لا أستطيع أن ألتقط أول الخيط.. مشوشا يأتي الكلام، وينتحر.. هنا أموت.. لم أمت بعد، فيا ليتني أموت.. بئس الوجود إن لم أمت.. بئس العدم إن مت فعلا، ولم أمت.. من قال إن الموت موت، أو حياة هو كاذب.. وأنا كاذب أيضا أفتري حديثا كاذبا على الموت.. لم تقنعني حياة منتهاها الموت، ولا حتى موتا سيفضي لمنتهى الحياة.. مجهول أنا لنفسي تماما كالموت الذي يجهل نفسه، لكني مثله أجيد العبث.
إن لم يتلعثم حبر القلم على الأوراق.. إن لم أشطب كلمة واحدة.. فتلك نبوءة، وكل نبوءة تصدق اليوم ستكذب غدا بنبوءات جديدة.. والقديم والجديد كله كلام.. والكلام يفر من المعنى إلى المعنى إلى النسيان ليولد من جديد.. الكلام لا يفنى؛ لأنه مستحدث أصلا من العدم.
ليس معي من المعانى ما يكفي لكل هذا الذي لا أفهمه، ولا أعرفه، ولا أحدده.. من قال أصلا أن المعاني من الممكن لها أن تسع كل هذا الجهل.. تبقى المعاني دليلا دامغا على الجهل، لكنها على كل حال رغم هذا أبدا لن توافيه أو توفيه.
قطرة في بحر تعلو لتصبح غيمة، وتسقط في محيط الأحتمالات.. الحيرة تماما كضوء الشمس الذي يضرب في وجهي فلا أستطيع أمامه إلا أن أغمض عيني.. اقول في العتمة الحالكة حتى وإن فتحت عيناك لن ترى إلا سوادا صارخا.. وفي الضوء الساطع حتى وإن أغمضت عيناك لن ترى إلا بياضا صارخا.. وأنت في الحالتين أعمى.. لا يمكن أبدا ﻷعمى أن يحتار في الألوان.. ليقول هذا أبيض صارخ، وهذا أسود صارخ.. السواد والبياض سواء.. السواد والبياض عمى..
قلت يوما لنفسي ربما ينبغي عليَّ أن أحتفظ لنفسي بشيء من الوجود الذي فرض عليَّ، ﻷكون موجودا أو حتى ﻷكون نفسي.. كنت أعرف أن كلا الأمرين حتما سيسقيني الأمرين.. متقمصا شخصا ليس أنا مرارا راودتني نفسي "لن أترك ارادتي تتفتت كل يوم حتى لا أكون مسخا مشردا يفر من نفسه فيها.. أذن ﻷبقى أي شيء.. لأبقى سماء وحيدة تطل على زحام ما تحتها دون أن تشارك فيه.. ففيَّ ما فيها من العلو والرحابة و التكبر واللامبالاة والغموض واللانهاية والتقلب.. كذبت رغم أني لم أكذب.. في كل يوم كان يأكلني زحام الأرض.. وزحامهم حولي يزيد الأمر تعقيدا و إرباكا.. في كل مرة كانوا يرفعون أعينهم إلى السماء كانوا يرفعونها فيهم بلا عمد أو سند.. من قال أن سماء كتلك ستكترث ﻷمر التافهين من أمثالنا الذين يرفعون ذكرها وشأنها.. إذا رفعت قدر شيء أعلى من قدره، كنت بالنسبة له في قدر أحط من قدرك.. هم لا يزالون يمسكونها بأعينهم لتبقى فوق.. كم مرة قلت لهم.. ترانا السماء ضئيلين جدا نظرا ﻷننا نراها عظيمة جد.. كذبوني، وصدقتني، وبقيت الأرض مرتحل الناظرين تدهسها الأقدام بالأحذية.. من الواضح أنه لابد للميزان أن يستمر مقلوبا فقط؛ لكي يستمر..
يقول لي الوجود.. أنا يعني أنك هنا.. دع الكلام على سيجته، ودع المعاني تذوب معنى معنى في ضرام الحرب.. ولا تسئل متى تزول الحرب.. فالسلام لن يحل إلا على العمي البكم الصامتين الذين لا ينتظرون السماء، ولا حتى ينظرونها.. الكلام هو السماء، والعراك سيستمر.. أعلى سقف لكم هو الكلام.. لا يمكن تخيل سقف بعده.. ستستمر الحرب طالما ظلت السماء تمطر بالكلام.. ستستمر الحرب إلى أن تنطبق السماء على الارض من فرط الكلام.
من فوق عرشه يناديني بصمته ولامبالاته.. أو هكذا أزعم.. حملني بكل هذه العوارات، واستتر عني، وهو بلا عورة.. ربما منطق كهذا الذي حدث يجبرني على القول بأنه ليس موجودا؛ لأني لو قلت بغير هذا لخالفت عقلي وجننت.. حينها يرفع عني القلم، وأسقط في عالم الدراويش المجاذيب الذين يرددون الحقائق على المسامع، ولكن لا يلتفت إليهم أحد.. فقط لأنهم خالفوا ناموس العقل الذي يراه الجميع ناقصا عاجزا قاصرا لابد أن يخالف؛ ليأتي بالجديد، ولكنهم رغم هذا، وكالعادة يرفضوا جديده في البداية بمنتهى الفزع.. ربما يفعلون هذا ليمنحوا أحفاد أحفادهم فرصة ليعتبروا هذا الجنون في عصور لاحقة منتهى العبقرية والعقل.. يستمر العقل قاصر كي يستمر الجنون هو عقل الغد.. ويستمر هو فوق عرشه صامتا لامبالي.
لو أني فعلا أعرف ما أريد قوله لمت من فرط الزهو بنفسي، ولكنى لا أعرف.. ورغم هذا لا أكف أبدا عن الكلام.. ربما نظرا لهذا أبعثر في وجوهكم ما يجود به العبث، وما ألتقط أشارته من أرسال الهذيان، حتى وإن كان لا يعني شيئا؛ لأن اللا معنى بذاته يعني الكثير والكثير..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق