الجانب الوجودي للحكاية مظلم للغاية، بينما الجانب الذي نظنه مشرقا هو مهرب الوعي الذي يصل بنا بعد جهد وعناء في النهاية لنفس الحقيقة المرة التي هربنا منها في البداية. دائرة مفرغة بين الهنا - الحياة والوجود- والهناك - الموت والعدم-... فهنا حيث أن المجهول الذي تجهل جهلك به هو نفسه المجهول هناك الذي تفر منه وتخشاه أن يتفاقم؛ لعلمك أنك تجهل كل شيء عنه.
التفكيك هو خلل الوعي الأصيل. فالوعي يلجأ للتفكيك كلما عجز عن الإدراك فتزداد الأمور تعقيدا وتفاصيلا دون جدوى. الوعي مسبوك باللغة، واللغة تحدها الحقائق. حتى عمق أعماق الوجدان يتداعى حين ندرك أن المشاعر ميتافيزيقيا الغرائز بالأساس.
المعاني أصلا تتوالد جراء أن الوعي حبيس اللغة، واللغة حبيسة الوهم والتقريب، لا الحقيقة والتدقيق. الشاعرية حتى كأسلوب تعبير انساني على صدقها وذاتيتها يمكن أن نقتل كل صورها وألوانها بنفس ذات الطلقة. فما هي في أجودها وأصدقها سوى انعكاس للحزن الناجم عن هذا اللون الرمادي القاتم المستمر للأشياء، الذي يموت مجازا لنحيا فيحيا بوجودنا رماديا من جديد. هكذا تتنتج العتمة نفسها بنفسها طوال الوقت بحيث لا يسعنا إلا أن نجعل من مأساتنا ملهاتنا التي تسري عنا. فنكتب أنفسنا قصائد، ونرسمنا أساطير، وننظم الفوضى من حولنا في قوانين، ونلتهي في التفاصيل، وندور في سفر طويل، وبحث مضني؛ لنفسر الماء بعد الجهد بالماء.
إن هذا الوجود المبصر الواعي الذي يملأ عقولنا ليس سوى نظارتنا السوداء السميكة التي تحجب عنا الوجود الحقيقي الذي يستر عماه بنظارتين من العدم، فلا يبصرنا من الأساس. فالوعي في أحسن أحواله ليس أكثر من علكة ملتصقة بنعل الوجود الذي يفضل أن يسير حافيا. لا أفكارنا هي من تحرك العالم، ولا العالم هو من يحرك أفكارنا.. ذلك أن الدافع لوجود مثل تلك الراوبط هو ذاته المانع حيث لا ثمة انفصال أصلا.
ثغرة وعي المطلق -الغائب الحاضر- مثلا هي النسبي -الحاضر الغائب- الذي يستخدمه لسد ثغرات وعيه.. ذلك أن النسبي والمطلق وحدة واحدة لا تتجزأ.. لا ثمة انفصال في الثنائية كما قد يظن للوهلة الأولى.. تلك الثنائية التي تطفو في كل شيء على أصغر مستوى، وعلى أكبر مستوى هي الوحدة الواحدة التي لا تنفصل أصلا.. هي الكل الذي لا يتجزأ إلى ما هو أصغر وأكبر.. الكل الذي يتنامى ويكبر كوحدة واحدة لانهائية.. الكل المطرد الذي يستحيل إدراكه، بل ويستحيل كل شيء مع إدراكه.
باختصار نحن ظل الوجود الباهت بينما اللانهاية هي مرآة تنظر نفسها في مرآتنا محاولة إخفاء شرخ كبير في قلبها وقلبنا أسمه اللاجدوى، والعقل مجرد طفل سخيف يبصق في وجه السماء، ويضرب الأرض بقدمه، ويبكي صارخا، ولا يرضيه شيء.. الوجود هو أنت الذي جئت لتموت.. والمعرفة هو أن تعرف أن معرفتك بهذا من عدمه غير مؤثرة في ذلك على الأطلاق.. أما القيم فهي محاولة تشبث فاشلة.. القيم بمثابة المطبات التي نضعها لأنفسنا؛ لنخفف من عبث سرعة مرورنا الجنونية من الحياة.. بزوالها ستمضي الرحلة سريعا، ويكأنها لا تمضي، ولم تمضي من الأساس.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق