السماء تتسيد المشهد كعادتها. لا شيء يخفي الشمس.. قبة فضية يتوجها هلال صغير. تنحدر الجموع هبوطا من على السلم المرتفع إلى الباحة.. يتراصون كتف لكتف إلى خارجها وعلى طول المسار المؤدي للنهاية. ثم فجأة يظهر النعش محمولا يتبختر على الأكتاف يسوقه النفير.. تمتمات داكنة.. همهمات ساكنة ينساق من خلفها الجميع خلف النعش في مشهد سريالي محكم.. أصابع مرفوعة تشير للسماء يتحركون بها مبتعدين عن القبة.. نحو الزقاق الضيق.. تتباطئ الحركة نظرا لضيق المكان.. عشرة آلاف مشيع يتناثرون في تلك الأزقة الضيقة تحوطهم المقابر بأبوابها المعدنية الخضراء الصدئة، وبأقفالها الكبيرة المغمودة في الخرق المتربة.
يستقر بي المطاف فوق تبة من أوراق الشجر المتساقطة. ربما لم يتذكر أحدا تلك الشجرة منذ وقت ليسقيها، أو ربما ماتت أورقها حزنا على الموتى. صوت يظهر جليا بعربية فصحى لا أستبين صاحبه من مكاني.. يخطب خطبة قصيرة ثم يطلب منا الدعاء سرا.. فأتذكر الراحل الذي لم أعرفه جيدا.. كان علما.. لم يكتفي من روث الحياة إلا بخمسة وسبعين عاما عرف فيهم بشرا أكثر ممن شيعوه.
أنظر إلى يداي المبسوطتان.. إلى كومة الأوراق الجافة التي أعتليها.. إلى الصبار المتناثر.. إلى الأبواب الموصدة.. إلى الاقفال المكفنة في الخرق.. فأتفهم ضعف الموت أمام جبروت الموتى.. وأدرك جبروته على أمثالنا من الأحياء.. ثم يتعالى صوت بعد عدة ثواني مجلجلا.. شكر الله سعيكم.. ربما يقولها للناس أذانا لهم بالانصراف.. يكررها عدة مرات.. فينفض الناس تدريجيا وأبقى كعادتي وحدي.. أتنقل بين الأزقة الضيقة متفحصا اللوحات الرخامية للأسماء وصولا إلى اسم جدي.. يرقد هنا إلى جانب أبنه إلى جانب أخيه وأخته و..... جميعهم استراحوا هنا أخيرا من زمن بعدما أغلقوا على أنفسهم باب من النسيان يزيد صلابة مع الوقت.. تركوا دنيا النسيان إلى نسيان الدنيا واستراحوا.
المكان حقا موحش لكنه هادئ.. مخيف لكنه مريح.. موجود ولكن لا أحد يفكر فيه.. حقيقي لكن لا أحد يريده.. فانصرف محترما المجهول إلى الانشغال بالنسيان على أمل العودة قريبا.. أو ربما لا داعي للعجلة يوما ما سآخذ نصيبي كاملا من المجهول
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق