في هذه المرة بدا وكأنه لا يراني من الأساس، بل لا يرى شيئا على الأطلاق. مستغرقا كعادته في تفكيره العميق، لكن عيناه المثبتتان نحوي واللتان تتطابقان تماما مع أعين الموتى كانتا مخيفتين جدا أكثر من أي وقت مضى. كعادته متخشبا تماما مثل الكرسي الذي يجلس عليه، ينظر نحوي في ذهول لا يرتد إليه طرفه.
منذ ثلاثة أعوام وأنا أراقبه كل مساء في محطة الانتظار تلك. منذ ثلاثة أعوام وهو يحدق نحوي كأني فراغ يرى فيه كل شيء يفكر فيه. منذ ثلاثة أعوام وأنا كل يوم أجلس أمامه في ساحة الأنتظار في نفس الموعد تقريبا، وأفكر.. فيما يفكر هذا العجيب الباهت الشاحب. لكن هذه المرة بدا الموقف وكأنه أكثر جلالا وهيبة وحسما.. لم أفكر من قبل أن أتحدث إليه.. ربما أخشى على نفسي منه.. ربما أخشى عليه مني.. ربما أشفق عليه أو أشفق على نفسي.. ربما أخشى أن تنكسر صورته أمامي بالحديث أو أن تنكسر صورتي أمامي حينما أذهب إليه ولا أجد ما أقول.. الاحتمالات كعادتها لانهائية وجميعها واردة.
لكن هذه المرة كانت تحدثني نفسي أن أقوم إليه وأقطع حبل مشنقة تفكيره التى تنعكس في عيونه.. هذه المرة كانت تستدرجني تلك المغامرة الغير محسوبة.. وبينما كنت أفكر في أن أذهب إليه وأحادثه.. إذا به قام منتفضا فجأة، فارتبكت.. وكأنه قد علم بفضولي الذي يحاصره منذ ثلاثة أعوام.. حك رأسه للحظات.. أخرج قلما واِلتقط ورقة من سلة المهملات.. حك رأسه من جديد بطرف القلم، ثم دون شيئا ثم مشى إلي في ثبات.
كانت دقات قلبي تتسارع مع كل خطوة يخطوها نحوي، وكأنه الموت.. اِبتسم بسمة شاحبة، فابتسمت ارتباكا.. ثم جذب كفي، ووضع فيها الورقة، وأطبقها وأطلقها.. ثم ربت على كتفي بحزم، وأدار ظهره بهدوء وانصرف.
وبينما كان يتابع خطواته مبتعدا كنت أحاول السيطرة على ارتباكي وفضولي.. كنت أشعر أن الحقيقة أصبحت كلها في قبضتي، لا ينقصني إلا أن أنقلها إلى عقلي ليدركها ويكمل ما بقى منه من تفكير في ضوئها.. فهل يتسع عقلي لما اتسعت له قبضتي؟؟
ربما نتاج ثلاثة أعوام من التأمل في هذا المجهول لابد أن تفضي إلى الحقيقة.. قطعا أنها الحقيقة.. كنت أشعر أني نجوت من موت محقق لتوي، ومعي ما منحني هذا الموت من الحقيقة. وبينما كان يبتلعه طول المسافة مبتعدا.. كانت دقات قلبي تنتظم تدريجيا إلى أن غاب تماما، وعادت هي سيرتها الأولى.. وعندها لسبب غير معلوم وجدتني أحك رأسي بشدة مثله، ثم فتحت كفي لأجد الورقة.. تذكرة قطار بتاريخ اليوم ولكن من ثلاثة أعوام مضت.. كتب في ظهرها بخط منمق "ليسيد".

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق