سكين يملأ خاصرتك كل ليل.. يوقظك صوت سقوط قطرات الدم على الأرضية.. كفك التي تمسك بالجرح ثقبها الألم. تلك مجرد خيالات تعكس شعورا ما بالذنب أو بالظلم.. كلاهما واحد.. الخيال قد يظلم الواقع الذي بدوره يظلم نفسه فينا واحدا واحدا. ستسدد ثمن الخيال فشلا فادحا في الواقع، فالخياليون لابد أن يكون الفشل حليفهم على أرض الواقع.
يقولون أن من اعتاد أن يري المشهد كاملا وفق هواه ورؤيته حتما سيفشل عندما يوكل له دور واحد ليؤديه، حتى وإن كان دور البطولة. يبدو هذا منطقي بعض الشيء، فكل الأدوار في حقيقتها ثانوية بما في ذلك أدوار البطولة؛ لأن البطل الحقيقي الوحيد هو من تخيل المشهد كاملا قبل وجوده. البطل الحقيقي هو من أوجد المشهد في خياله. البطل الحقيقي خيالي وغير حقيقي، لكنه ليس مثلي ومثلك؛ لأنه لا يمت للواقع بأدنى صلة. البطل الحقيقي لن يتورط أبدا في وحل الواقع مهما ساء، لأنه يعرف الحد الفاصل بين الخيال والواقع.
الواقع يضج بالحياة، والحياة حية تنفث سمومها وهمومها في قلوبنا؛ كي نغوص أكثر في وحل الواقع. كل يوم يجعلك أسوأ من اليوم الذي كان قبله.. نسوء ونسوء إلى أن ننتهي.. نفسد إلى أن نغرق في الوحل تماما، ونذوب فيه.. قد يثير هذا شيئا من التعجب، ولكن ما يستحق التعجب فعلا ليست تلك المفارقة.. إنما ما يثير الدهشة بحق هو أنني رغم كل هذا السوء الذي يعتريني لازالت هنا أحدث نفسي فيك، وأنت رغم حفيف الحية التي تلتف حول عنقك تسمعني جيدا، ولا تسمع حفيفها. تلك هي اللعنة إذن.. حينما ينعدم الخيال قد نتوهم سرابا في الوحل.. سرابا مثل الحكمة والحب والمنطق وأشياء أخرى ذات صلة.
فالحب -مثلا- مجرد فقاعة ممتلئة بالوحل.. قشة تتخيل فيها النجاة وهي في واقعها القشة التي ستقسم ظهرك.. لا تستسلم أبدا للحب.. لا تدع الظروف تدفعك لتسقط في هذا الفخ الذي يسقط فيه الجميع طوعا وكرها.. هذا الفخ الذي من لم يساق إليه مرغما بداعي الغائية والمبرر والمعنى مشي إليه مختارا بداعي الجدوى والهدف والقيمة .. كن حجرا.. حجرا لا تلهب ظهره سياط الغائية التي تتكالب عليها العقول، ولا تغري عينيه بهرجة الجدوى التي يعيش الناس في ضوء آمالها الزائفة.
فلتكن دنيا بلا غاية.. بلا معنى.. ما شأنك أنت؟؟ عش فيها دونما هدف، وبلا جدوى. عش بحدودك في حدودها هذا أفضل كثيرا وأيسر من أن تخترع غاية أو أن تختلق جدوى، وتذكر دوما أنك لست إلها يا صديقي.. لا يوجد إله يرتع في وحل كهذا.. لا يوجد إله يظن نفسه إله يبحث عن غاية أو مبرر.. مساحة عمرك ضيقة جدا لا تتسع كي تورط نفسك في حل لغز كهذا.. قد تنتهي وحيدا مسجونا في نفسك.. قد تصاب بوسواس الأوهام.. قد يصبح خوفك منها قيد ينمو في أطرافك فيلجمك .. يمسك قدمك عن السير قدما.. قد يمسي قلقك من خيبات الملل جدارا تبنيه أيام العمر يوما بعد يوم.. قد يتمكن القيد منك ويتطاول البنيان حولك، وتصرخ في نفسك ماذا عساني أن أفعل في هذا السجن؟؟ ماذا عساني أن أفعل سوى أن أعد الأيام كسجين يرى في الموت حرية؟؟
قد يحدث حتى أكثر من هذا ولكن سيتبقى لك شيئا تفعله طالما لازالت عالقا في الوحل. طالما لم تذوب.. حتى و إن نفذت كل الأشياء. الحزن أبدا لا ينفذ.. قد يبدو الحزن مشوشا ضبابيا في البداية. قد لا تفهمه في أوله.. قد تتشت كما الجميع بين كلمات العزاء والاحضان ومشهد تشييع الجثمان والصمت والعجز ورهبة الفراق والدموع التي تملأ العيون، ومحاولة إدراك اللحظات التي تتفلت في انعدام الشعور بالوقت.. قد يبدو الحزن تائها سرحا في البداية.. درويشا مجذوبا يترنح في روحك هنا وهناك دونما وجهة.. هائما لا يعرف سببا لهيامه، ولا يرجى من ضياعه وصول.. تستشعر به كسمفونية يغالبها وجعها تعزفها اوركسترا تشيع قائدها بأقوى ألحانه في ثبات.. موسيقى فخمة أخاذة مهيبة في خلفية مشاهد صامتة تتوالى لتحكي الحكاية.. مشاهد صامتة تضج بالأصوات.. بالحركة.. بالدعاء وبالبكاء.. أرضية بيضاء تتحرك فيها كل الأحداث والشخوص في هوس عجيب محموم غير مبرر، لكنه يبدو منطقيا جدا في حبكة ملامح وجوه الناس..
فراغا يملؤك لا يوجد شيئا غيره من الممكن أن يتسع لكل تلك الفوضى التي تدور في نفسها.. وقد يستمر هذا الحال يوما.. يومين.. ثلاثة.. عاما.. عشرة.. خمسين.. ستين عاما أو يزيد.. ولكن في القبر ينعدم الوقت وتأخذ بواقي الأشياء في الخفوت تدريجيا.. تتلاشى.. تنقرض.. تماما.. ويستبد بك النسيان.. يطغى.. يتمكن.. يكون.. كان.. ويبقى الحزن.. وحده.. سوادا.. بياضا.. يتردد.. صمتا.. لا شئ غيره.. إلى ما لا نهاية.. حزن.. وكأنه أول الأشياء وأخر الأشياء.. كأنه كل الأشياء.. حزن.. أبدا يعانق أزلا.. عدما لا يزول مهما زال.. حزن يليق بذوبان خيالك في وحل الحقيقة للأبد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق