عليها من طيش وتخبط واندفاع ومزاجية وهوائية وانفعال وتهور، وأحيانا حمق وتسرع وجنون.
وإلى هنا تبقى النهاية مفتوحة بسؤال صارخ.. هل يصبح هذا العلم كهلا يوما ما كي يصبح أكثر استقرارا وثباتا واتزانا؟؟ وهل يجود الزمن بفرصة أعظم فيمنحه عمر أطول كي يكبر أكثر وأكثر؛ ليصبح شيخا أكثر حكمة كي يحل لغز الوجود، ويحيل البشر إلى يقين بحقيقة واحدة ثابتة لا غبار عليها ؟؟ لربما هذا فعلا ما سوف يعرفه أحفادنا في القرون القادمة من الزمن بعدما نتلاشى نحن من هنا بعد قليل مستمتعين بهذه القصة اللطيفة التي حدثت، وتحدث، وستظل تحدث إلى النهاية.. أنها بحق قصة الطفل ابن المرأة الغامضة.. أنها بحق رحلتنا للبحث عن الحقيقة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق