عمر الكون يساوي تقريبا ٧٠ ألف ضعف عمر البشرية على الأرض، ويساوي أيضا حوالي ٢٠٠ مليون ضعف لأعلى متوسط عمر بلغه الإنسان في خضم كل هذا التقدم العلمي والطبي الحالي. إذا ما كانت تلك للأرقام حقيقة خلاصة ما اكتشفنا بوعينا، وبرغم هذا لا نفهمها، ولا نشعر بها على حقيقتها نظرا لضخامة تصورها على إدراكنا.. فما بالك بالوضع معكوسا كيف يرانا الكون داخله على هذا النحو من الضآلة التي تؤول للا شيء تقريبا؟؟ هذا على فرض صحة الأرقام من الأساس.
أعتقد أنه من جهة الكون الأمر أشبه أنك تضيع مثلا نصف دقيقة خلال خمس سنوات للتفكير في تفاهة لانهائية التفاصيل، ليست ذات معنى أو شأن.. تماما محض لحظة عابرة تمر عليك تشتت تركيزك دون جدوى؛ لتسهو عنها فتنساها، لتبدأ شيء جديد. أما من جهتنا ليس بوسعنا إلا أن نبالغ في الاحتفاء بالعلم؛ لنواري سوءة جهلنا بالحقيقة رغم كونه ليس أكثر من آلية رصد حسية ظاهرية، ومجرد محاولة عقلية منهجية قاصرة للتفسير.. لكنه يعد مع ذلك آلية هروب جيدة نسبيا من مرارات الخواء واللا معنى.
الاشكال من وجهة نظري يكمن في كون الإنسان يرى الأمور من جهته فقط، ولا شيء في الكون يراجعه في تلك النظرة.. ربما لا يراجعه أحد لسفاهته، وقلة شأنه، وغباء تصوره.. وربما يكون لا شيء أصلا يكترث، والإنسان هو من يتعب نفسه دون جدوى.
بناءا على ما تقدم وعلى مستوى وجودي مجاوزا للكون والإنسان.. لا يمكن اعتبار الوجود حدثا مدهشا حيث أن ذلك مجرد افتراض يدحض نفسه، ذلك لأننا ببساطة في خضم الوجود لا يمكننا اختبار العدم الذي ربما يكون مدهشا بطريقة أكبر وأعظم.. بمثل تلك الفكرة يمكن دحض كل ادعاءات الدقة والنظام والأبداع في الكون، بل وكل تلك الصفات العظيمة التي نلصقها به حيث لا يمكننا تصور أي شيء خارج عن وجودنا فيه.
فالوجود بشكل عقلي مجرد يطفو على سطح بحر هائج من الأضداد بطريقة مريبة نرى فيها جواهر الأشياء مبعثرة جدا، بحيث لا يمكن ترتيبها إلا إذا أنتظمت في خيط عقل كادح يتهيب أصلا من حقيقة إنفراط عقده عبثا.
وكنتيجة لذلك لا يمكننا غير الاستسلام لفكرة أن الحياة ليس بوسعها أن تكون أفضل نظرا لوجودنا، وليس بوسعنا أن نكون بحال أفضل من ذلك نظرا للحياة.. جدلية تتغذى من نقيضيها.. نظام معزول ومحكم.. آلي الحركة.. ذاتي التأثير والتأثر.. ثابت السوء.. يتمادى في الحفاظ على نفسه.. الحياة محنتنا الأولى، وفي نفس الوقت هي عزاؤنا الوحيد في تلك المصيبة.. نحن أبنائها العاقين الذي تبقي عليهم حبا فيهم تحت وطئة الأمومة، وعقابا لهم بداعي العقوق.. خلل جذري ضارب في عمق كل الماهيات نظرا لاستقرارها رغم تضاربها.. ونظرا لتضاربها المؤدي لاستقرارها.. خوارزمية جنون معقدة تستعصي على الجنون فضلا على العقل.


