السبت، 21 مارس 2020

كورونا السجان المستجد.. ومفارقة الوحدة حيث الجحيم هو الآخرون



لا يخفى على أحد أن الإجراء الوحيد المتاح حتى الآن للتصدي لجائحة كورونا هو إجراء العزل لكافة الأفراد.. "عامل الآخرين جميعا ويكأنهم مصابين أو اعتبر نفسك مصابا، ومارس الحجر المنزلي على نفسك" هذه ببساطة خلاصة توصيات منظمة الصحة العالمية. وعلى هذا يجدر بالجميع حكومات وشعوب ومنظمات ومؤسسات أن يتكاتفوا لتنفيذ هذا العزل بشكل طوعي في كل أنحاء العالم، قبل أن تتفاقم الأمور بزيادة أعداد المصابين، فيتحول الأمر لعزل أجباري وحظر قهري للتجول كما يحدث حاليا في ايطاليا بعدما تفاقمت الأمور، وانهار النظام الصحي أمام تسونامي حالات الأصابة.. الأمر يبدو وكأننا أمام فيروس يحمل طبع سجان غشيم لا يستطيع مسجونيه إلا البقاء في زنازينهم هادئين خوفا من بطشه وغضبه.

ومن العجيب بحق أنه من خلف هذا التكاتف المنشود تطل علينا مفارقة عبثية بامتياز تلائم عبث الوضع الراهن، حيث على الجميع الآن أن يتكاتف -معنويا- على ألا يتكاتف الناس أو يتخالطوا -جسديا-.. على الجميع أن يتوحدوا في أن يتوحد كل واحد منهم في عزلته.. نتوحد "بمعنى نتحد" على أن نتوحد "بمعنى أن نبقى وحيدين". كلمة الوحدة هي مفارقة في حد ذاتها، من حيث أنها لفظة تحتمل المعنى وضده في نفس الوقت. فما بالك حين تكون المفارقة هي الوحدة الناجمة عن حبس قهري يمارسه سجان غاشم غشيم لا سبيل الخلاص منه ولا مقاومته إلا بالبقاء في السجن.

ربما من تلك المفارقات والملابسات طفق رأسي يستدعي عبارة جان بول سارتر الشهيرة -الجحيم هو الآخرون- والتي ببساطة تلخص واحدة من أشهر مسرحياته الوجودية "مسرحية لا مخرج".. وعلى الرغم من أن أحداث تلك المسرحية لم تك تتحدث عن جائحة أو وباء إلا أنني أجد العبارة ذاتها عبارة محتملة فيها من المفارقة ما فيها.. فمن ناحية هي عبارة موجزة ذكية حمالة أوجه كثيرة ومعان وفيرة، ومن ناحية أخرى فهي تكاد تكون ملائمة بغرابتها وغربتها ووجعها لهذا الظرف الموجع المستغرب الذي قد ألم بالعالم. 
فهاهو الجحيم فعلا يتسيد المشهد بكامله.. جحيم الهلع.. جحيم التهديد.. جحيم الجهل.. جحيم المرض.. جحيم الهلاك.. كل هذا مجتمعا ومتمثلا في الآخر سواء إن كان هذا الآخر هو أعدى غريب أو أعز قريب.. بل لا ينتهي الأمر عند هذا.. فليس الجحيم هو الآخرون فحسب، بل هو أنت بينهم في غمار الجائحة، حيث أنك أيضا مصدر تهديد وهلع واحتمال مرض للجميع. فالجحيم هو الآخرون الذين أنت جحيمهم أيضا ومن هنا تتضح عدالة هذا السجان القاسي ونزاهته أو ربما عدم عقلانيته وعبثه.
أن العلاقة بالآخرين في ذاتها علاقة ديالكتيكية يطول الحديث فيها، ولكن هذا الديالكتيك يبدو هذه المرة أكثر جلاء ووضوحا ومفارقة أيضا.. فمن جانب رياضياتي نحن أمام فرد واحد -وبشكل احتمالي واحصائي بحت- من الممكن أن يسبب هلاكا للجميع، وكل فرد من الجميع يمثل نفس العبء على المنظومة جميعها.. فعلى الرغم من ضألة تأثير الفرد كرقم بالنسبة لأعداد المجموع -وهذه طريقة رياضياتية بلا شك- إلا أنه يظهر مؤثر جدا من طريق رياضياتي آخر هو الاحتمال ومن هنا تتأتي المفارقة الفارقة.
أما على صعيد فلسفي وجودي فتتأتى مفارقات أخرى كثيرة في نفس العبارة منها مثلا أن ما يأسس له سارتر بعبارته أصلا مرده الفردانية والتي هي قاعدة أساس للوجودية كفلسفة ولليبراليبة كنظام أجتماعي وسياسي.. ولطالما نافحت الوجودية ودافعت الليبرالية عن قيمة الفرد على حساب قيم المجموع.. ولكن في غمار الجائحة تنقلب الفردانية والوجودية والليبرالية كل منها على نفسها، بل وعلى حساب قيمة الفرد وحقوقه لصالح المجموع، حيث لا نجاة أصلا للفرد في شبكة الهلاك الاحتمالية تلك إلا بنجاة المجموع.. فعلى قدر ما يقترب جحيم الهلاك من الآخر الذي قد تظنه الجحيم على قدر ما قد يأكلك الجحيم.. فلا نجاة فردية هذه المرة.. أما أن تتنازل كفرد عن متطلباتك من أجل متطلبات الغالبية فينجوا فتنجو.. وأما أن تتمسك بفرادنيتك الوجودية فيهلكوا فتهلك أنت تباعا. 
ربما نجد لذلك انعكاسا واضحا في أنموذجين بارزين للأزمة هما الصين أيطاليا.. الصين وهي دولة اشتراكية شمولية بامتياز وعلى الرغم من كل ملاحظاتنا السيئة عليها فيما يتعلق بالحريات وحقوق الإنسان إلا أنها تعد أكثر الدول احتواء للأزمة واستيعاب لها رغم أنها أول المتضررين، وهذا تماما على عكس الحال في أيطاليا والتي هي جمهورية برلمانية ديمقراطية يمارس أفرادها قدرا أكبر من الحرية مع قسط أوفر من الحقوق إلا أنها أنهارت تماما أمام الأزمة، وها هي الجائحة تحصد أرواح مواطنيها بكل حقوقهم وحرياتهم بكل حريتها. فهل انقلبت الوجودية على نفسها وبالا.. وقتلت الليبرالية نفسها بديمقراطيتها وحريتها.. أما أن الجحيم وجودي والوجود جحيمي وجميعنا نصطلي بنارهما طوال الوقت؟! 

وبالختام يبقى لي رجاء عند من تصله تلك الكلمات.. ابتعد عن من تحب بقدر حبك له.. وابتعد عن من تكره بقدر كرهك له.. وابتعد عن من لا تعرف بقدر ما لا تعرفه عنه.. كل فرد هو نقطة احتمالية في منحنى دالة أسية تتزايد فيها أعداد المصابين بطريقة سرطانية لا يمكن تخيلها.. كل مخالطة هي تهديد يوشك أن يهلك الجميع.. أنه بحق اليوم الذي لابد فيه أن يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه وفصيلته التي تؤويه ومن في الأرض جميعا لعل ذلك ينجيهم وينجيه.

الاثنين، 16 مارس 2020

جائحة كورونا وانهيار النظام العالمي

   

ها هو العالم الذي طالما ظننا أننا نسيطر عليه تمام السيطرة، وأنه طوع قيادتنا يخرج عن السيطرة، فنتخبط فيه كالعميان أو المجانين.. البناء العالمي الضخم سواء العلمي أو الصحي أو الاقتصادي أو الاجتماعي يثبت لنا أنه مهترئ للغاية، ومن السهل جدا أن يتداعى فوق رؤوسنا في عدة أسابيع.. كل نتاجات الحضارة الانسانية المتراكمة على مر عشرات القرون تبدو الآن هشة جدا ضعيفة المناعة من الممكن أن تنهار في لحظة..

لا يرجع ذلك الضعف والعجز لعظم جائحة الكورونا وسرعة انتشارها فحسب، بل يرجع في الأساس لهشاشة البناء الحضاري الذي ابتنيناه لنعيش فيه معتقدين في قوة امكانياته.. مؤمنين بعظم تحصيناته وقدراته.. أن هذا التمركز الأحمق الساذج حول نتاجات الحضارة لم يورطنا إلا في انتفاخ ذواتنا التي هي في حقيقتها لا تمثل أي شيء..

فعلى الصعيد العلمي أثبتت لنا الجائحة مدى بطىء العلم في مواجهة الكارثة، وعدم قدرته على مجاراة تسارعها بنفس الوتيرة، ناهيك عن فشله التام في التنبؤ.. لا يمتلك الكورونا مؤسسات محكمة ولا أجهزة مسؤولة ولا تمويلات ولا دراسات حين أعلن حربه الضروس علينا.. ها هو يزحف علينا في صمت ويقتلنا كالذباب دون قصد أو إرادة أو هدف.. مجرد كائن دقيق وبسيط ظهر فجأة.. ويخطو أولى خطواته في الوجود دون أدنى وعي منه.. فبماذا فادنا الوعي والإرادة الحرة والعقل والغاية وكل هذه الهراءات التي طالما زعمنا بها لأنفسنا الأفضلية..

أما على الصعيدان الصحي والأقتصادي فكلاهما أسوأ من بعض، ومنهما يفتضح وعي البشر الجمعي بأسره.. العالم البشري مفلس تماما اقتصاديا.. لا تستوعب موارده تنامي سكانه المطرد المهول.. مدين لمستقبله الأغبر بثلاث أضعاف دخله الحالي وناتجه القومي الأجمالي.. بل يهدر موارده في خزعبلات على مر قرون.. فعلى الرغم من عظم الجوائح الوبائية التي واجهها -على الأقل- في الخمسة قرون الماضية لم يتعلم الدرس.. وها هو يواجه جائحة أكثر شراسة وضراوة بنظام صحي فقير الموارد ضعيف الاستيعاب.. حيث لا تستوعب مستشفياته أكثر من ١٥% من سكانه.. ولا تستوعب غرف العناية المركزة فيه فائقة التجهيز أكثر من ١.٥% منهم.. أين كان العالم وهو ينفق أكثر من ربع موارده على اشياء لا تجدي من أنتاج مواد رياضية وفنية و عسكرة و... إلخ.. وربما لهذا يدفع العالم الآن ثمن حمقه واستهتاره.. فترى صناع قراره ملتاعين مثلهم مثل الذي يتخبطه الشيطان من المس.. شيطان الحماقة والغفلة..

أما على الصعيد الأجتماعي فالأمر أكثر تعقيدا وسوء.. فبعد أن أصبح كل إنسان منا جزيرة معزولة في ذاتها، لا يربطه بالآخرين سوى بعض نقرات على شاشة ملساء مضيئة في عوالم كلها افتراضية صنعها جميعا باختياره فأحبها وأدمن عليها.. ها هو يرغمه هلعه الآن لينعزل جبرا لا طواعية ليواجه نفسه التي أفسدها بتضخيمها الزائف.. ها هو يرى نفسه بلا أدنى شأن حيث من الممكن أن تتحول لرقم تافه في حصيلة وفيات الجائحة الحالية..  رقم تافه يمر سريعا على شريط أخباري صامت أو كخبر عاجل سرعان ما يختفي ليظهر الذي يليه.. ها هو الإنسان الذي طالما ظن نفسه محور الأشياء يتعارك مسعورا من أجل عبوة من المطهرات أو بضع معلبات من الطعام دون أدنى تحضر أو عقل ظنا منه أنه قد يفر من الموت.. الموت الذي كان قد نساه تماما في خضم حياته المحمومة المتسارعة الأحداث.. ها هو يواجه الحقيقة التي أهدر موارده كلها كي يتلهى عنها ويشوش عليها.. ها هي تظهر أمامه جلية واضحة كالشمس مع كل عطسة أو كحة أو بصقة.. ها هو يواجهها وحده.. وحده تماما كجزيرة منعزلة حيث الآخر هو احتمال للموت لا النجاة..

