وكأن الأمر بأكمله قائم على مبدأ تضارب المصالح.. المصلحة هي المحرك الأول لكل شيء، والتي هي أيضا بتزايدها واستشرائها سوف تعطل كل شيء.. فمثلا لابد أن أكون إنسانا بكل ما تحمل الكلمة من سوء في تعاملاتي معكم؛ لأظهر في صورة جيدة تلبي رغباتي واحتياجاتي.. ولو صرت على النقيض إنسانا بكل ما حمل الكلمة من لطف وجمال في أعينكم.. فإن هذا لا يمكن له أن يحدث إلا بأن أتجاهل رغباتي واحتياجاتي، بل أحيانا بأن أحمل نفسي فوق ما تطيق.
لفظة الانسانية محتملة ومتضاربة ومختلة فلا أحد هنا يستطيع إرضاء نفسه والآخر معا.. لاشك أن هذه الفكرة بحد ذاتها في تلك الصورة تبدو متضاربة ومختلة، ويمكن الطعن فيها.. فأنا مثلا بنسبة كبيرة أشعر أن المشكل الحقيقي في حياتي أني منعدم المصلحة.. لا أنشد غاية أو هدف من وراء ما أقول أو أكتب أو أفعل أو أحس.. رغم هذا أبدو في نظر كثيرين حيوانا مملا لا يطاق، وفي نظر آخرين شخصا يستحق الشفقة، وفي نظر آخرين مثيرا للأعجاب والدهشة.. وفي نظر نفسي أبدو في كل هذه الصور على تضاربها.
ربما كثير ممن يحبونني الآن يحبونني ﻷني لا أحب.. أعرف أنهم ينتقدون وحدتي بشفاههم طوال الوقت، ولكني أتفهم أيضا أن وحدتي تلمع في عيونهم، وتغريهم.. الغريب أن تصبح مثيرا فقط ﻷنك صادق الألم..
أما عن الحب.. فمن سنوات قليلة مضت كلما كان يسكرني الحب بنشوته كان التفكير في الغد وملله لا يمهلني ﻷنتشي.. كان ينقض على قلبي سريعا، ولا يتركني إلا وقد أستفقت تماما.. نعم.. أستطيع أن أصف نفسي بأني كنت خياليا يقبع على خلفية واقعية لا تدع للخيال فرصة ليستمر، ولا حتى تدع الواقع ينتصر.. هكذا فعلا عشت سنين لا أعرف معنى التضارب، ولا أفهمه.. ربما الآن كبرت وفهمت واستفقت ولم أعد أقوى على سكر مشين كهذا.. ولكنني لازالت متورط في عالم المخمورين السكاري بوجودي بينهم كل ما تطور في الأمر أني متضارب، وأعرف بذلك.. لا أبرر تضاربي أو تضاربهم، بل وأعتبر التضارب شئ عادي، بل أظنه هو طبيعة الأمر كله.. ولربما نظرا لهذا التطور أصبحت أكثر تأقلما مع أشياء كثيرة منها مثلا عبارات والدي القاسية من عينة "لقد أنفرط عقدك" أو "أنت قضيتي الخاسرة" أو "لم أنصف بك يوما". أتفهم جدا قساوة تعبيراته، ومدى الحب الصادق الذي ينبض في حروفها.. أن أبي ببساطة يريد أن يعبر عن رسالة ملحة داخله، وهي أنه ليس سعيد؛ لأني لست سعيد.. أتفهم أنه لن يكون سعيدا إلا إذا رآني سعيدا بالطريقة التي يريدها ويرضاها.. وهذا ايضا تضارب آخر يطعن في كل الاشياء..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق