السبت، 17 مايو 2014

أريد بنجا للأبد


لست حديث عهد بالألم.. كل المسكنات تكتسب تأثيرها في جسدي من قوة الإيحاء الناتجة من إرادتي للخلاص منه؛ لأتفرغ الى ألم وجودي.   هذه المرة أختلف الأمر..ألم يملأ أرجائي، ويكسر كل قوى صبري وتحملي، لم تجدي أعتى المسكنات حتى تلك شديدة التخدير منها المدرجة في جداول الإدمان. كان ألما يملأ مسام كل الحواس، ويشوش عليها. كنت لا أرى إلا صورا غائمة، ولا أسمع إلا أصواتا غير مفهومة. كنت لا أشم إلا رائحة الوجع. مع كل شهيق تمتلأ رئتي بالألم، وتضيق أنفاسي. مع كل زفير كانت تمتلأ الغرفة، وتضيق علي أيضا.

خمس عشرة ساعة مرت هكذا. كل الأدوية لم تجدي نفعا. خمسة أطباء لم يفعلوا شيئا. وثلاث من كبرى المستشفيات لم يجدوا حلا. وأكثر من ثلاثين شخصا حولي من الأصدقاء، والأقرباء لم يجدوا عن العجز بديل.  ربما كانوا جميعا قلقين يشعرون أنني ربما أقتربت من حلمي في تحقيق الموت رغم أني كنت أدرك بأني مع كل هذا الألم أبعد ما أكون عنه. فمن المستحيل أن تكون راحة الموت مؤلمة إلى هذا الحد.  على مدار أكثر من عامين لم أكترث بأي شيء. لكن هذه الفيض الموجع من الألم الذي لا يطاق أجبرني على الاكتراث.. الاكتراث بزوال الألم مهما كان الثمن. هكذا أدركت كنه الرسالة، هناك أشياء نكترث بها رغما عنا، أشدها حقا هو الألم.

على هذا السرير المتحرك كنت أشعر وكأن جسدي كتلة من النار تشع ألما يجبر الجميع على الشفقة، والخوف، وأحيانا العجز. من طابق إلى طابق.. من غرفة إلى غرفة.. ومن مستشفى إلى مستشفى.. كانت تخور قواي أحيانا فأغيب تماما في اللاوجود؛ لتخلقني يد الألم وجودا موجعا جديدا لا يطاق.. على مدار يومين من صحو في غيبوبة، ومن غيبوبة في صحو.. على مدار يومين من الهلاوس النابعة من الألم، ومن تلك الحقن المخدرة والمسكنة التي تجري في وريدي بمعدل كل أربع ساعات.. أستقر السرير المتحرك في غرفة بيضاء، وحولي أكثر من سبعة أشخاص يرتدون اللون الأخضر القاتم.. ثم حقنة البنج.. وأبتدأت الأصوات في الابتعاد.. ثم كمامة البنج.. وأبتدأ العدم بمعنى الكلمة..

هي أول مرة أجرب فيها هذا اللعين المسمى البنج.. لكني عشقت هذا المفعول لدرجة أني كل ليلة بعد خروجي من غرفة العمليات، وأنا أستعيد هذه اللقطة في خيالي. كم هي رائعة وعبقرية ومريحة هذه المادة..  فعلا أريد هدنة.. أريد راحة.. أكثر من هذه الساعات القليلة التى مرت بي خلال الجراحة.. يا ليت لي بمائة عام من البنج كأستراحة، بل يا ليت لي ببنج للأبد.. صدقا أريد بنجا للأبد..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

فيوضات العبث