الاثنين، 7 يناير 2019

بيروقراطية الكون



ربما تعد البيروقراطية من حيث كونها مفهوما أجتماعيا تنظيميا ونظاما قانونيا وسياسيا ذروة سنام النظام الحضاري للإنسانية، إلا أنها بمرور الوقت -وكما كل منتجات الحضارة- تداعت على نفسها من الداخل خاصة حينما تشابكت الامور وتعقدت، فاضطررنا إلى تقديم صرامة مادية النظم والتنظيم والقوانين على عمق الجانب المعنوي للأفراد ورغباتهم ومشاعرهم وأحاسيسهم  بحيث صار النظام عبأ يثقل كاهل مصلحة الفرد والمجتمع، بل أصبح في أحسن أحواله يحول البشر لأسنان صدئة في تروس ماكينة ضخمة كثيرة الضجيج قليلة الطحين مضارها أكبر من نفعها. فحينما تجاهل النظام سبب سلطته وتناسى القانون الداعي من سطوته، واستحال كلا منهما إلى أطر صلبة مجردة جامدة خالية من الروح وعمق المعنى حينها اصطبغت البيرواقطية كلفظة بصبغة سلبية سرعان ما تتبادر إلى الأذهان عند ذكرها.

وقد يرجع هذا التداعي والتهافت للبيروقراطية عبر الزمن إلى جذرها الأغريقي -كراتس- والذي يعني السلطة. ولاشك أنه لا نظام ولا تنظيم ولا قانون بدون سلطة.. ولا شك أيضا أنه لا سلطة من غير شر وضر. فالسلطوية على قدر ما تمنح من العطايا وتقي من الفوضى، على قدر ما تمنع وتقيد من الحرية. وتلك طبيعة الحال في كل أشياء الوجود على قدر ما تعطيك تسلبك، حيث يمكن إسقاط تلك القاعدة على أصغر مقياس إلى أكبر مقياس في الوجود. ففي الوجود لا توجد أشياء صرفة خالصة. فأشياء الوجود تخضع لجدلية الشيء ونقيضه معا في آن واحد.

فحتى الكون ذاته يغرق في بيروقراطية عتيقة. فالقوانين والنظم التي تدير الكون، والتي نستنتجها بمرور الوقت بالعلم يطفح منها الروتين بدرجة لا تطاق. وكأن المشكلة ليست فقط في مدام عفاف التي تعمل في التأمينات، وتريدك أن تدور على كافة المكاتب كي تنهي أوراق معاشك، ولا في أستاذ مدحت المسجون خلف قضبان شباك تراخيص المرور، ويريد خمسين جنيها كي يختصر عليك الطريق الطويل للروتين من أجل استرداد رخصة مركبتك. المشكلة في الروتين الأصلي الكبير الذي سمح بوجودنا جميعا على هذا النحو؛ كي نخلق روتينا مشابها مليء بالقوانين لنعيش من خلاله وفيه أسارى؛ لنموت في النهاية بطريقة روتينية أيضا وسمجة. المشكلة في السلطة والنظام الذي يستحيل تخيل الوجود أو تصوره دونهما.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

فيوضات العبث