الأحد، 15 مارس 2020

مبدأ تضارب المصالح.. لا يمكن أن تحب نفسك والآخر..


وكأن الأمر بأكمله قائم على مبدأ تضارب المصالح.. المصلحة هي المحرك الأول لكل شيء،  والتي هي أيضا بتزايدها واستشرائها سوف تعطل كل شيء.. فمثلا لابد أن أكون إنسانا بكل ما تحمل الكلمة من سوء في تعاملاتي معكم؛ لأظهر في صورة جيدة تلبي رغباتي واحتياجاتي.. ولو صرت على النقيض إنسانا بكل ما حمل الكلمة من لطف وجمال في أعينكم.. فإن هذا لا يمكن له أن يحدث إلا بأن أتجاهل رغباتي واحتياجاتي، بل أحيانا بأن أحمل نفسي فوق ما تطيق. 

لفظة الانسانية محتملة ومتضاربة ومختلة فلا أحد هنا يستطيع إرضاء نفسه والآخر معا.. لاشك أن هذه الفكرة بحد ذاتها في تلك الصورة تبدو متضاربة ومختلة، ويمكن الطعن فيها.. فأنا مثلا بنسبة كبيرة أشعر أن المشكل الحقيقي في حياتي أني منعدم المصلحة.. لا أنشد غاية أو هدف من وراء ما أقول أو أكتب أو أفعل أو أحس.. رغم هذا أبدو في نظر كثيرين حيوانا مملا لا يطاق، وفي نظر آخرين شخصا يستحق الشفقة، وفي نظر آخرين مثيرا للأعجاب والدهشة.. وفي نظر نفسي أبدو في كل هذه الصور على تضاربها.
ربما كثير ممن يحبونني الآن يحبونني ﻷني لا أحب.. أعرف أنهم ينتقدون وحدتي بشفاههم طوال الوقت، ولكني أتفهم أيضا أن وحدتي تلمع في عيونهم، وتغريهم.. الغريب أن تصبح مثيرا فقط ﻷنك صادق الألم..

أما عن الحب.. فمن سنوات قليلة مضت كلما كان يسكرني الحب بنشوته كان التفكير في الغد وملله لا يمهلني ﻷنتشي.. كان ينقض على قلبي سريعا، ولا يتركني إلا وقد أستفقت تماما.. نعم.. أستطيع أن أصف نفسي بأني كنت خياليا يقبع على خلفية واقعية لا تدع للخيال فرصة ليستمر، ولا حتى تدع الواقع ينتصر.. هكذا فعلا عشت سنين لا أعرف معنى التضارب، ولا أفهمه.. ربما الآن كبرت وفهمت واستفقت ولم أعد أقوى على سكر مشين كهذا.. ولكنني لازالت متورط في عالم المخمورين السكاري بوجودي بينهم كل ما تطور في الأمر أني متضارب، وأعرف بذلك.. لا أبرر تضاربي أو تضاربهم، بل وأعتبر التضارب شئ عادي، بل أظنه هو طبيعة الأمر كله.. ولربما نظرا لهذا التطور أصبحت أكثر تأقلما مع أشياء كثيرة منها مثلا عبارات والدي القاسية من عينة  "لقد أنفرط عقدك" أو "أنت قضيتي الخاسرة"  أو "لم أنصف بك يوما". أتفهم جدا قساوة تعبيراته، ومدى الحب الصادق الذي ينبض في حروفها.. أن أبي ببساطة يريد أن يعبر عن رسالة ملحة داخله، وهي أنه ليس سعيد؛ لأني لست سعيد.. أتفهم أنه لن يكون سعيدا إلا إذا رآني سعيدا بالطريقة التي يريدها ويرضاها.. وهذا ايضا تضارب آخر يطعن في كل الاشياء..

فيوضات العبث