سورة الأعلى واحدة من أوائل السور المكية نزولا، ولهذا نجد لها حضورا طاغيا في العقل الجمعي الاسلامي، وعلى الرغم من آياتها التسعة عشر الموجزة القصيرة إلا أنها تحوي معان عميقة قد يطول شرحها وفهمها. ومن تلك المعاني الآية الثالثة عشر والتي طالما استوقفتني أمامها كثيرا.
فمما لا لبس فيه أن اجتماع نفي الأضداد فيها "ثم لا يموت فيها ولا يحيى" فيه دلالة واضحة بتعريف حال العدم، ولكن هذا الملمح رغم ما فيه من دلالات يطول الحديث عنها ليس بمقدوره أن يجعلنا نغض الطرف عن جوهر الدلالة الذي يكمن في مبدأها "ثم" التى تدفعنا للنظر فيها مليا وفيما قبلها؛ لنستسلم مذعنين للسقوط في فخ تعقيد التراتبية المتراخية الزمن المفعم بدوره وجودا وكينونة بقياس أبسط وجه له يتمثل في لغة أبجديتها تبعد فيها الميم تسعة أحرف عن الثاء بينما يتزايد البعد ليصل لتسعة عشر حرفا في ترتيبنا الألفبائي ناهيك عن اختلاف التراتبية الصوتية للحروف.
أن الزمن في ذاته بعيدا عما ترتب عليه وبعيدا حتى عن نسبيته يعد بعدا مفسدا لدلالة العدم؛ لأنه يجعل منه شيئا مدركا موجودا في أطاره النسبي المحسوب، وفي هذا فساد ظاهر لحقيقة معنى العدم الباطن كمطلق. خلل كهذا يجعل من العدم مجرد مسوغ نظري لا غنى عنه عقليا تم أيجاده من باب الحفاظ على أساس بنيان الضدية الأصيل لمنشأ الوجود ليس أكثر.
والزمن كبعد وجودي ليس حاضرا فقط في تلك الآية، بل هو خط مسار السورة بأكملها.. فهو حاضر منذ بدايتها في تراتبية الخلق ثم القدر ثم الهداية ثم القراءة فالمعرفة فالنسيان فالتذكر. ويظهر هذا بصورة أشد وضوحا وجلاء في ختام السورة باستدعائها للبعد التأريخي لسردية الميتافزيقا الدينية برمتها، والمتصلة بعضها من بعض بذكر صحف إبراهيم وموسى وصولا للقرآن.
أعرف أن تأملا كهذا في الزمن والعدم من خلال نص ميتافزيقي مجاوز لم ولن يصل بعقولنا إلا للحد الذي تصطدم رؤسنا بسقفه بحيث لا نستطيع تجاوزه ولا حتى فهمه؛ لنبقى من خلف كلماته رهينة لحال ملتبس كالذي ابتدأ منه الوجود وأبتدأنا منه الكلام. حال تماما يشبه ما نحن فيه الآن بالحياة لا نموت فيه ولا نحيى، بل حتى لا نفهم حقيقة ماهية الضدين (الحياة والموت). فما بالنا بماهية اجتماع نفيهما معا كما ورد بالأية؟! حال يورطنا في جانب ميتافزيقي يستوجب التقديس والتنزيه للميتافزيقي المجاوز من باب ضعف وعجز وقصور وعيينا، وهذا أصلا هو ما أبتدأت به السورة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق