الاثنين، 28 ديسمبر 2015

الحقيقة المفضية إلى اللا حقيقة


هل الحقيقة التي تصل بنا إلى اللا حقيقة تظل حقيقة؟؟

بالطبع لست تافها لدرجة أن أبحث عن الحقيقة.. فالمنتجات التي أنتجها هذا البحث منذ البداية إلى الآن كفيلة أن تجبر أي عاقل على أن ينأى بنفسه بعيدا عن مثل هذه الحماقات. كل ما الأمر أنه باغتني سؤال ما نبت من فراغي وقادتني محاولتي للإجابة عنه إلى لفظة (الحقيقة). 

كان السؤال الذي ابتدأت منه.. ما هو الشيء الذي لا ضد له؟؟ ربما باغتني سؤال كهذا نظرا لحنقي الشديد من التفكير في التناقض الذي تنبني عليه الحياة، فتظهر بسببه معقدة جدا وعبثية جدا في نفس الوقت. فالتناقض في وجه نظري هو خلل الوجود الأكبر الذي لا يستقيم معه أي شيء. 
وبعد تأمل ليس بالقصير وجدت الإجابة. أنت لا ضد لك.. أنا لا نقيض لي.. ولكن ماذا أقصد بأنت وأنا؟؟ بعد تفكير وصلت أني أقصد بـ -أنا وأنت- الحد الفاصل الذي جعلني إنسانا، وجعلك إنسانا آخر. إنه الوعي، "الانسان هو الموجود الوحيد الذي يعي ذاته". إذن فالشيء الذي لا نجد له ضد هو الوعي، وعينا بذاوتنا.

ولكن ما علاقة هذا بالحقيقة؟؟ في واقع الأمر العلاقة نشبت من أن التناقض والمتناقضات لم توصلنا إلا للأوهام والضلالات والحماقات، وبالتالي فالحقيقة كي تكون حقيقة لابد أن لا يشوبها نقيض، ولا يقابلها ضد. ومن هنا أفترضت أن الوعي هو الحقيقة. 
كي نعي تلك الحقيقة لابد أن نعي الوعي ذاته، وتلك متاهة لانهائية لن نستطيع الخروج منها إلا بالمتناقضات، ولن توصلنا إلا للمتناقضات التي لن توصلنا إلا إلى الأوهام والضلالات والحماقات واللاحقيقة. ومن هنا لاح السؤال ملحا.. هل الحقيقة التي تصل بنا إلى اللاحقيقة تعد حقيقة فعلا؟؟

هنا فعلا توقفت عن التفكير، ولم أبحث عن إجابة؛ لأن كل سؤال يتورط في إجابة، وكل إجابة تورطنا في مئات من الأسئلة الأصعب.. السؤال في حقيقة الأمر قيد عظيم، قد يكذب علينا في البداية، فيصدر نفسه على أنه قيد غير محكم مريح؛ لنتمادى نحن في تصديقه، ونعتبر أنفسنا أحرارا فيه، لكن الحقيقة أننا مسجونون في زنزانة وعينا تقيدنا الأسئلة بالبحث عن الإجابات التى تحكم وثاقنا بمزيد من الأسئلة.. وهكذا إلى ما لا نهاية. ولهذا يبقى الموت هو الأمل حيث أنه هو الباب الوحيد الذي يحجب المجهول من خلفه.. المجهول الذي قد يكون الحقيقة.

الحقيقة التي قد لا تجدي نفعا هنا، حيث لا شيء فعلا يجدي نفعا.. فلا الذين يغلقون الماضي على أنفسهم حفظهم ماضيهم، ولا الذين غلقوا من خلفهم باب ماضيهم دون رجعة طمئنهم حاضرهم، ولا حتى الذين راهنوا على المستقبل المجهول وقفت بصفهم حظوظ الاحتمالات.. في النهاية تجد هذه الدنيا الرحبة مكانيا يحجمها الزمان؛ لتبدو ضيقة جدا أمام عيوننا، جاثمة بكل رحابتها فوق صدورنا. الأضداد تضفي براحا خانقا لا تجد فيه شيء صافي استطاع أن ينجو ويتخلص من نقيضه.. لا يوجد للأسف شيء بلا نقيض. فحتى رحابة المكان التى تتسع يوما بعد يوم يحاوطها مثلث الزمان بأضلاعه الماضي والحاضر والمستقبل.. وبالنهاية تدفعنا تلك الرحابة إلى الموت مختنقين في الزوايا الضيقة، وتلك هي الحقيقة.

لا أحد هنا يتحيز للحقيقة، ولا حتى للوهم.. كل منا يتحيز لنفسه بطريقة أو باخرى، وكل هذا التخبط يحدث؛ ﻷنه لا يوجد أحد يستطيع أن  يفهم نفسه جيدا.كل تلك الأحكام التي تسمعها الآن ليست قاطعة؛ لأنه لا يمكن البت في قضية الحياة إلا بالموت. وتلك هي أهم بديهية يتجاهلها الناس؛ ليتمكنوا من ممارسة الحياة المليئة بالعوائق. حيث العدم أحد عوائق الوجود، والوجود أحد عوائق المعنى، والمعنى أحد عوائق العقل، والعقل أحد عوائق الإدراك، والإدراك أحد عوائق الفهم، والفهم بحد ذاته عائق. ليس باستطاعتك شيء هنا سوى تقديس العوائق والتسليم لها؛ لأنك مهما تحايلت حتما ستصل في النهاية إلي عائق لا يمكن تجاوزه، ألا وهو عائق الحقيقة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

فيوضات العبث