الثلاثاء، 30 مايو 2017

من جدل الرسائل التي لا تصل


استهلال: ممزوجا بدمع عينيك أفيض دمعا لا يُرى.. ربما هو مطلع حزين ملائم يليق برثاء لا جدوى منه.. أو ربما لأني مرغم على قبول كافة الأشياء التي ترفضني رغما عنها أمتدح ما جاد به العبث.. هذا الهراء يليق جدا بالهباء الذي كتب من أجله، ونسيته من فرط إمعاني في تذكر ما لا يذكر. 

هبط الوحي فعلا، لكنه لم يقل شيئا. كل ما قد قيل كان من فرط دهشتنا ليس أكثر. أما أنا فكنت مثلك أمر هناك صدفة (أقصد عندما كنت حي). الآن أنا لا أعرف توصيفا ملائما لحالتي تماما كعدم معرفتي بتوصيف حالتك عندما كنت مثلي هناك، لكنهم هناك اتفقوا على أن يسموها الحياة؛ لنبقى مختلفين فيها وحولها لتبقى.. أذن كنت مثلك حي على الأرجح كما اتفقوا، ولكن هنا أنت وحدك ولا أحد غيري، لكني لازالت لا أعرف فعلا كأني لازالت مثلهم واقعا تحت تأثير الدهشة أتقول كل هذا الكلام محموما.

صدقني لا شئ مزعج في الصمت غير أنه فيه معنى محتمل لكل الكلام، والكلام بذاته مهما بدا محكما يظل محتملا أيضا قابلا للتأويل، ربما لهذا السبب لم يجد الوحي شيئا كي يقوله عندما هبط، ربما خشي من اختلاف التأويلات؛ ولهذا ترك لنا الصمت.. والصمت كما تعرف هو كل الكلام بطريقة أو بأخرى.. لقد ترك لنا الوحي لاشيء لنقول نحن لأنفسنا ما نشاء من الأشياء كما نشاء؛ ليبرأ نفسه من حماقتنا ربما، وربما ليترك لنا شيئا طفيفا من الحرية التي تجبرنا على القبول بكوننا مرغمين لنصبح ميسرين لوجود نعيش فيه مسيرين.. لكن سذاجة دهشتنا هي من ورطتنا في الكلام فأسمينها حياة وانطلقنا مصدقين، فلم يراجعنا أحد.

لا تتعجب الدهشة قد تنتج ما هو أكبر من هذا. الدهشة هي الأضداد، والأضداد هي كل شئ هنا. مدى الفراغ بيني وبينك فسيح بما يكفي لأن ينتج زمنا ناتجا من مكان لن نجتمع فيه أبدا فأنا بالنسبة لك كأنا بالنسبة لنفسي لا أعرفك لكي تعرفني نفسي التي هي أنت في عدم موازي كلما ابتلع نفسه تزايد. كلانا غريب يا صديقي.. كلانا كلام كتب على صفحة ماء آسن تبخر غيوما وسقط ليتبخر من جديد.. كلام لم يقال رغم أنه يملأ الاسماع، لايعجبنا أحيانا، يشقينا أحيانا أخرى، لكننا نحن من تقولناه عن طيب خاطر لنبقى مرغمين عليه وفيه.

أتعرف قبل هذا اليوم كنت أود أن أرسل رسالة لكل هؤلاء الذين لا أعرفهم ولن يصلهم كلامي.. رسالة تطمئن قلوبهم، وتربت على أكتافهم كي أمضي بعيدا عنك مودعا ملوحا بالسلام غير منشغل بالحقيقة، لكن الوحي قرر ألا يقول شيئا؛ لأنه كان يعرف كل شئ فقررت أنا بدوري أن أكون مثله فلا أقول شيئا؛ لأني ببساطة نقيضه الذي لا يعرف أي شئ، أما أنت فكنت على الجانب الآخر مني تمضي في حيرة تردد في نفسك نص الرسالة التي لن تصل.

"يا كل هؤلاء الذين خرجوا من مخاض دهشتهم تائهين لتوهم .. يا كل من لا تعرفوني، فلتعرفوا حال صادفتكم هناك سكينة أو باغتتكم على حين غرة نفحة من طمأنينة.. أنها رسالتي التي لم أكتبها ولم أبعثها فلم تصل كلاما ووصلت وحيا تقر به عيونكم حتى ولو لمرة واحدة بالعمر، عند ذلك أكون وصلت أنا في سلام إلى رسولي الذي ضل طريقه عني.. حيث الوحي.. حيث لا استطيع التفريق من كلانا أنا لأعرف من أنت.. فلتذكروا مقالي هذا الذي لم أقله وأفشى سره من هو مني وفي مثل حالي حد أننا تداخلنا فلم أعرف نفسي منه ليعرف نفسه مني، وكأننا حتى وإن وحدتنا الرسالة لن نلتقي أبدا ولو حتى هباء."

الأحد، 21 مايو 2017

رسالة إلى صديقة



     ولأن الفراغ أهوج لا يوجد شيء فارغ تماما، ولأني خواء أذن فلتعتبريني مجرد شك طائش كي تعتبري.. فوضى شك مجردة.. عبث لا يعنيه السؤال عن هذا الكم المهلهل المهمل الملقى داخله من الجهل المرصع بصدأ المعرفة وغبار المعاني وركام المشاعر.. الأجابات في أغلبها نكات، والضحك يميت القلوب، وقلبي مات، ولم يعد في وسعه أن يموت مرة أخرى.. فالموت مثلك لا يكرر مرتين يا مريبة العينين.. يا احتمالا يفوق احتمالي.. لكن لا بأس في آخر الجولات لابد لي من نصر يحفظ للمنطق شيئا من وقاره.. ضربة تطرحني أرضا لأسقط سقوطا مدويا يوجع الأرض من تحتي لفرط شدته.. تلك هي الحياة خيبة منطقية كبرى نلملم شذاراتها من مناحي الألم، ونبرهن عليها بفقدان معنى العدم.. قياس بسيط لحب فريد في جرحه.. مزيف بصدقه وعمقه.. الحب أيضا لا يأنف أن يأكله التراب، ولا شيء بعد الموت يستحق الحزن، ولا حتى الحزن ذاته يا صديقة.

الثلاثاء، 16 مايو 2017

قوانين الألم والمواساة


على أعتاب انتصاف العمر وجودا.. أعني عندما تساوت المسافة كماهية بين نقطتي الميلاد والميعاد اكتمل نضج العلة من وراء الطريق في عقلي؛ فتبدد بهدوء من تحت قدمي، وغام أفقه تدريجيا في عيني، فبدا كأن لم يكن، أو كأن لا غاية منه أو فيه. 
هكذا يستحيل الأمل إلى ملل، والملل إلى زهد، والزهد إلى تحصيل حاصل لنحتال على الحياة بقبول حيلها.  هناك على شفا حافة العد التنازلي للأشياء أقف بكل ما في الحكمة من لامبالاة بعقولنا، وبكل ما في اللامبالاة من استسلام مرغم لمصيرنا بين قانونين فيهما من الخيبة والعدم ما يكفي للعزاء وللمواساة.

الأول: لا توجد خسارة أكبر من كونك موجودا لتخسر. 
والثاني: هناك دوما ما هو أسوأ ليحدث.
وبينهما يلح السؤال بلاجدوى إجابته كقيمة مثالية مطلقة جوهرها العدم، وظاهرها الصمت الذي يكبح جماح ضجيج الحقيقة.. لماذا كل هذا؟؟

فيوضات العبث