لم تكن تشغلني رماح الغدر التي كانت تملأ صدري العاري. كنت أعرف جيدا أن الآخر البعيد ليس سوى عدو لدود به من الخسة والجبن ما يستحق الشفقة أكثر من النقمة. أنه ببساطة يظن أنني أزاحمه على فرصة البقاء في عالم متداعي بطبعه لا يرحم أحد، ولكن ما استوقفني بشدة هي تلك الطعنات التي توالت على ظهري من أقرب أقربائي.. كيف سولت لهم أنفسهم فعل كهذا، وفي بقائي بقائهم؟!
في الحقيقة لم يعد شيء في الحياة يثير دهشتي أكثر من اجتماع كل أشيائها على إيذائي رغم أني أضعف بكثير وأهون بكثير من كل هذا التصدي. أنه بحق لشيء مثير للسخرية أن يجتمع كل هؤلاء لقتل شخص مثلي تقتله نفسه كل يوم ألف مرة.
وها هي الطعنات لا زالت تتهاوى فوق قلبي المتهاوي حزنا، وكأنه غير موجود، أو كأنها لا تنتهي، أو كأن لازال في الحزن متسع يكفي لأشعر بها. الحياة تمعن في اختباري أصعب الاختبارات، وأنا المفرط بمعرفتي بجهلي، وقلة حيلتي، ولاجدواي.. تريد انتزاع اعتراف قسري مني بعجزي الذي لطالما أقررت به طواعية، واستسلاما بمناسبة، وبدون مناسبة. الأوجاع تتحدى نفسها فيَّ، ويكأني خصمها الوحيد، ويكأنها لا تستطيع أن تتثبت من وجودي إلا بالألم.
يبدو أن هذا الاستسلام اللامبالي الذي أواجه به نفسي هو ما يستثيرها ضدي. يملؤها بالبغضاء حيالي.. أعتقد أن حياديتي تجاهها تملؤ قلبها باحتقاري.. احتقار لا تبديه من باب المكابرة، ولكنه يظهر جليا في هلاوس عبث وأسئلة تضج مضجعي.. منها مثلا هذا السؤال الذي يؤرقني..
إلى أين أذهب وأنا أمامي الجدار الذي هو خلف ظهري؟!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق