يهل علي رمضان هذا العام، وأنا في غرفتي القديمة التي تقطن شمالا في بيتنا القديم. هذه الغرفة التي شهدت كل تتاقضاتي وتخبطاتي إبتداءً من خطواتي القديمة على سبيل السلفية -رضي الله عنهم- مرورا بمرحلة الإهتمام بالكتب والقراءة، ثم مرحلة الدراسة في كلية الهندسة، ثم مرحلة فشلي في الكلية، ثم فشلي المتدرج في الحياة وصولا إلى عدم اقتناعي بقضية الوجود كاملة.
لقد أمتلأت هذه الغرفة قديما بأصدقاء كثيرين أغلبهم قد تبدد.. أصدقاء لا أعرف عنهم أي شيء اليوم، بل لا أعرف أين ذهبوا أصلا، ولا كيف أختفوا؟ حيث أنني خلال تلك الفترات كان أصدقائي يتغيرون كما تتغير الموضة في كل موسم دون أسباب واضحة للتغيير. ببساطة لقد شهدت تلك الغرفة أسوأ لحظات نزاوتي، وأقدس لحظاتي الروحانية. أشد أوقات وحدتي، وأكثرها صخبا وسط الأصدقاء. شهدت أكبر تحولاتي الفكرية العاصفة من الهراء إلى الهراء وصولا طبعا للهراء.
غرفة واحدة فعلت فيها كل شيء.. تعبد/تأمل/اكتئاب/وحدة/مجون/فواحش/صخب/عشق/صداقة/ملل، و بالقطع آلاف مؤلفة من ساعات النوم هربا من كل هذا.. أربعة حوائط وسقف أمتلئوا بمغامرات مراهقتي وطيشي إبتداءً من تلك الفترة التي كانت تضج بمكالمات تبدأ بعد منتصف الليل، وتستمر حتى الصباح في هراء فارغ غالباً ما يكون أهم الدروس المستفادة منه هو معرفة ألوان الملابس الداخلية للمتصلة، وصولا بمراحل التطور حيث وجود عشيقة تمتلك نسخة من المفتاح، وتفاجأني في كل وقت لدرجة أوصلتني للملل، والتشبع من هذا الانتهاك الصارخ للخصوصية، والاضطرار للجوء إلى العلاقات العابرة حيث نساء اليوم الواحد اللاتي في الغالب لا أتذكر اسمائهن، لكني أتذكر جيدا تلك العبارة التي كنت أقولها في تلك الفترة لكل من كانت تحل ضيفة في هذا السرير ويكتب لها ان تقاسمني أياه.. "لقد دخلتِ التاريخ من أوسخ ابوابه".
غرفة صغيرة لا تزيد مساحتها عن عشرين متر، ولكنها عاشتني وحيدا متخبطا راضيا ساخطا على مدار أثنى عشر عاما من عمري، وبرغم ضيقها إلا أني الآن وفي خضم عبق تلك الأيام المباركة أشتم في جناباتها المكتنزة مزيجا من رائحة رحيبة من عطر العشيقة، ورائحة إذاعة القرآن الكريم ليلا، ورائحة الكتب المخزونة على ظهر الدولاب، ورائحة نسكافيه المذاكرة، ورائحة وضوئي بالفجر، ورائحة الألم والمسكنات، ورائحة التوتر التي كانت تنتابتي بعد كل هزة فكرية أمر بها، ورائحة الأرق خوفا من أن أخاف، ورائحة حشيش الأصدقاء، ورائحة السجائر التي دخنتها وحيدا طوال تلك الفترة، بل وحتى رائحة مسك الشيوخ السلفيين.. مزيجا من رائحة أثنى عشر عاما مرت من سنين هذا العمر الهباء الذي يمضي سريعا، وبرغم هذا أستبطئه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق