الأحد، 24 نوفمبر 2019

التعافي ‏باللامبالاة



لا أعرف تحديدا إلى متى ستظل تلك الأوراق مكفنة في بياضها، وتلك الأقلام متناثرة منكتمة الصرير.. ربما سكينة حقيقية هي ما احتوت روحي على حين غرة فاغتالت الوحي في عقلي.. فنضبت فيه الكلمات، وجفت منه العبارات، وتداعت عليه كل الصياغات فأردته قتيلا تحت ركامها لا يؤمل منه حراك، فتسيد الصمت الحال هكذا دونما نزاع أو وقاع. 

أشعر وكأنه لا شيء أخفيه كي أبديه، ولا شيء أبديه كي أخفيه.. هكذا استسلم قانعا لخواء الخاطر، وهباء السامر، ولا جدوى الحديث بكل صوره وصنوفه. بل ربما هكذا صرت على بعد خطوة واحدة من رفض تام بات لسلوان الكلام، ويكأني لن أقبل عزاء في وجودي غير صمتي، وتلاشي صوتي، وانعدامي من منطق المعاني قبل هرطقة المباني. ينكتم ضجيج سخطي في، ويخبو صريخ غضبي بعيني؛ ليعلو رثائي لنفسي صامتا بابتسامة بلهاء أسخر بها من نفسي، ومن المحيطين، ومن العالم بأسره، بل من الوجود ذاته.. حيث لا شيء فعلا يستحق أي شيء. 

هكذا أدركت ببساطة بعد كل هذا اللغط الكثير الذي لطالما أنهكني.. أن الحياة لا تراني -ولن تراني- فأصبحت لا أحملها ما يفوق طاقتها، التفت عنها متغاضيا - كما تفعل- كأنها لم تكن؛ لأن هذا هو فعلا أصدق ما ينتظرني فيها بالنهاية.. إن التغاضي عن الحياة، وعدم أخذها على محمل الجد يورد قدمي دربا جديدا لسعادة مختلفة الطابع أنتشي فيها باعتيادي على الأحزان.. دربا آمنا أخطوه.. يقتل في قلبي الخوف من فرط تمرسه بالخيبات والعثرات.. دربا مريحا واضحا من اللامبالاة بعد وعثاء سفر مزر طويل في دروب الأمل المبهرجة المظهر خاوية الجوهر.. هكذا اتعافى من كل العلل دفعة واحدة بيقين مطمئن في الموت الذي أنزهه بنفس حال التغاضي هذا عن كل تصور أو رأي أو اعتقاد.. وأراه مجرد مجهول لا يستحق الانتظار، ولا حتى التأمل.. مجهول لا يستحق إلا أن يكون حين يكون.. هكذا ينجو الموت أيضا من حيرة وهم الأماني، وتخبط أضغاث التصورات، وهواجس اكتمال النقص، وخلود الفناء.. هكذا يقبع هادئا قريرا في مكانه دونما نباح شرس يخيف، ولا مواء مستعطف يغري. مجرد موت سيكون كما يكون؛ لأكون فيه كما أكون.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

فيوضات العبث