الأربعاء، 15 يناير 2020

عصر ولكن

لاشك أن عصر الحقائق الثابتة والأفكار المطلقة، والمعني ذا المقصد الواحد، والطرق ذات الإتجاه الواحد ينحسر يوما بعد يوم. فلا يغفل مبصر أن عصر الاستمبة والقالب والنموذج والقواعد والأصول والموروث يحتضر في سرير الموت. 

نحن الأن ببساطة نقف على باب عصر جديد اسمه "عصر ولكن".. عصر قوام أيدولوجيته هو الجمل الأعتراضية، والجانب الأخر من كل شيء، ومقابلة الضد بالضد، وأحترام الارتباك الذي يسببه التناقض، بل واعتباره صورة من صور الفهم. عصر تفهم الفوضى التى ينتجها الأختلاف، بل وتذوق الاضطراب الناتج عن المنهج الفرادني في التفكير. بحيث لا يستطيع عاقل متفهم اليوم أن يغفل الجانب الآخر من رؤيته أو فكرته أو موضوعه. 

ربما الصراعات الدائرة أصلا هي صراعات وجود بالنسبة للجهلاء والحمقي والأغبياء من المتجمدين، بل لربما هي صراعاتهم الأخيرة التي تزداد بها خسائرهم يوما بعد يوم وصولا إلى أن يتلاشوا للأبد. أعتقد أن البشر سيمرون قريبا إلى هذا العصر الذي سيتغير فيه كل شيء.. ففي الغالب مسيرة البشر تتعقد معنويا كلما تشيب، بينما تصبح أكثر أريحية ماديا على الجانب الآخر من الصورة. ولا أعرف ما إذا كان هذا التوازن سيكون كافيا في العصور المقبلة بما يضمن بقائنا أم أن الجانب المعنوي سيتقعد جدا ويتأزم تماما بحيث لا تستطيع ماديات الحياة من رفاهية وتطور وراحة وسهولة أن تجابهه. 

لكن تخيل أن تصبح الثوابت على الأرض بعدد البشر وتصبح الأفكارفي مثل ذلك. تخيل أن يصل بنا الحال يوما أن نتوافق على أنه لا حاجة للتوافق على أي شيء، و نقدم الفرد على الجماعة، بل ونقدس الاختلاف على حساب التوافق. ربما حينها تصبح الأمور فوضوية للغاية بحيث تصبح الحياة غابة من جديد محركها هو توافر القوة مع المصلحة، وربما تنتظم الحياة بسقوط فكرة القوة والمصلحة معا في خضم الأفكار التي تسقط يوما بعد يوما. ربما تدفعنا الفرادنية لحيوانية بدائية همجية، وربما تفتح لنا أفاق جديدة نحو عالم جديد تصبح فيه نفوسنا معقدة جدا بحيث تسقط غرائزها الحيوانية تلك، فنصبح كائنات جديدة تدور في دورة جديدة من التطور. 

علينا فقط أن لا نستهين بالتطور.. فالتطور أنتج وعيا يكتب لك هذا الكلام لتجد نفسه تفهمه. فربما تسير عجلة التطور نحو الأفضل، ونصبح كائنات أرقى مع الوقت بحيث يختفي القتل والعدوان ومحرك المصلحة المقيت. ولكن أعتقد أن هذا الرقي المنشود لا علاقة له بالسعادة التي تصبو إليها البشرية، لأنه ربما نصبح كائنات أرقى، ولكن أكثر حزنا وضجرا ومللا واكتئابا. ربما ليس كحزن اليوم ولا كملل اليوم الحاصلان بفعل ضغوط الواقع. ربما عندما يزيد وعينا بأنفسنا لدرجة أن نكسر فيها دوافعها الغريزية الحيوانية. ربما تصبح نفوسنا هكذا عبأ وحزنا واكتئابا ووجعا بذاتها.

إن تراكم التغييرات ليس شرطا أن يمضي بنا للأمام خاصة، وأن التغييرات تمضي وفق قوانين لا نسيطر عليها، بل حتى لا نفهمها، ولانعرف أبعادها؛ ولهذا نجد أنه في أحيان كثيرة تتعقد تلك التغيرات، وبدلا من أن تدفعنا للأمام تعيدنا للخلف، وكأن الأمر يمضي بعشوائية لا يمكن ضبطها، ولا حتى توقع ما قد تؤول إليه. ففيما نرى نجد مثلا أن الإرادة الحرة -الناتجة أساسا عن ظهور الوعي- تبدو الآن بعد تعقيدها وتحميلها بأفكار كثيرة معيبة أصبحت رادع للإنسان بدلا من أن تكون دافعا له، لدرجة أنها أصبحت تهدر قيمة الوعي ذاته.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

فيوضات العبث