هذا الكلام لا يفهمه عابر، ولا حتى مدقق. هذا الكلام لا يفهمه سوى من لم يفهمه، ويتفهم ذلك. أشياء كثيرة تلك التي لا تحتاج منا أن نفهمها على قدر ما تحتاج منا أن نتفهم عدم تفهمنا لها بأريحية ورضا وعدم سخط، ولهذا لا تطلب من قراءة كلام كهذا شيئا سوى تلك الدقائق الضائعة في المطالعة؛ لأن ضياعها في مطالعة شيء لا حكمة فيه، ولا طائل منه، ولا يمنحك شيئا يعد أمرا صحيا ومفيدا.
الوقت يا عزيزي داء عضال لا خلاص منه إلا بمهاترات لا جدوى منها كتلك التي تطالعها. الوقت الذي هو تماما على وزن الموت.. هل يا ترى نعرف داء أصعب منه؟؟ هل يوجد داء أسوأ من حساب وعد اللامحسوب واللامعدود؟؟ هل هناك ما هو أكثر حمقا وجنونا من أن نعد السراب، ونتتبع حساب ما لا نعرف له نهاية؟؟ هل يوجد مفسدة هنا أكبر من الوقت؟؟ لو توقفت لتمرره أدركت أنه سيفا مثلوما لا يقطع أي شيء، ولا حتى نفسه.. ولو مررت نحوه لتوقفه مضى فيك تقطيعا من كل جانب.
وعلى نحو هذا تكون أنت نسبي تماما مثله، بل وستبقى غير قابل للحسم والفهم ما دام باقيا في عقلك. أوتفهم تلك الرغبة الملحة التي تدفعنا لحسم الأمور وفهمها؟؟
أعرف هذا الخلل الذي تقاسمه البشر جميعا هنا في تلك الورطة.. وأعرف أيضا أنه في رحلة سير طويلة قصيرة كتلك التي بالحياة لا مفر من أن تقودك قدمك المنهكة الحائرة دون أن تشعر لترتاح على مقعد الأمل الموسد بعبث أحلام الخلود، وفوضى أوهام التمني، ولكن عليك هنا أن تعرف شيئا لا أهمية له على الأطلاق.. أمام مقعد الأمل يختلف الناس كثيرا في البداية ليستوا في النهاية بنتيجة واحدة.. فمن لا يستسلمون للجلوس طويلا، وينهضون سريعا لمجابهة الواقع على حاله يموتون كمدا.. ومن يطيلون الجلوس متأملين في أمنيات خيالهم متشبثين بالمقعد يقتلهم الإنتظار.. وحتى من يتقلبون جلوسا ووقوفا يموتون متمزقين بين أمانيهم ويأسهم.
لا شك أن المحرك الرئيس هو أنت، وأنت هو ما يعرفه الجميع حولك من حتمية موتك الذي لا تعرفه أنت لنفسك إلا بمرور الوقت.. في كل الأحوال لا أحد يموت من أجلك، ولا حتى أنت.. الناس يموتون لأجل أنفسهم التي لن يعرفوها إلا بانعدام الوقت فيها.. أنفسهم التي قد تفضل السير أو الجلوس أو حتى تتقلب بين هذا وذاك تمنيا ويأسا حقيقة ووهما أمام مقعد الأمل المغري جدا.
وبهذا تكون النفس كمطلق غير مطلقة على الأطلاق حيث أنه لا نستطيع في حال كهذا تعريف الحياة "أو ما قد تبدو حياة" سوى أنها تفهمنا لعدم فهمنا للأمر برمته.. وعند ذلك يكون تمريرها دقيقة دقيقة ويوما يوما هو رأس الحكمة وعينها، وهذا أمر يحتم عليك شكري لأني ساعدتك في مرور دقائق منها بمطالعتك لهذا الهراء المسهب الذي لا طائل من ورائه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق