بينما كنت مسترخي في سريري أقرأ خطبة "لاكي" العصماء التي ألقاها "في إنتظار غودو" الذي لم يأتي، ولن يأتي. استشعرت أن سقف الوعي منخفض إلى حد لا يسمح لعقولنا إلا أن تبقى منحنية.. وأن محاولة صمويل بيكيت لرفع عقولنا فوق حد العقل بالعبث لم ينتج عنها سوى ارتطام مدوي لرؤوسنا بهذا السقف المنخفض جدا للوعي. ارتطام مؤلم بحق.
في الحقيقة نحن انعدمنا من العدم.. كنا.. عدم أفسد نفسه؟! عدم أصلح نفسه؟! لا فرق. نعم ولا؟! لا ينفصلان، نعم. الوجود على كل حال هو إبتداء العدم، وعلى هذا النحو بدأ الإنتظار، وبمثل هذا انتصر السأم. لاشك أنك إذا نظرت إلى داخلك بنظرة سريعة سترى الصورة واضحة نوعا ما، لكن كلما توغلت.. أمعنت.. تعمقت.. ستجد أن الصورة تزداد قتامة وصولا إلى عتمة حالكة وظلام دامس مجهول كهذا الذي سقط في صمويل بيكيت ليكتب لنا تلك المسرحية.. ربما هذا المجهول هو الذي يصدر لنا كل تلك الصور التي تطفو على السطح. الصور التي تظن أنها انت.. أنها أفكارك.. أبعادك.. معاييرك.. منطقك.. إرادتك.. كل هذه الأشياء هي من صنع المجهول المعتم الذي يملأك.. كل هذه الأشياء هي التي تصنع الصورة السطحية التي تطفو لاحتياجاتك التي تدفعك إلى الإستمرار للبحث عن أجابة للسؤال الضخم العظيم: ماذا أريد؟؟
كل القوى التي تدفعك إلى الأمام .. كل الافكار التي أنتجت هذا السؤال.. كل الاحتياجات التي تدفعك للاستمرار في الركض.. ما هي في الحقيقة إلا حيل المجهول الأكبر الذي ينتظرك بعد الموت.. كل ما في الأمر أنه قد حدد موعد المقابلة مسبقا، وأخترع هذا الطريق الطويل كي تصل إليه في الموعد الذي حدده. إن عدم خوفي من أن أموت وعدم لامبالاتي لا يعني عدم خوفي من الموت، بل على النقيض يعكس مدى رعبي منه، ومن سهامه الطائشة التي قد تنال أحبابي المحيطين الذين أتشكك أصلا في صدق حبي لهم، بل أتشكك أصل في لفظة الحب ذاتها وفي مغزاها، ولكن أقولها لأني لا امتلك الآن من الصبر ما يسعفني لأجد لفظة أخرى ملائمة.. على كل حال أنا مستعد أن اموت و انا في غاية الرضا و السعادة على أن أعيش بدونهم. تلك هي الحقيقة التي تتداعى على نفسها بالوقت.. أو بالأحرى هذا ما يحدث عندما يجابه صفرا مثلي الما لا نهاية على ضخمتها.. هكذا يحدث الخلل، وتصبح القيمة غير معرفة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق