الثلاثاء، 25 نوفمبر 2014

العدم ضد كل ضد

بطريقة ما تبدو نفسي لنفسي في أحيان كثيرة كبحر، وليس هذا وصفا بلاغيا أجتره من مطالعاتي الأدبية، إنما هو وصف أعنيه تحديدا.. فكأني فعلا بحر شاسع يفصل بين ضفتين من المتناقضات.. أشد الرحال وأبحر نحو ضفتي الأخرى فلا أجدني تماما، ولهذا أعيد الكرة من جديد نحو الضفة التي قد جئت منها، فلا أجدني أيضا.. هكذا أدور على نحو لا ينتهي.  كلما تأملت حرية رحلاتي تلك أتأكد من حماقتي حين أدعي الحرية.. أنا فعلا حر حين أبحر هنا أو هناك، ولكن الحرية المقيدة بضفتين، وبفعل واحد أسميه الأبحار ليست حرية على الأرجح.. تخيل أن هذه هي أقصى حرية لك.. إنها حريتك أمام نفسك، فما بالك بحريتك أمام كافة الأشياء التي تملأ أصقاع الكون وتتعامل وفق حرية نفسها وقوانينها. 

كل شيء حر ولكن وفق أطاره، والحرية الحقيقية تعني أن تختفي كافة الأطر، ولا شيء  يستطيع أن يتجاوز أطاره.. من قال مثلا أن الشمس ليست حرة.. هي حرة فعلا ضمن أطارها تدور.. تنفجر.. تتشظى.. تتلظى.. تقترب من هذا الكوكب.. تبتعد عن أخر.. وهكذا بنفس الفكرة وتأسيسا على نفس القاعدة تعمل كافة الاشياء من أصغرها إلى أكبرها بما فيها الإنسان.

الأعجب أن كل هذا الوجود بكافة أشيائه على لانهائيتها، ولا نهائية أطرها وقوانينها واختلافاتها وتباينها يقابلهم جميعا ضد واحد هو العدم، ورغم كونه  شيء غير معرف، لكنه يظل هو نقطة البداية، بل هو ضد كل ضد.. بل لربما كونه البداية، وكونه ضد كل ضد، كان لابد له أن لا يكون معرفا. 
ويبقى السؤال المحير إذا كنا نحن الجميع الآن في الوجود وأمامنا طريق واحد لا مفر منه هو الخلود.. أما خلود في العدم، وأما خلود في الجحيم، وأما خلودا في النعيم.. فلماذا نميل للأخير؟
ربما يحدث هذا الآن من جراء أننا لا نملك إلا أطارا واحدا من الشعور لا يمكننا تجاوزه نحو العدم الذي يعني اللا شعور.. فلماذا لا نفكر أذن في أن النعيم مهما بلغ سيظل محدودا في أطار وجوده، لأنه لو تجاوز الأطار والوجود لأصبح عدما هو الآخر؟؟ فالخلاصة هي أن الحرية المطلقة هي العدم المطلق، وكلاهما لا يمكن تصوره في أطار ضيق موجود وكائن كالذي نعيش فيه، بل لا يمكن تصوره أصلا طالما ظلت الأطر حتى لو كانت تلك الأطر هي النعيم بذاته.

السبت، 15 نوفمبر 2014

التشكك في الحب بين الجهل المطلق ومثالية النقص



كلام كثير أنتجه الوقت الماضي؛ ليأكل كل ما سوف يأتي من الوقت. أمام الوقت والكلام لم أجد لي دورا مقنعا أتقمصه سوى الشك. أنا بكل صراحة أشك في الأثنين معا، بل وأشكك فيهما.. أمقتهما معا، وأسخط عليهما معا سخطا يوازي يقيني الصادق يوما ما. يقيني الذي أوردني بحار الشك ﻷثبته. ولكن الشك الصادق تماما كالملل المطبوع فينا كلاهما لا يفضي إلا لنفسه.

ربما الشيء المثالي الوحيد الذي أصدق مثاليته هو النقص. إنه الشئ الوحيد المكتمل بمثالية. طموحي في المثالية أورثني رفض كل شيء عدا النقص. النقص بدوره ألزمني بالغرور المفضي إلى النرجسية المفضية للزهد.

القيمة المطلقة الوحيدة التى تأكدت لي من كل هذا هي الجهل. الجهل الذي يجبرني على أن أسخر من كلمة العلم سخريتي من حظي التعس الذي جعل مني موجودا في تلك اللعبة المزرية دون أختيار مني للهو.

كل ما سبق تركني أمام خيارين: أما أن أقتنع بالحب، فأحب نفسي أكثر من الجميع كي أتمكن من حبهم، وأما أن أكره نفسي، فأنفي عن نفسي صفة الحب رغم يقيني من حب البعض لي فأبدو غير مكترث، وفي الحالتين سيدهسني قطار الموت. فلو بقيت سيدهسكم قطار الموت أمامي واحد تلو الآخر، ولو رحلت سيدهسكم قطار حبكم لي الذي أتيقن منه. ولهذا سوف تجدوني مُتعَبا مُتعِبا إلى هذا الحد؛ ﻷني في الحقيقة لا أقدر على الاثنتين.

الأربعاء، 5 نوفمبر 2014

ضربة شمس


خمسة أشياء من وحي ضربة الشمس والصداع وهدة الحيل والتعب ليس شرطا أن يعنوا الحقيقة الغائبة، لكن الصدفة واردة.. ولهذا تأملها على سبيل أن يحالفك الحظ.

أولا: لتعرف أن البحر كائن مناعته ضعيفة جدا.. لدرجة أنه يعاني من نزلات البرد الشديدة طيلة العام، ولهذا سوف تجده طوال الوقت يعطس في وجه الجميع عطسة محملة بالملح وبالرذاذ، بل ومحملة أيضا برائحته التي لا نعرف لها اسما أو وصفا.. أنفلونزا البحر مستمرة، كأنه خلق ليعطس..

ثانيا: فلتكن الراحة مجرد صوت ماء يتدفق منك ساخنا بشدة في حمام عمومي رطب، بعد أن أمسكت الماء في مثانتك لأكثر من ثلاث ساعات في ظل برد قارس.. لا تراعي أحدا، وانشر صفرة رذاذك كما شئت متدفقا كما شاء بكامل الضجة والخرير.. الصوت هو الدليل والراحة معا..

ثالثا: عندما تفكر في الحب كأمنية لطيفة.. تذكر أن نفس الحب هو أحد الأمنيات المأساوية التي قد تمر في مخيلة وردة تفكر في الانتحار، ولا تقدر عليه.. تتمنى يد عاشق تقطفها مصادفة؛ لأجل حبيبة عشقها مصادفة.. هذا هو أحد أقصر الطرق التي قد تتمنها وردة كئيبة تريد الانتحار، وتخشى من الموت كافرة إن هي فعلت.. نعم، تبدأ نهاية الحب عندما تقطف وردة، ولكن أستمر في تجربة الحب؛ كي تساعد الورد المكتئب على الانتحار..

رابعا: (أن تبقى) هو يعني بالضرورة أنك نسيت أن ترحل و (أن تخلد) فهذا يعني بالتبعية أنك نسيت أنك نسيت.. أن تتذكر كل شيء، فهذا حتما لا يعني إلا الفناء.. الذاكرة هو عيب الصناعة الذي لحق بنا.. حاول أن لا تعدل من نفسك؛ كي لا تخرج من الضمان الوجودي.. احترم عيوبك.

خامسا: فليذهب الذهب إلى الجحيم، لأنه لو كان لونه فضيا لكانت الفضة أغلى منه بكثير.. ولو كانت السماء بلون فضي ربما أسمينا لون معدن الفضة باللون السماوي.. الألوان ليست حقيقية.. مجرد خداع بصري.. إذا افترضنا أن ما نملكه يسمى بصر من الأساس.

فيوضات العبث