الثلاثاء، 4 يونيو 2019

هواجس ‏اللاجدوى



الحروف تتشابك، والكلمات تتوالى، والعبارات تنهمر، ثم أقلب الصفحة، وليس معي مما قرأت شيئا سوى اصفرار لون الورق الكئيب. لا شيء يدخل إلى عقلي، وكأن عيناي يمحوان المعاني بمرورهما على الكلمات.

حتى الكتابة أصبحت ثقيلة لا تغري. فقدت خاصيتها في ضبط التوازن، وتهدئة الروع، وتحسين المزاج. أمر على الصفحات البيضاء مرور شيخ طاعن على فتاة تضج جمالا، ويضج بها الجمال.. لا شيء ملفت.. لا ثمة دافع للرغبة، رغم أنه لا ثمة مانع منها. تختنق الأفكار في رأسي من فرط تزاحمها.. تموت، فتشيعها غيرها التي تموت زحاما في كأبة المشهد، وهكذا.

أسند رأسي على مسند الذكريات.. لا ثمة شيء يستحق الذكر.. لا ألم، ولا فرح، ولا حتى لغز.. خانة بيضاء أخرى لا تسترعي الانتباه.

حتى مقطع الموسيقى الذي يصيبني بالنشوة والشبق أدركه العطب.. ربما أفسدته بالتكرار.. صار حياديا مثلا الماء.. لا طعم، لا لون، لا رائحة.. لم يعد حوار العود والكمان ذكيا كما سمعته أول مرة.. ردود مكررة.. سخيفة.. متوقعة لدرجة أن انعدامها لن يشكل فرقا..

الميتافيزيقا ‏التي تلاشي ‏نفسها


بينما كانت تتوالى طعنات الوجود على كل سنتيمتر من عقلي.. كان العدم يخرج لي لسانه نكاية. لا شك أن الوجود منتج رديء للغاية. كل ما نراه يروج عنه مجرد حملات دعائية كاذبة سببها عجز الوعي. فما لم يصلحه قانون الغابة البدائي، لم ولن تصلحه كل قوانين الحضارة مهما تراكمت. لا علاقة للنتائج بالأسباب. هذا ببساطة جل ما تعلمته بعد أكثر من ثلاثين عاما في ممارسة الحياة. السببية حمق بدائي لا أكثر.. ميكانيزم يهدر الوعي والواعي معا.

فحتى وإن كان الشتات من حيث هو عدم ووجود لا يمكن فصله وجوديا عن بعضه،إلا أنه لا يمكن تصور ماهيات مكوناته إلا بانفصالها أو على الأقل جمعها معا في إطار أعلى. وكل إطار أعلى لا يمكن فصله وجوديا عن الإطار الذي هو أدنى منه بحيث لا يمكن الفصل بين ماهية كل منهما، ولا يمكن جمعهما إلا في أطار أعلى وأعلى.. وهكذا هلم جرا. حتى الجمع بين الوجود والماهية كونهم إطار واحد يورطنا أكثر في جدلية بعدها الثالث لابد أن يكون مجاوزا. وكأن الوجود هو ميتافيزيقيا متوسعة تلاشي نفسها بالأساس.

فيوضات العبث