لا يخفى على أحد أن الإجراء الوحيد المتاح حتى الآن للتصدي لجائحة كورونا هو إجراء العزل لكافة الأفراد.. "عامل الآخرين جميعا ويكأنهم مصابين أو اعتبر نفسك مصابا، ومارس الحجر المنزلي على نفسك" هذه ببساطة خلاصة توصيات منظمة الصحة العالمية. وعلى هذا يجدر بالجميع حكومات وشعوب ومنظمات ومؤسسات أن يتكاتفوا لتنفيذ هذا العزل بشكل طوعي في كل أنحاء العالم، قبل أن تتفاقم الأمور بزيادة أعداد المصابين، فيتحول الأمر لعزل أجباري وحظر قهري للتجول كما يحدث حاليا في ايطاليا بعدما تفاقمت الأمور، وانهار النظام الصحي أمام تسونامي حالات الأصابة.. الأمر يبدو وكأننا أمام فيروس يحمل طبع سجان غشيم لا يستطيع مسجونيه إلا البقاء في زنازينهم هادئين خوفا من بطشه وغضبه.
ومن العجيب بحق أنه من خلف هذا التكاتف المنشود تطل علينا مفارقة عبثية بامتياز تلائم عبث الوضع الراهن، حيث على الجميع الآن أن يتكاتف -معنويا- على ألا يتكاتف الناس أو يتخالطوا -جسديا-.. على الجميع أن يتوحدوا في أن يتوحد كل واحد منهم في عزلته.. نتوحد "بمعنى نتحد" على أن نتوحد "بمعنى أن نبقى وحيدين". كلمة الوحدة هي مفارقة في حد ذاتها، من حيث أنها لفظة تحتمل المعنى وضده في نفس الوقت. فما بالك حين تكون المفارقة هي الوحدة الناجمة عن حبس قهري يمارسه سجان غاشم غشيم لا سبيل الخلاص منه ولا مقاومته إلا بالبقاء في السجن.
ربما من تلك المفارقات والملابسات طفق رأسي يستدعي عبارة جان بول سارتر الشهيرة -الجحيم هو الآخرون- والتي ببساطة تلخص واحدة من أشهر مسرحياته الوجودية "مسرحية لا مخرج".. وعلى الرغم من أن أحداث تلك المسرحية لم تك تتحدث عن جائحة أو وباء إلا أنني أجد العبارة ذاتها عبارة محتملة فيها من المفارقة ما فيها.. فمن ناحية هي عبارة موجزة ذكية حمالة أوجه كثيرة ومعان وفيرة، ومن ناحية أخرى فهي تكاد تكون ملائمة بغرابتها وغربتها ووجعها لهذا الظرف الموجع المستغرب الذي قد ألم بالعالم.
فهاهو الجحيم فعلا يتسيد المشهد بكامله.. جحيم الهلع.. جحيم التهديد.. جحيم الجهل.. جحيم المرض.. جحيم الهلاك.. كل هذا مجتمعا ومتمثلا في الآخر سواء إن كان هذا الآخر هو أعدى غريب أو أعز قريب.. بل لا ينتهي الأمر عند هذا.. فليس الجحيم هو الآخرون فحسب، بل هو أنت بينهم في غمار الجائحة، حيث أنك أيضا مصدر تهديد وهلع واحتمال مرض للجميع. فالجحيم هو الآخرون الذين أنت جحيمهم أيضا ومن هنا تتضح عدالة هذا السجان القاسي ونزاهته أو ربما عدم عقلانيته وعبثه.
أن العلاقة بالآخرين في ذاتها علاقة ديالكتيكية يطول الحديث فيها، ولكن هذا الديالكتيك يبدو هذه المرة أكثر جلاء ووضوحا ومفارقة أيضا.. فمن جانب رياضياتي نحن أمام فرد واحد -وبشكل احتمالي واحصائي بحت- من الممكن أن يسبب هلاكا للجميع، وكل فرد من الجميع يمثل نفس العبء على المنظومة جميعها.. فعلى الرغم من ضألة تأثير الفرد كرقم بالنسبة لأعداد المجموع -وهذه طريقة رياضياتية بلا شك- إلا أنه يظهر مؤثر جدا من طريق رياضياتي آخر هو الاحتمال ومن هنا تتأتي المفارقة الفارقة.
أما على صعيد فلسفي وجودي فتتأتى مفارقات أخرى كثيرة في نفس العبارة منها مثلا أن ما يأسس له سارتر بعبارته أصلا مرده الفردانية والتي هي قاعدة أساس للوجودية كفلسفة ولليبراليبة كنظام أجتماعي وسياسي.. ولطالما نافحت الوجودية ودافعت الليبرالية عن قيمة الفرد على حساب قيم المجموع.. ولكن في غمار الجائحة تنقلب الفردانية والوجودية والليبرالية كل منها على نفسها، بل وعلى حساب قيمة الفرد وحقوقه لصالح المجموع، حيث لا نجاة أصلا للفرد في شبكة الهلاك الاحتمالية تلك إلا بنجاة المجموع.. فعلى قدر ما يقترب جحيم الهلاك من الآخر الذي قد تظنه الجحيم على قدر ما قد يأكلك الجحيم.. فلا نجاة فردية هذه المرة.. أما أن تتنازل كفرد عن متطلباتك من أجل متطلبات الغالبية فينجوا فتنجو.. وأما أن تتمسك بفرادنيتك الوجودية فيهلكوا فتهلك أنت تباعا.
ربما نجد لذلك انعكاسا واضحا في أنموذجين بارزين للأزمة هما الصين أيطاليا.. الصين وهي دولة اشتراكية شمولية بامتياز وعلى الرغم من كل ملاحظاتنا السيئة عليها فيما يتعلق بالحريات وحقوق الإنسان إلا أنها تعد أكثر الدول احتواء للأزمة واستيعاب لها رغم أنها أول المتضررين، وهذا تماما على عكس الحال في أيطاليا والتي هي جمهورية برلمانية ديمقراطية يمارس أفرادها قدرا أكبر من الحرية مع قسط أوفر من الحقوق إلا أنها أنهارت تماما أمام الأزمة، وها هي الجائحة تحصد أرواح مواطنيها بكل حقوقهم وحرياتهم بكل حريتها. فهل انقلبت الوجودية على نفسها وبالا.. وقتلت الليبرالية نفسها بديمقراطيتها وحريتها.. أما أن الجحيم وجودي والوجود جحيمي وجميعنا نصطلي بنارهما طوال الوقت؟!
وبالختام يبقى لي رجاء عند من تصله تلك الكلمات.. ابتعد عن من تحب بقدر حبك له.. وابتعد عن من تكره بقدر كرهك له.. وابتعد عن من لا تعرف بقدر ما لا تعرفه عنه.. كل فرد هو نقطة احتمالية في منحنى دالة أسية تتزايد فيها أعداد المصابين بطريقة سرطانية لا يمكن تخيلها.. كل مخالطة هي تهديد يوشك أن يهلك الجميع.. أنه بحق اليوم الذي لابد فيه أن يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه وفصيلته التي تؤويه ومن في الأرض جميعا لعل ذلك ينجيهم وينجيه.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق