السبت، 16 سبتمبر 2017

خوارزمية الجنون


عمر الكون يساوي تقريبا ٧٠ ألف ضعف عمر البشرية على الأرض، ويساوي أيضا حوالي ٢٠٠ مليون ضعف لأعلى متوسط عمر بلغه الإنسان في خضم كل هذا التقدم العلمي والطبي الحالي.  إذا ما كانت تلك للأرقام حقيقة خلاصة ما اكتشفنا بوعينا، وبرغم هذا لا نفهمها، ولا نشعر بها على حقيقتها نظرا لضخامة تصورها على إدراكنا.. فما بالك بالوضع معكوسا كيف يرانا الكون داخله على هذا النحو من الضآلة التي تؤول للا شيء تقريبا؟؟ هذا على فرض صحة الأرقام من الأساس. 

أعتقد أنه من جهة الكون الأمر أشبه أنك تضيع مثلا نصف دقيقة خلال خمس سنوات للتفكير في تفاهة لانهائية التفاصيل، ليست ذات معنى أو شأن.. تماما محض لحظة عابرة تمر عليك تشتت تركيزك دون جدوى؛ لتسهو عنها فتنساها، لتبدأ شيء جديد. أما من جهتنا ليس بوسعنا إلا أن نبالغ في الاحتفاء بالعلم؛ لنواري سوءة جهلنا بالحقيقة رغم كونه ليس أكثر من آلية رصد حسية ظاهرية، ومجرد محاولة عقلية منهجية قاصرة للتفسير.. لكنه يعد مع ذلك آلية هروب جيدة نسبيا من مرارات الخواء واللا معنى. 

الاشكال من وجهة نظري يكمن في كون الإنسان يرى الأمور من جهته فقط، ولا شيء في الكون يراجعه في تلك النظرة.. ربما لا يراجعه أحد لسفاهته، وقلة شأنه، وغباء تصوره.. وربما يكون لا شيء أصلا يكترث، والإنسان هو من يتعب نفسه دون جدوى.

بناءا على ما تقدم وعلى مستوى وجودي مجاوزا للكون والإنسان.. لا يمكن اعتبار الوجود حدثا مدهشا حيث أن ذلك مجرد افتراض يدحض نفسه، ذلك لأننا ببساطة في خضم الوجود لا يمكننا اختبار العدم الذي ربما يكون مدهشا بطريقة أكبر وأعظم.. بمثل تلك الفكرة يمكن دحض كل ادعاءات الدقة والنظام والأبداع في الكون، بل وكل تلك الصفات العظيمة التي نلصقها به حيث لا يمكننا تصور أي شيء خارج عن وجودنا فيه.

فالوجود بشكل عقلي مجرد يطفو على سطح بحر هائج من الأضداد بطريقة مريبة نرى فيها جواهر الأشياء مبعثرة جدا، بحيث لا يمكن ترتيبها إلا إذا أنتظمت في خيط عقل كادح يتهيب أصلا من حقيقة إنفراط عقده عبثا.

وكنتيجة لذلك لا يمكننا غير الاستسلام لفكرة أن الحياة ليس بوسعها أن تكون أفضل نظرا لوجودنا، وليس بوسعنا أن نكون بحال أفضل من ذلك نظرا للحياة.. جدلية تتغذى من نقيضيها.. نظام معزول ومحكم.. آلي الحركة.. ذاتي التأثير والتأثر.. ثابت السوء.. يتمادى في الحفاظ على نفسه.. الحياة محنتنا الأولى، وفي نفس الوقت هي عزاؤنا الوحيد في تلك المصيبة.. نحن أبنائها العاقين الذي تبقي عليهم حبا فيهم تحت وطئة الأمومة، وعقابا لهم بداعي العقوق.. خلل جذري ضارب في عمق كل الماهيات نظرا لاستقرارها رغم تضاربها.. ونظرا لتضاربها المؤدي لاستقرارها.. خوارزمية جنون معقدة تستعصي على الجنون فضلا على العقل.

الخميس، 14 سبتمبر 2017

مكتسبات ما بعد الثلاثين


لازالت هناك أشياء جيدة في حياتي.. يكفي جدا أنني في الثلاثين، لكن مازالت بصحة جيدة.. نظري ليس حادا، لكنه إلى الآن لم يرغمني لارتداء نظارة.. ألتقط صورا ضبابية مشوشة، ولكن هذا يقيني الأثار السلبية للتدقيق في الوجوه العكرة.. أسناني منتظمة بيضاء تميل إلى الاصفرار مع ضروس جميعها محشوة بحشو صناعي له نفس اللون المصفر. اقتلعت منهم ضرسين للعقل؛ لتخفيف حدة التفكير، وتجنبا لحشو العصب.. أمتلك أيضا ظهرا خربا أفسدته "عفشة" سيارتي التي أفسدها الصنايعية حينما حاولوا مرارا إصلاحها بعدما أفسدتها الحفر والمطبات المنتشرة في طرقات ربوع هذا الوطن المتآكل.. لا أنكر أن ظهري يفسد علي كل شيء تقريبا.. يقض مضجعي.. يقاطع أحلامي؛ لأستيقظ منها متألما فزعا.. لكن لا ضير أيضا يكفي أنه صديق صدوق تصاحبني آلامه الحادة في الليالي الهادئة كي لا أبقى وحدي أمام آلام تذكر خيبات الوطن، وخيباتي.. لازال جهازي التنفسي جيدا نسبيا يتجاهل ثلاثين لفافة من التبغ يوميا لمدة تتجاوز العشرة أعوام.. لازال يعمل بكفاءة مع أعطال بسيطة تظهر من حين لأخر رغم أجواء هذا الوطن الغارقة في العوادم، والتراب الناعم المثير للحساسية.. جهازي الهضمي حوله الكثير من علامات الاستفهام التي لم يجد الأطباء لها تفسيرا.. وجبة واحدة تكفي في اليوم دون مشاكل، وهذا شيء يضمنه لي عدم حبي لتكرار فقرة الأكل المملة ثلاث مرات يوميا.. شعري يتساقط بانتظام مع تناثر أعداد بسيطة من الشعرات البيضاء في الأرجاء.. أيضا وفي هذا السن لازالت بعض البثور تظهر في وجهي تاركة من خلفها ندوبا لطيفة، لكنني أعتبر ذلك تنفيسا جيدا لحالتي النفسية المزرية، وتقلب مزاج هرموناتي.. كما قلت لك في حياتي لازالت هناك أشياء جيدة.. ما أروع أن تعيش ثلاثين عاما في الجحيم، وتظل بصحة جيدة لتصلح للألم.

الأحد، 10 سبتمبر 2017

الوجو الأعور


على جثث ما تبقى أريد أن أكتب شيئا لا أعرفه.. حقيقي لدرجة أني لا أجده في اللغة.. صادق لدرجة تتجاوز ألاعيب البلاغة، وحيلها.. موجع بدرجة تشبه صمت الموتى، وخواء الفراغ.. شيء أشعر أنه يفلت مني كلما هممت بالإمساك به؛ لدرجة جعلتني لا أريد حتى أن أعرفه. 


السائل الأزرق قد يغري الحمقى، أما أنا فلم يبق لي شيئا لأمحوه فضلا على أن أكتبه.. بياض.. كفن ناصع من الصفحات.. لا أعرف تحديدا من كتب اسمي في تلك المهزلة؟؟

ما أشبه ما لا أعرفه بما أريده، بل ما أشبه ما لا أريده بكل ما أعرفه.. المكان هنا ينزف وقتا.. وقتا.. ينزف مكانا ما هناك. من حيث تدخل تغلق عليك الدائرة؛ لتبحث عما لا تعرف هربا مما عرفت، وتهرب مما لا تعرف بكل ما عرفت.. هكذا يتلاعب بي الخيال.. تتجاذبني الظلال.. كهوف بعضها من بعض.. كذبة واحدة تكفى جدا لأن نكذب إلى ما لانهاية دون مبرر أو قصد.

العدم أعمى.. أطفأ سيجارته المشتعلة في عين الوجود.. يالها من صدفة.. ياله من سوء حظ تناثر على إثره الرماد بعيدا في وجود أعور.. بعيدا حيث أنفخ الدخان متتبعا أثر ما لا أعرف أثره.. ظنا مني أنه سيؤثرني على نفسه كي لا تمتلأ الصفحة فلا تمتلأ المنفضة.. ظنا منه أنني لن أكتب ما جاء عبثا رماد وهذيان.

فيوضات العبث